بين الحلول الترقيعية وهوس «المؤامرة».. النظام الجزائري يغرق في جحيم الحرائق

شهدت الجزائر اندلاع نحو 1550 حريقا غابويا خلال أقل من أسبوعين من شهر يوليوز

في 23/07/2026 على الساعة 15:50

فيديوتسابق فرق الإغاثة والحماية المدنية الجزائرية الزمن لحصار أزيد من 82 بؤرة حريق مشتعلة خلال الساعات الماضية، تتوزع على 24 ولاية، إثر موجة نيران عاتية اجتاحت غابات الشرق والشمال الجزائري واشتدت ضراوتها بتسجيل 138 حريقا متزامنا. وأجبرت ألسنة اللهب المتمددة السلطات المحلية على إجلاء عشرات العائلات ونقل أزيد من مائة مصاب إلى المؤسسات الاستشفائية، بالتزامن مع إخلاء المستشفى المحلي لبلدة «سرايدي» الجبلية احترازيا إثر اقتراب النيران من التجمعات السكنية.

أسفرت الحرائق الغابوية بالجزائر، التي شهدت اندلاع نحو 1550 حريقا خلال أقل من أسبوعين من شهر يوليوز، عن خسائر بشرية ومادية متصاعدة شملت تضرر ما لا يقل عن 150 مسكنا بشرق البلاد، وارتفاع إجمالي الوفيات إلى 6 قتلى وفق الإحصائيات الرسمية.

وتتمركز أشرس الجبهات المشتعلة في غابات بوخليفة ببجاية، وسرايدي بعنابة، وبني وارسوس بتلمسان، إضافة إلى كتل حرجية بالطارف وجيجل وسوق أهراس؛ حيث تتضافر درجات الحرارة القياسية المتجاوزة لـ50 درجة مئوية مع الرياح العاتية لإعاقة جهود الإطفاء الجوية والبرية وتغذية اشتعال البؤر من جديد.

تشخيص بنيوي: تفكيك العوامل العميقة للمأساة

تتقاطع هذه المستجدات الميدانية مع القراءة التحليلية التي قدمها الصحفي الجزائري عبدو السمار في مقطع فيديو جديد على قناته بمنصة «يوتيوب»، إذ فكك العوامل البنيوية لمأساة سنوية كبدت البلاد خلال خمس سنوات زهاء 180 قتيلا ودمار عشرات الآلاف من الهكتارات.

ففي صيف 2021 حصدت حرائق منطقة القبائل أرواح أكثر من 90 شخصا من بينهم 33 عسكريا، وسط تقديرات غير رسمية تجاوزت 150 ضحية. وفي غشت 2022 قضى 44 شخصا في ولايات عدة تقدمتها الطارف بـ36 قتيلا، لينضم صيف 2023 إلى السجل الأسود بـ 34 قتيلا وإصابة 325 آخرين إثر نشوب 140 حريقا بمختلف المناطق.

وينطلق أول الأسباب البنيوية لهذه الكارثة، حسب السمار، من التمدد العمراني العشوائي، حيث يقيم أكثر من 5 ملايين مواطن داخل الأوساط الغابية أو بمحاذاتها مباشرة. وتبرز المشكلة بوضوح في قرى القبائل المعزولة التي تربطها بالمنافذ الخارجية طرق جبلية ضيقة، مما ينقل ألسنة اللهب إلى قلب المنازل ويمنع السكان من الفرار، تماما كما حدث في بلدة «آيت أوسلاح» حين حاصرت النيران 16 مواطنا داخل سياراتهم سنة 2021، وقضت عليهم فورا.

ويرتبط السبب الثاني، وفق المتحدث ذاته، بالتقلبات المناخية المتطرفة، حيث تواجه البلاد موجات حرارة غير مسبوقة لامست 55 درجة مئوية في الظل. وتنضم إلى هذا الارتفاع الحاد في الحرارة فترات جفاف ممتدة ورياح عاتية، مما يحول الغطاء النباتي والأحراش إلى عبوات شديدة الانفجار ومشتعلة بشكل مفاجئ يتجاوز قدرات السيطرة الأولية.

أما السبب الثالث -يضيف السمار- فيتمثل في هشاشة الغطاء الغابي نفسه وتهالكه، إذ لا تتعدى المساحة الخضراء الإجمالية 4.1 مليون هكتار، مع معدل تجديد وإعادة تشجير ضعيف جدا لا يتجاوز 2%. وتتضاعف مخاطر هذا العامل بفعل إهمال عمليات الصيانة الدورية، وغياب المسالك المائية، وتدهور الطرق الغابية التي تتيح لفرق الإطفاء التدخل السريع.

ويشكل العامل البشري والسلوك العشوائي السبب الرابع المباشر في اندلاع الحرائق، وتأتي المزابل العشوائية المنتشرة في أطراف الغابات على رأس المصادر المسببة للنيران. وتتفاقم هذه الوضعية جراء رمي الفضلات القابلة للاشتعال كالقنينات الزجاجية والعلب الفارغة، إلى جانب الإصرار على اعتماد أساليب تقليدية خطيرة كإحراق الأراضي لتخصيبها.

ويتجسد السبب الخامس والأخير في غياب رؤية استباقية وتأخر تكييف وسائل المواجهة مع الواقع الجديد. وتستمر الجهات المعنية في اعتماد آليات كلاسيكية لم تعد تلائم شدة التغير المناخي، ناهيك عن الدفع بعناصر غير مدربة من مجندي الجيش لمواجهة جحيم الغابات بأسلحة فردية بدل الدفع بفرق إطفاء متخصصة ومجهزة تقنيا.

بين شماعة «المؤامرة» والحلول الميدانية

تفضح تصريحات التهدئة الصادرة عن وزيري الداخلية، سعيد سعيود وإبراهيم مراد، عقيدة إنكار مستحكمة في تعاطي نظام العسكر مع الفواجع البيئية؛ إذ تلوذ الأجهزة الرسمية بالتستر على الحصائل الميدانية المتصاعدة وتغييب عجز التجهيزات، فرارا من أي تقييم شجاع للخلل التدبيري.

ويكشف هذا التعاطي عن عقيدة راسخة تقوم على البحث المستمر عن شماعة خارجية لإسقاط الفشل الإداري والهيكلي، وهو ما جسده قرار رسم خطة الهروب إلى الأمام في غشت 2021، حين سارع المجلس الأعلى للأمن برئاسة عبد المجيد تبون إلى توجيه اتهامات مجانية للمغرب بالتورط في إشعال الحرائق، في خطوة انتهت بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الرباط.

وبينما يكتفي القضاء اليوم بفتح تحقيقات أمنية ومتابعة مشتبه فيهم بإضرام النيران، يظل هذا الاختزال الجنائي قاصرا عن حماية الأرواح وتأمين المساحات الغابية.

وفي مقابل هذا الارتهان لمنطق «المؤامرة الخارجية» والحلول الأمنية الترقيعية، يضع الإعلامي الجزائري عبدو السمار الأصبع على الداء عبر طرح استراتيجية ميدانية حازمة تتجاوز البروباغندا الرسمية نحو معالجة أصل الخلل.

وتنطلق هذه الخطة العاجلة من إعادة هندسة المجالات العمرانية المتاخمة للغابات وفرض حزم وقائية وعوازل ضد النيران، بالتزامن مع التطهير النهائي للمزابل العشوائية التي تشكل البؤر الأولى للاشتعال، بدل انتظار اندلاع الفاجعة وإلقاء اللوم على الأيادي الخفية.

ويتطلب تجاوز الاستجابة الارتجالية، حسب السمار، إرساء منظومة إنذار مبكر تستعين بالأقمار الاصطناعية والطائرات المسيرة لرصد ألسنة اللهب في لحظاتها الأولى، مدعومة بأسطول جوي سيادي دائم من طائرات الإخماد والمروحيات المتخصصة.

ويقتضي المخطط أيضا التوقف الفوري عن إقحام عناصر عسكرية غير مدربة في مواجهات ميدانية خطيرة، والاستعاضة عن ذلك بتشكيل فرق ميدانية متخصصة ومجهزة تقنيا، إلى جانب إطلاق برنامج تشجير ذكي يعوض الأشجار الصمغية السريعة الاشتعال بأصناف نباتية أكثر مقاومة للجفاف والحرارة الشديدة.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 23/07/2026 على الساعة 15:50