اجتاحت عتمة كهربائية شاملة ليلة 14 يوليوز 2026 ربوع الجزائر، لتعيد إلى الواجهة نقاشا ساخنا حول واقع قطاع الطاقة في البلاد وتكشف فجوة عميقة بين تبريرات المسؤولين الرسمية وواقع المواطنين المرير.
الانقطاع التاريخي الذي شل أركان 16 ولاية بالشرق بشكل كامل وامتد جزئيا إلى الوسط والغرب، لم يكن مجرد حادث عابر، حسب الإعلامي الجزائري عبدو السمار، الذي أشار في تحليل له بثه على قناته على «يوتيوب» إلى أن شركة «سونلغاز» اضطرت لقطع التيار بشكل مؤقت عن مناطق واسعة في الوسط والغرب لتخفيف الضغط الرهيب عن الشبكة المنهارة.
وأكد الإعلامي ذاته أن الشلل التام امتد لست ساعات متواصلة في 16 ولاية بالشرق الجزائري من العاشرة ليلا حتى الساعات الأولى من الصباح.
وطالت الانقطاعات مدنا كبرى في الوسط والغرب وصولا إلى وهران، إثر لجوء فرق الصيانة لخيار قطع الكهرباء الممنهج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وسط أجواء لاهبة بلغت فيها درجات الحرارة مستويات قياسية تراوحت بين 40 و48 درجة مئوية.
وتسببت هذه العتمة المفاجئة في موجة ذعر عارمة بعدما انقطعت سبل التواصل وعجز المواطنون عن شحن هواتفهم الذكية للبقاء على اتصال مع عائلاتهم.
وباتت ملايين الأسر أسيرة بيوت تفتقر لأبسط وسائل التبريد والمياه الباردة، الأمر الذي هدد سلامة المرضى والمصابين بأمراض مزمنة في المستشفيات التي شلها الانقطاع لساعات.
شبح الإفلاس التقني لشركة سونلغاز
أوضح عبدو السمار في سياق تشخيصه للأزمة أن المشكل لا يرتبط فقط بموجة الحر أو طفرة الاستهلاك، بل يعود بالأساس إلى شبح الإفلاس التقني الذي يهدد المحطات.
وأكد السمار أن شركة «سونلغاز» وفروعها المكلفة بالصيانة تواجه عجزا فادحا في توفير قطع الغيار الأساسية، بسبب سياسة خنق الاستيراد التي يفرضها نظام الرئيس عبد المجيد تبون لتوفير العملة الصعبة.
ودفعت هذه القيود الصارمة بفرق الصيانة، بحسب معطيات الإعلامي الجزائري، إلى اعتماد أسلوب الترقيع والارتجال لمواجهة الأعطال اليومية المتراكمة.
وتصطدم مساعي المؤسسة للحصول على المكونات التقنية بجدار البيروقراطية الحكومية، حيث تفرض وزارة التجارة الخارجية الحصول على تراخيص معقدة ووثائق مسبقة للاستيراد تتطلب أشهرا من الانتظار والمراجعة، بالتزامن مع تشتت الصلاحيات الوزارية وحالة الفوضى الإدارية التي تشهدها الحكومة.
حقيقة القدرة الإنتاجية وأزمة محطة سيدي عقبة
فند عبدو السمار الأرقام الرسمية بخصوص قدرات التوليد، مشيرا إلى أن الطاقة الإنتاجية الفعلية للجزائر لا تتجاوز 24 ألف ميغاوات، على خلاف المزاعم الحكومية التي تروج لبلوغها 27 ألف ميغاوات.
ويؤدي هذا الفارق الشاسع، وفقا للسمار، إلى تبديد هامش الأمان الفني المقدر بنحو 15 إلى 20 في المائة، ما جعل منظومة الطاقة عاجزة تماما عن تلبية أي ذروة استهلاك تتخطى عتبة 21 ألف ميغاوات.
وأردف الإعلامي الجزائري في تفاصيله التقنية أن البلاد تعتمد بالكامل تقريبا على الغاز الطبيعي لإنتاج 98 في المائة من احتياجاتها الكهربائية عبر 59 محطة تقليدية.
وتضم هذه الحظيرة 30 محطة تعمل بالتوربينات الغازية وتنتج 10658 ميغاوات، وتتميز بسرعة تشغيلها لكنها تبدي حساسية مفرطة وهشاشة بالغة أمام درجات الحرارة القياسية في الصيف، ما يجعلها عرضة للتوقف المفاجئ عند اشتداد القيظ.
وفي المقابل، تتوفر المنظومة على ست محطات فقط تعمل بنظام الدورة المركبة الأكثر كفاءة ومقاومة للحرارة بقدرة إنتاجية تقارب 10 آلاف ميغاوات.
وتضاف إليها خمس محطات حرارية قديمة ومتهالكة تنتج 189 ميغاوات، إلى جانب 14 توربينة غازية متنقلة مخصصة للطوارئ بقدرة 1900 ميغاوات، وأربع محطات كهرومائية معطلة عمليا جراء الجفاف المستمر الذي يضرب السدود الوطنية.
إهمال الطاقات المتجددة وإرث الماضي
لفت السمار الانتباه إلى مفارقة غريبة، إذ رغم توفر الجزائر على إمكانات شمسية هائلة، لا تزال مساهمة الطاقة المتجددة هامشية للغاية عبر 30 محطة شمسية لا يتجاوز إنتاجها الإجمالي 600 ميغاوات كحد أقصى.
ويحول غياب الإرادة السياسية دون الاستثمار في هذا البديل النظيف والأقل كلفة والأكثر صمودا في فترات الصيف والحرارة المفرطة.
وتظهر الأرقام التي ساقها الإعلامي الجزائري أن أزيد من 80 في المائة من البنية التحتية الطاقية الحالية شيدت في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، الذي ضخ أزيد من 150 مليار دولار لتحديث القطاع ورفع الإنتاج من 3900 ميغاوات سنة 1999 إلى قرابة 20 ألف ميغاوات في 2019.
ومنذ ذلك الحين، اكتفت إدارة تبون بالاستهلاك وتجميد الاستثمارات الحقيقية لتأمين احتياطيات الصرف، رغم زيادة الطلب بنسبة 30 في المائة ونمو السكان بنسبة عشرة في المائة.
وتحتاج المنظومة الكهربائية اليوم، بشكل مستعجل لاستثمارات ضخمة تناهز 10 مليارات دولار لتشييد محطات حديثة قادرة على تلبية حاجيات الساكنة، وفق المتحدث نفسه الذي أضاف أن هذا الطموح «يصطدم بسياسة التقشف المالي التي تنهجها السلطة الحالية، ما ينذر بتكرار سيناريو العتمة الشاملة ويؤدي لتدهور الأمن الطاقي والاجتماعي للبلاد في المستقبل القريب».
تبريرات المسؤولين تثير دهشة الشارع
وفي محاولة لتطويق الغضب الشعبي العارم، تسابق وزراء ومسؤولون إلى جانب أبواق الدعاية الرسمية والمسؤولون لتقديم تبريرات أثارت دهشة الشارع وصدمته.
واختار وزير الداخلية والجماعات المحلية، السعيد سعيود، لغة العتاب وتحميل المواطنين المسؤولية مباشرة، مصرحا بلهجة حادة أن الكهرباء انقطعت بسبب إسراف الساكنة التي تجد الطاقة رخيصة وتستهلكها بلا قيود، مطالبا إياهم بخفض استعمال المكيفات.
ومن جانبه، غرد وزير الدولة ووزير الطاقة والمناجم، مراد عجال، خارج السرب تماما بالادعاء أن الجزائر تمتلك أفضل منظومة كهربائية على مستوى القارة الإفريقية وتعتمد آخر الصيحات التكنولوجية في هذا المجال.
بينما وصف الوزير الأول سيفي غريب الواقعة برمتها بأنها مجرد تمرين مصغر أثبت كفاءة البلاد التي تغلبت على العطب في ساعات قليلة مقارنة بدول أخرى قد تحتاج ليومين كاملين.
وسار الإعلامي كريم قندولي على النهج ذاته، مبرزا في مقال نشرته «بوابة الجزائر» أن تحول هذا الانقطاع العابر لساعات إلى قضية رأي عام يشكل دليلا دامغا على ندرة الأعطال وقوة الشبكة الوطنية وقدرتها على الاحتواء.
ولم تتوقف سيناريوهات التبرير عند هذا الحد، إذ ذهبت جريدة «النهار» إلى وصف هذا الشلل غير المسبوق بأنه «إجراء روتيني وطبيعي» يهدف لتخفيف الأحمال وحماية الشبكة، داعية المواطنين صراحة لعدم الهلع والخوف تحت شعار «أعز الله الجزائر».
سخرية سوداء تفضح كذب الخطاب الرسمي
هذه المبررات المعتادة لامتصاص الغضب لم تجد طريقها لتصديق الشارع، بل قوبلت بموجة من السخرية السوداء والتهكم اللاذع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتداول الجزائريون صورا لعائلات تفترش الأرصفة والحدائق العامة هربا من لاهب البيوت، معلقين بمرارة أن الأرصفة تحولت فجأة إلى منتجعات سياحية وفنادق من فئة خمس نجوم تحت مسمى «شيراتون الهواء الطلق» مفتوحة للجميع بلا حجز مسبق.
ولم تسلم وعود تصدير الطاقة إلى أوروبا ودول الجوار من قذائف السخرية، حيث كتب مدونون بالعامية المحلية تعليقات متهكمة من قبيل «كنا معولين نصدروا التريسيتي لأوروبا، صدقنا نكحلوا عينينا بالريقلاج تاع التليفون»، وأضاف آخرون «الظاهر أن أوروبا حسدتنا على الضوء فقطعت الخيط».
وعادت الشموع لتتصدر مشهد السخرية بعدما نفدت سريعا من البقالات، لتتحول في منشورات الفضاء الرقمي إلى رمز لـ«الرومانسية الإجبارية المفروضة بقوة القانون».
وتساءل نشطاء بتهكم إن كانت شركة «سونلغاز» تسعى بجهودها الحثيثة لإعادة الشعب إلى «العصر الحجري الجميل» هربا من تعقيدات العصر الحديث وضغوطاته.
ولم تغب السياسة عن منابر السخرية في تلك الليلة الخانقة، إذ بحث المعلقون بنشاط عن المتهم الخارجي التقليدي أو «المؤامرة الكونية» التي سيتم تعليق الأزمة عليها.
وتوقع مغردون أن يتم قريبا إلقاء اللائمة على «الرطوبة المتواطئة» أو جهات خارجية في حبكة درامية جديدة تتجاوز بخيالها سيناريوهات هوليود وبوليود.
