الجزائر ترضخ لإسبانيا وتفرش السجاد الأحمر لسانشيز بعد أربع سنوات من التوتر

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، في الجزائر العاصمة، يوم الاثنين 20 يوليوز 2026

في 21/07/2026 على الساعة 17:15

اختصرت الزيارة الخاطفة التي قادت رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر التحول الجذري في خطاب النظام الجزائري. فقد استقبل عبد المجيد تبون رئيس الحكومة الإسبانية بكامل المراسيم الرسمية عقب أربع سنوات من الهجمات المتواصلة بسبب الدعم الإسباني لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.

حط سانشيز الرحال بالعاصمة الجزائرية يوم الاثنين 20 يوليوز قادما من نيويورك، حيث أجرى محادثات مع عبد المجيد تبون والوزير الأول سيفي غريب.

أعلن الطرفان بداية «مرحلة جديدة» في العلاقات الثنائية قبل أن يعود سانشيز سريعا إلى مدريد لاستقبال المنتخب الإسباني المتوج بكأس العالم.

وطوت هذه الزيارة أربع سنوات من العداء الجزائري دون أن تزحزح الموقف الإسباني قيد أنملة عن جوهره.

وتواصل مدريد المضي قدما في اعتبار مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب الأساس «الأكثر جدية وواقعية ومصداقية» لحل النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية.

انتقل قصر المرادية من منطق التهديد والوعيد إلى فرش السجاد الأحمر أمام المسؤول الإسباني نفسه الذي اتهمته سابقا بـ «الخيانة التاريخية».

وقدمت السلطات الجزائرية كعكة احتفالية بمناسبة تتويج إسبانيا بالمونديال في خطوة حملت دلالات سياسية واضحة تجاوزت رمزيتها الشكلية.

تحول سانشيز في التوصيف الجزائري من خصم إلى شريك لا محيد عنه في ظرف وجيز.

نصر دبلوماسي لمدريد دون التنازل عن ملف الصحراء

شكلت هذه العودة إلى التطبيع مكسبا سياسيا صافيا لإسبانيا ولرئيس حكومتها على وجه الخصوص.

يعود أصل الأزمة إلى مارس 2022 حين أعلنت مدريد دعمها الرسمي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.

رد النظام الجزائري حينها بسحب سفيره وتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار بشكل أحادي.

سعت الجزائر إلى تضخيم الكلفة الاقتصادية والسياسية للقرار الإسباني عبر شلل شبه تام للتبادلات التجارية وتجميد أنشطة الشركات الإسبانية.

وشن الإعلام الرسمي الجزائري حملات هجومية متواصلة ضد حكومة سانشيز.

أما مدريد فقد حافظت على موقفها الثابت ودعمت خارطة الطريق المبرمة مع الرباط في مجالات التجارة والأمن وإدارة الهجرة والتنظيم المشترك لكأس العالم 2030.

انتهى المطاف بالنظام الجزائري إلى التراجع عن التصعيد وتغيير سلوكه بالكامل. وأكدت وسائل إعلام إسبانية أن هذه الخطوة تمثل نهاية أزمة اندلعت بسبب موقف مدريد السيادي من الصحراء المغربية.

أبرزت شبكة «RTVE» الإسبانية أن المرحلة الجديدة فتحت دون أن يقدم رئيس الحكومة الإسبانية أي تنازل أو إشارة تخص النزاع خلال تصريحاته بالجزائر.

وأوضحت صحيفة «إلموندو» أن الوزن الدولي المتنامي للمملكة المغربية والعزلة التي يواجهها النظام الجزائري فرضا على قصر المرادية تبني سلوك أكثر واقعية.

وتلافت التصريحات الرسمية للطرفين إقحام ملف الصحراء المغربية خلال المؤتمر الصحفي.

وهكذا، لم يغير سانشيز موقفه ولم يكرر تبون اتهاماته السابقة إدراكا منه أن تطبيع العلاقات تم دون تقديم مدريد لأي تنازل.

الإعلام الجزائري المستقل يرصد «الانتقام الكاسح» لسانشيز

اعتبر الصحفي الجزائري الاستقصائي عبدو السمار هذه الزيارة بمثابة «انتقام ساحق» لبيدرو سانشيز أمام عبد المجيد تبون.

وذكر السمار بأن رئيس الحكومة الإسبانية تعرض للشيطنة والسب بين سنتي 2022 و2024 وصنف كأحد أكبر أعداء النظام الجزائري.

وأشار السمار إلى أن السلطات الجزائرية باتت تفرش السجاد الأحمر للمسؤول الإسباني وتسعى لخطب وده بعدما كثرت الدعوات الموجهة إليه منذ سنة 2025. إذ وصل الإلحاح الجزائري حد طلب الوزير الأول السابق نذير العرباوي مباشرة من سانشيز زيارة الجزائر خلال لقاء دولي بمدينة إشبيلية.

وأكد الصحفي الجزائري أن الابتزاز الاقتصادي لم يقدم أية نتيجة وأن مدريد لم تتراجع عن موقفها الداعم للصحراء المغربية.

وخرجت الجزائر بخفي حنين من هذا الصراع بينما جنت إسبانيا مكاسب سياسية واقتصادية كاملة.

بدأت ملامح هذا التراجع تظهر بوضوح مع تعيين سفير جزائري جديد بمدريد، ثم الاستئناف التدريجي للتبادلات التجارية، وصولا إلى زيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في مارس 2026.

وأعلن تبون خلال تلك الزيارة إعادة تفعيل معاهدة الصداقة بعد أربع سنوات من التجميد.

الغاز والواقعية السياسية

احتل ملف الطاقة حيزا محوريا خلال المحادثات الثنائية بين البلدين. وكشفت مصادر حكومية إسبانية عن التوصل إلى اتفاق سياسي يهدف إلى زيادة واردات إسبانيا من الغاز الجزائري.

غطت الجزائر نحو 34 في المائة من احتياجات إسبانيا من الغاز الطبيعي خلال النصف الأول من سنة 2026 عبر أنبوب «مدغاز» والمناقلات البحرية.

وتسعى الجزائر من خلال هذا الاتفاق إلى جذب استثمارات جديدة وتأمين منفذ لتصريف طاقتها في ظل التوترات الدولية.

وأكد سانشيز أن بلاده تعتزم بناء شراكة اقتصادية متينة مع الجزائر في مجالات التحول الطاقي والصناعة والبنية التحتية والابتكار الرقمي.

اتفق الطرفان على عقد الاجتماع رفيع المستوى الثامن خلال فصل الخريف المقبل بعد توقف دام ثماني سنوات. ويأتي هذا الانفتاح الجزائري في ظل عزلة إقليمية متزايدة واتساع رقعة التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.

لقد أدرك النظام الجزائري أن فشل استراتيجيته الضاغطة لم يغير التزامات مدريد تجاه الرباط، مما أجبره على الانحناء وإعادة العلاقات إلى مجراها والدعوة إلى الشراكة والاستثمار.

وانتهت الأزمة بتخلي الجزائر عن التصعيد واستقبال سانشيز بالحفاوة ذاتها التي حظي بها الشركاء الاستراتيجيون، مع تقديم كعكة الاحتفال كرمز ختامي لطي صفحة المواجهة.

تحرير من طرف فائزة غول
في 21/07/2026 على الساعة 17:15