ورفعت المعارضة التونسية عبر هذه الرسالة، التي ضمت أسماء بارزة من بينها عميد المحامين والوزير السابق عبد الرزاق الكيلاني والناشط عز الدين الحزقي والوزير والبرلماني السابق مبروك كرشيد وأستاذ الطب والوزير السابق محمد صالح بن عمار، منسوب المواجهة الصريحة ضد ما وصفته بالدعم السياسي الخارجي لسلطة قيس سعيد التي «قوضت مسار الانتقال الديمقراطي بالبلاد».
ورفضت القيادات التونسية محاولات اختزال العلاقات الأخوية التاريخية بين البلدين في مساندة خيار استبدادي يقمع المدافعين عن الحرية والديمقراطية.
وأوضح الموقعون أنه على الرغم من تثمينهم للتأكيدات الجزائرية بأن أي اعتداء على أمن تونس يمثل اعتداء على الجزائر، إلا أن انشغال الشارع التونسي يكمن في الإشادة المتكررة من تبون بالنظام الحالي.
إقرأ أيضا : تونس ترفض «حماية» تبون.. جبهة وطنية تتكتل لردع التدخلات الجزائرية
وانتقدت الوثيقة تقديم غطاء وسياسي خارجي لسلطة «عمدت إلى تقويض مسار الانتقال الديمقراطي بالكامل، ودشنت عهدا طافحا بالقمع الشديد والتضييق على الحريات العامة».
واستعرض النص حجم «الانتهاكات الحقوقية» التي شهدتها البلاد في ظل الحكم الفردي، مشيرا إلى الملاحقات القضائية التي طالت سياسيين ومحامين وصحفيين ورجال الأعمال ونشطاء بسبب مواقفهم السياسية. وانتهى الأمر بهؤلاء المعتقلين إلى السجون أو الشتات في المنافي بموجب أحكام افتقرت لأبسط معايير المحاكمة العادلة.
وجدّدت الشخصيات الموقعة، ومن بينها الصحفي عامر عياد والبرلمانية السابقة لطيفة حباشي، التزامها المبدئي بمكافحة الإرهاب والتطرف ورفض التهديدات الأمنية. وجزمت الرسالة بأن تونس الديمقراطية القائمة على دولة المؤسسات تشكل سندا حقيقيا للجزائر ودعامة ركينة لاستقرار المنطقة، بيد أنها شددت على ضرورة «التمييز بين أخوة الشعوب وبين الحسابات السياسية الظرفية للأنظمة».
وذكرت الوثيقة الرئاسة الجزائرية بالتاريخ المشترك المعمد بدماء المقاومين ضد الاستعمار، وبالمواقف التاريخية للجزائر التي طالما وفرت الحماية للأصوات التونسية الحرة الرافضة للظلم.
وحثت المبادرة الجزائر على الانحياز لقيم الديمقراطية والعدالة عبر الدفع نحو «حل سياسي سلمي يطوي صفحة الدكتاتورية، ويعيد الاعتبار لدولة القانون والمؤسسات، بدلا من إمداد النظام الحاكم بأسباب بقائه».
وشددت المعارضة التونسية على أن استقرار المنطقة المغاربية برمتها لا يمكن أن يُبنى إلا على أسس ديمقراطية متينة تضمن التداول السلمي على السلطة واستقلال القضاء، نافية أن تشكل الديمقراطية خطرا على أمن الإقليم.
وأكدت أن تونس الديمقراطية ستكون الحصن المنيع للجزائر في مواجهة المخاطر، داعية إلى تجاوز منطق الهيمنة لصالح بناء مغرب عربي موحد وقوي.
سياق متوتر وغليان ميداني رافض للوصاية
جاءت هذه الخطوة السياسية في أعقاب حالة الغضب الواسعة التي أججتها تصريحات الرئيس الجزائري أواخر يوليوز الماضي، حين توعد بعبارات غير محسوبة بـ«تخريب خيمة» كل من يهدد استقرار تونس.
وهو التصريح الذي اعتبره الشارع السياسي والمدني تطاولا ومحاولة لفرض «وصاية أمنية» تتعامل مع تونس كدولة تابعة تفتقر للقدرة والمؤسسات.
وتزامنت هذه التحركات الدبلوماسية مع غليان ميداني احتشد فيه آلاف المتظاهرين في شوارع العاصمة تونس للتنديد بتدهور الأوضاع المعيشية وانقطاعات الكهرباء والماء، مرددين شعارات المطالبة بإسقاط النظام ورسائل حادة من قبيل «جاك الدور يا قيس يا دكتاتور».
وأبرز الحراك الشعبي التناقض الصارخ بين تطلعات التونسيين نحو الحرية والإصرار الجزائري على الاستثمار في خيار الاستبداد، وسط صمت رسمي مريب من السلطة التونسية التي أحجمت عن ردع التجاوزات الخارجية.
الرفض القاطع لكل أشكال الوصاية
تضع الرسالة المفتوحة نقطة النهاية لأي مناورة تحاول الالتفاف على التطلع الشعبي في تونس، لتعلن بصوت واضح الرفض القاطع لكل أشكال التدخل الجزائري في الشأن الداخلي. فالتونسيون يرفضون تحويل أرضهم إلى ساحة خلفية أو منطقة نفوذ تُدار بمنطق «التعالي السياسي والوصاية الأمنية».
ويؤكد هذا الموقف الجمعي أن حماية سيادة تونس واستقلال قرارها الوطني خط أحمر لا يقبل المساومة. فأي محاولة لإملاء الخيارات أو تغليف التدخل بعبارات الأخوة لن تزيد الشارع التونسي إلا إصرارا على التمسك بحريته، ورفض التبعية كافة.
