العميل السابق في مكافحة التجسس الفرنسي ماثيو غديري يكشف تفاصيل مثيرة عن روابط نظام الملالي والبوليساريو وحزب الله والجزائر

ماثيو غديري، عميل سابق في مكافحة التجسس الفرنسي

في 07/08/2026 على الساعة 08:58

كشف ماثيو غديري (Matthieu Ghadiri)، العميل السابق في جهاز مكافحة التجسس الفرنسي، والذي اخترق المخابرات الإيرانية، عن الآلية التي قام من خلالها فيلق القدس بتنظيم التقارب بين حزب الله وجبهة البوليساريو، إذ قامت الحركة الشيعية اللبنانية بتدريب المقاتلين الصحراويين، وتكفلت بجزء من تجهيز وتمويل جبهة البوليساريو، بينما احتفظت الأجهزة الجزائرية بالمراقبة السياسية والأمنية على الحركة الانفصالية. في الجزء الأول من هذا الحوار، يتحدث ماثيو غديري عن نشأة هذه العلاقة، بدءا من الاتصالات الأولى مع محيط آية الله الخميني، وصولا إلى الآليات التي وسعت طهران من خلالها نفوذها تدريجيا بين تندوف ومنطقة الساحل.

ولد ماثيو غديري في طهران، وسافر إلى فرنسا لمتابعة دراسته الجامعية، وكان يحلم بأن يصبح مهندسا فلاحيا. ولكن مصيره تغير جذريا عندما جندته مديرية مراقبة التراب، سلف الإدارة العامة للأمن الداخلي. كانت مهمته اختراق أجهزة المخابرات الإيرانية بهدف فهم أساليبها وأهدافها في فرنسا وشبكاتها في أوروبا من الداخل. وقد مثل انخراطه في الحزب الاشتراكي الفرنسي، حيث تدرج في المواقع ليصبح شخصية مؤثرة، غطاء له ووسيلة للوصول إلى دوائر حساسة.

ومن خلال خبرته الواسعة في مكافحة التجسس، أكد ماثيو غديري أنه عاين إنشاء آلية يديرها فيلق القدس، بدعم من حزب الله، بهدف جعل جبهة البوليساريو في قلب استراتيجية طهران الإقليمية: التدريب، والتجهيز، والتمويل، والانتشار في منطقة الساحل، وزعزعة استقرار النظام الملكي المغربي، وتزويد سوريا وفلسطين بالمقاتلين الصحراويين. وبحسب قوله، أصبحت الحركة الانفصالية تدريجيا أداة للنفوذ الإيراني، مع بقائها تحت الوصاية السياسية والأمنية للجزائر.

في الجزء الأول من حواره مع Le360، يكشف العميل الفرنسي-الإيراني السابق، الحائز على وسام من فرنسا لخدماته والمتقاعد حاليا، عن آليات وشبكات و طريقة عمل هذه العلاقة تحت الإشراف العسكري الجزائري.

أما الجزء الثاني، الذي سينشر يوم الثلاثاء المقبل، فسيركز على الاتفاق السري بين المخابرات الجزائرية والإيرانية.

قبل التطرق إلى ملف البوليساريو، كيف أصبح الشاب الإيراني، الذي كان يحلم بأن يصبح مهندسا، عميلا سريا لجهاز مكافحة التجسس الفرنسي؟

ماثيو غديري: ولدت في طهران، ووصلت إلى باريس في سن السادسة عشرة والنصف لمتابعة دراستي. كنت أرغب في أن أن أصبح مهندسا فلاحيا، لكن مديرية مراقبة التراب قررت خلاف ذلك.

تقاطع مساري مع صديقين كانا ضابطين في جهاز مكافحة التجسس، واقترحا علي اختراق المخابرات الإيرانية، فقبلت العرض. كان ذلك في عام 1985، بعد عام من تأسيس الخميني رسميا لوزارة الاستخبارات الإيرانية.

قبلت لأن الثورة الإسلامية عام 1979 غيرت مصيري ومصير بلادي تغييرا جذريا. كنت دائما أعتبر أن الجمهورية الإسلامية التي أسسها الخميني ليست هي إيران. أردت حماية فرنسا التي احتضنتني، وكذلك إيران التي ما زلت شديد التعلق بها. لمحاربة نظام الخميني وما فعله بوطني، قررت الانضمام إلى المخابرات الفرنسية رغم ما كان يمكن أن يشكله ذلك من خطر على حياتي.

متى سمعتم لأول مرة عن التقارب بين البوليساريو وإيران؟

أستطيع أن أقول لكم بكل يقين: تعود العلاقات بين البوليساريو والنظام الإيراني إلى الأشهر التي سبقت ثورة 1979. فقد التقى وفد من الحركة بالخميني أثناء استعداداته للعودة إلى طهران. عقد هذا اللقاء في فرنسا. كانت جبهة البوليساريو من أوائل الحركات التي سعت إلى الحصول على الدعم السياسي للجمهورية الإسلامية التي رأت النور عقب الثورة، وقد حصلت عليه.

منذ لحظة وصوله إلى السلطة، سعى الخميني إلى توطيد العلاقات مع حركات التحرر. وكان هذا الأمر يهم البوليساريو، وكذلك منظمة التحرير الفلسطينية والحركات الماركسية الفلسطينية كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

لا يهم إن كانت أيديولوجية هذه المنظمات قومية أو ماركسية أو إسلامية. بالنسبة للخميني، كان هذا الاختلاف ثانويا طالما كانت هذه المنظمات تحارب دولة متحالفة مع الغرب أو تعارض النظام الإقليمي. وتندرج جبهة البوليساريو تماما ضمن هذه الفئة.

لماذا حظيت البوليساريو بهذا القدر من الاهتمام من قبل نظام الخميني؟

منذ البداية، أبدى الخميني عداء شديدا للأنظمة الملكية، وبشكل خاص لملكيات الخليج والملكية المغربية. في نظره، كان المغرب حليفا للغرب ودولة تنتمي إلى المعسكر الذي كان يريد محاربته.

بالنسبة له، كان من الضروري دعم الدول أو الحركات أو المنظمات التي تناهض الغرب. استند الخطاب إلى مناهضة الإمبريالية والاستعمار والصهيونية. أي شخص يستخدم هذه المصطلحات في دعايته يمكنه أن يصبح شريكا للجمهورية الإسلامية ويحصل على دعم مالي، أو حتى أكثر من ذلك.

وهكذا، كان التقارب مع البوليساريو يحقق عدة أهداف في الآن ذاته. فقد مكن من محاربة المغرب بشكل غير مباشر، والتقارب مع الجزائر، وإيجاد منفذ إلى الصحراء ومنطقة الساحل. وفي هذا الإطار، تطور التعاون تدريجيا بين الإيرانيين وأجهزة المخابرات الجزائرية وحركة البوليساريو الانفصالية. تنوع هذا التعاون لاحقا، إذ تمكن حزب الله من استخدام مقاتلي البوليساريو في عدة جبهات بالشرق الأوسط.

كيف تحول هذا التقارب السياسي إلى آلية سرية وعسكرية؟

تتمثل عقيدة الجمهورية الإسلامية في استخدام الإسلام السياسي كأداة للنفوذ والقوة. إن الأمر لا يتعلق بالدين، بل بمشروع سياسي وأيديولوجي يهدف إلى تغيير المجتمعات، وزعزعة استقرار الأنظمة التي تعتبر معادية، وتوسيع النفوذ الإيراني.

أدرك القادة الإيرانيون مبكرا أنهم لا يستطيعون الاعتماد كليا على الجيش النظامي. في الواقع، حذرهم ياسر عرفات من خطر الانقلاب العسكري، ونصحهم بإنشاء قوة يكون ولاؤها بالكامل للنظام الجديد. وفي هذا السياق، تم إنشاء الحرس الثوري.

ضمن هذه المؤسسة، أصبحت فيلق القدس الفرع المسؤول عن العمليات الخارجية. وهو في آن واحد ذو طابع عسكري وأيديولوجي وسري. وتتمثل مهمته في إنشاء أو دعم أو اختراق منظمات أجنبية قادرة على الدفاع عن مصالح الجمهورية الإسلامية دون توريط الدولة الإيرانية بشكل مباشر.

يبقى المبدأ نفسه، والمتمثل في تكوين وكلاء، وتسليحهم، وتمويلهم، وتكليفهم بعمليات لا ترغب طهران في تحمل مسؤوليتها. وكان حزب الله في لبنان أول وكيل رئيسي ينشأ وفقا لهذا النموذج.

لماذا يحتل حزب الله هذه المكانة المتفردة في هذه البنية؟

حزب الله ليس وكيلا عاديا. إنه بمثابة الشقيق الأصغر للجمهورية الإسلامية، وجزء لا يتجزأ من جهازها الخارجي. لا يمكن مقارنته بالحوثيين في اليمن، أو قوات الحشد الشعبي في العراق، أو الفاطميين الأفغان، أو الزينبيين الباكستانيين.

أنشأ الإيرانيون حزب الله، ودربوه، ومولوه، وسلحوه. ثم أوكلوا إليه مهمة نقل خبراته إلى منظمات أخرى. فما لا يرغب فيلق القدس في القيام مباشرة، ينفذه عبر حزب الله.

في حالة المغرب الكبير ومنطقة الساحل، يقدم هذا الوسيط مزايا عديدة. فأطره يتحدثون العربية، ويعرفون ثقافات المنطقة، ويمكنهم الاعتماد على جالية لبنانية مستقرة في أفريقيا منذ أجيال. وبالتالي، يمكنهم العمل بسرية أكبر من العملاء الإيرانيين الذين يتحدثون أساسا بالفارسية.

كما أن استخدام حزب الله من قبل نظام طهران يمكن هذا الأخير من التملص من المسؤولية. فإذا انكشفت عملية ما، تستطيع الجمهورية الإسلامية الادعاء بأنها كانت مبادرة مستقلة من الحركة اللبنانية. ويعد هذا التملص جزءا لا يتجزأ من النظام.

هل يمكن وصف جبهة البوليساريو، إذن، بأنها وكيلة لإيران؟

نعم، فقد تحولت مع الوقت إلى وكيلة من وكلاء إيران... ولكن ليس في مرتبة حزب الله. لن يسمح الجزائريون لإيران بالتحكم الكامل في البوليساريو. فهم يقبلون بأن تدعمها الجمهورية الإسلامية وتدربها وتمولها وتزودها السلاح، لكنهم يريدون الاحتفاظ بالسيطرة السياسية والأمنية والترابية. كما يقبل الجزائريون بأن يجند حزب الله عناصر البوليساريو للقتال في سوريا ولبنان وفلسطين.

يدرك الإيرانيون هذا الأمر تماما وقد قبلوا به. فأي تعاون مع البوليساريو، سواء كان مؤقتا أو طويل الأمد، يجب أن يحظى بموافقة أجهزة المخابرات الجزائرية. كل عملية إيرانية في المغرب الكبير أو الساحل تشارك فيها الحركة تخضع للرقابة الجزائرية.

وهكذا، يعمل النظام على ثلاثة مستويات. فيلق القدس يحدد الأهداف ويعطي الضوء الأخضر. وحزب الله يتولى الجوانب العملياتية، بما في ذلك التدريب واللوجستيك والتجهيزات والتمويل. أما أجهزة المخابرات الجزائرية، من جانبها، فتمنح الضوء الأخضر للتعامل مع البوليساريو مع الحرص على عدم فقدان السيطرة عليها.

جبهة البوليساريو، بالتالي، ليست وكيلا إيرانيا يأتمر كليا بأوامر طهران. إنها حركة تسيطر عليها الجزائر، ومن خلال هذه الأخيرة يمكن لإيران الوصول إلى الجبهة الانفصالية وتقديم الدعم لها في إطار اتفاق مع أجهزة المخابرات الجزائرية.

ما الذي يجنيه كل فاعل من هذا النظام؟

تقوم العلاقة على مبدأ المنفعة المتبادلة. تتلقى الجزائر مساعدات خارجية لتقوية جبهة البوليساريو دون أن تظهر كمصدر وحيد للموارد أو الأسلحة أو التدريب. أما إيران، فتكتسب بدورها إمكانية الوصول إلى الأشخاص والشبكات التي تتوفر عليها جبهة البوليساريو في الصحراء ومنطقة الساحل.

تتلقى جبهة البوليساريو موارد مالية ومعدات وصواريخ وطائرات مسيرة وتدريبا. بينما يعزز حزب الله تواجده في إفريقيا ويعمل كوسيط بين مختلف الأطراف.

بالنسبة للجمهورية الإسلامية، تعد جبهة البوليساريو أداة إقليمية. فهي تمكنها من ممارسة الضغط على المغرب والتواصل مع الشبكات النشطة في المناطق التي يسعى فيلق القدس إلى ترسيخ وجوده فيها.

هل يقتصر الدعم الإيراني لجبهة البوليساريو على الجانب العسكري فقط؟

لا، هناك أيضا بعد ديني وأيديولوجي. أنشأ الإيرانيون جامعة المصطفى في مدينة قم المقدسة. وتتمثل مهمتها في تكوين رجال الدين والوعاظ من مختلف أنحاء العالم، وخاصة من إفريقيا.

وتؤكد السلطات الإيرانية أنها كونت أكثر من 35 ألف شخص خلال ما يقرب من أربعين سنة. ونقدر أن العدد الفعلي أقرب إلى 20 ألفا، وهو عدد كبير جدا.

وبحسب المعلومات المتوفرة لدينا، شارك بعض الأفراد الذين أرسلتهم جبهة البوليساريو في هذه البرامج التكوينية. وجاء آخرون من الجزائر ومالي وبوركينا فاسو والسنغال والعديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء.

يمكث الطلاب عادة في قم لمدة خمس سنوات. ويتعلمون اللغة الفارسية والعربية، بالإضافة إلى المبادئ السياسية للجمهورية الإسلامية. ويتم توفير السكن والطعام والأجور لهم. وبعد إتمام تكوينهم، يعودون إلى بلدانهم الأصلية ليصبحوا وعاظا أو وسطاء أيديولوجيين أو ناطقين باسم النفوذ الإيراني.

لقد عاينتم بأنفسكم وصول جزائريين و صحراويين إلى إيران. في ظل أي ظروف تم ذلك؟

بعد سنوات من الاختراق، طلب مني مسؤولون رفيعو المستوى في المخابرات الإيرانية القدوم إلى إيران. أرادوا مقابلتي. وللتمويه، سلكت طريقا طويلا للغاية: من باريس إلى فرانكفورت، ثم من فرانكفورت إلى فيينا، وأخيرا من فيينا إلى طهران. استغرقت الرحلة قرابة عشرين ساعة.

على متن الطائرة الأخيرة، التي كان من المقرر أن تهبط في طهران حوالي الساعة الثانية والنصف صباحا، لاحظت وجود عدد كبير من الجزائريين. هذه الملاحظة وحدها، بالطبع، لم تكن دليلا قاطعا على مهمتهم. لكنها توافقت مع المعلومات التي كانت لدينا بشأن السفر المنظم إلى إيران والتكوين المقدم لمواطني المغرب الكبير.

كان حزب الله، تحت قيادة فيلق القدس، يتكفل بجزء من بعض هؤلاء الأشخاص. فوض الإيرانيون هذه المهمة إلى اللبنانيين لأنهم يتحدثون العربية، ما سهل عليهم بناء علاقة مع المجندين الجزائريين أو التونسيين أو الصحراويين.

وهكذا، بقيت الجمهورية الإسلامية متوارية في الخلف. كانت تعهد بالعمل كله إلى وكلائها اللبنانيين، وتؤكد أنها غير معنية بشكل مباشر. تم استخدام نفس الأسلوب مع جبهة البوليساريو، وفي دول الساحل، وفي أفريقيا جنوب الصحراء.

في عام 2018، قطع المغرب علاقاته الدبلوماسية مع إيران، واتهم السفارة الإيرانية في الجزائر بأنها حلقة وصل بين حزب الله وجبهة البوليساريو. هل السفارات الإيرانية جزء لا يتجرأ من النظام الذي وضعه فيلق القدس؟

يجب أن يحصل جميع موظفي سفارات الجمهورية الإسلامية، سواء كانوا دبلوماسيين أو موظفين محليين، على موافقة الحرس الثوري. وبدون هذه الموافقة، لا يمكن تعيين أي شخص ملحقا ثقافيا أو اقتصاديا أو موظفا في أي بعثة إيرانية.

في السفارات الموجودة في المغرب الكبير وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، يعد وجود الحرس الثوري بالغ الأهمية. أما في أوروبا، فتلعب وزارة الاستخبارات الإيرانية دورا أكثر أهمية، لكن موافقة الحرس الثوري تبقى ضرورية.

والسفارة الإيرانية في الجزائر ليست استثناء من هذه القاعدة. وبحسب المعلومات المتوفرة لدينا، إذا رغب الإيرانيون في مساعدة جبهة البوليساريو، فعليهم أولا التشاور مع نظرائهم الجزائريين والحصول على موافقتهم. ثم يتدخل وكلاء آخرون لتوفير اللوجستيك والتدريب ونقل المعدات.

وهكذا، تعمل السفارة كحلقة وصل، حيث تسهل التواصل بين المسؤولين الإيرانيين والأجهزة الجزائرية والجهات المكلفة بالتنفيذ.

على أي مستوى يدبر ملف جبهة البوليساريو داخل النظام الإيراني؟

يتولى فيلق القدس تدبير كل ما يتعلق بالعمليات الخارجية، ويرفع قائده تقاريره مباشرة إلى المرشد الأعلى للثورة.

على الرغم من كونه فرعا من الحرس الثوري، يتمتع فيلق القدس بوضع خاص، فهو الجهاز المفضل لدى المرشد الأعلى. يعمل مسؤولوه على الملفات الدولية ويتمتعون باستقلالية كبيرة عن بقية الجهاز العسكري.

لذا، لا يدبر ملف جبهة البوليساريو باعتباره علاقة دبلوماسية عادية، بل كجزء من استراتيجية إقليمية تجمع بين الاستخبارات والعمليات السرية والتأثير الأيديولوجي والدعم العسكري.

ما هو الدور الذي يلعبه حزب الله تحديدا بين فيلق القدس وجبهة البوليساريو؟

عندما وافق الجزائريون على السماح للحرس الثوري بالتواصل مع جبهة البوليساريو، أُسندت الجوانب العملياتية إلى حزب الله. بحسب معلوماتنا، فإن المستشارين أو الملحقين العسكريين الذين أُرسلوا إلى الميدان، والذين التقطت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية صورا لهم، هم أعضاء في حزب الله تلقوا تدريبا على يد مستشارين عسكريين وأطر فيلق القدس.

وهم مسؤولون عن تدريب وتجهيز أعضاء جبهة البوليساريو. يشاركون في عملية الاختيار ويرسلون المجندين للتدريب في لبنان وسوريا. ينقلون التقنيات التي تعلموها من الإيرانيين ويشرفون على العمليات العسكرية دون توريط الجمهورية الإسلامية بشكل مباشر.

على مدى العشرين أو الثلاثين عاما الماضية، لعبت الشبكات اللبنانية (حزب الله) هذا الدور في المغرب الكبير ومنطقة الساحل وأفريقيا جنوب الصحراء. تمر المعدات التي توفرها إيران عبر قنواتها، وغالبا ما يسلك التمويل المسار نفسه.

لماذا تفضل إيران الشبكات اللبنانية في إفريقيا؟

في العديد من الدول الإفريقية، ولا سيما مالي، توجد جالية لبنانية كبيرة استقرت منذ ثلاثين أو أربعين أو خمسين عاما. وقد تمكن حزب الله من استخدام هذه الجاليات لإنشاء شبكات تجارية ومالية ولوجستية.

وقد سبق له أن طبق الأسلوب ذاته في أمريكا اللاتينية. تتيح الشبكات العائلية والشبكات الاقتصادية لأبناء الجالية اللبنانية إنشاء مشاريع تجارية، وتحويل الأموال، واستضافة المسؤولين، ونقل المعدات دون لفت الانتباه.

يتقن حزب الله اللغة العربية، ولديه فهم أعمق للمجتمعات الإفريقية والمغاربية أكثر من الإيرانيين. ولذلك، يشكل الوسيط الأمثل بين فيلق القدس، والأجهزة الجزائرية، وجبهة البوليساريو.

عبر أي طرق تصل الأسلحة والمعدات إلى تندوف؟

بحسب المعلومات المتوفرة، فإن نقطة الانطلاق الرئيسية هي لبنان. سابقا، كانت العمليات تمر عبر سوريا ولبنان، أما الآن فتنطلق بشكل مباشر من لبنان إلى بعض دول الساحل، وخاصة مالي.

ثم يتم توزيع المعدات انطلاقا من هذه الدول. يعمل أعضاء فيلق القدس في السفارات الإيرانية في منطقة الساحل تحت غطاء دبلوماسي، حيث يقيمون اتصالات مع الأجهزة المحلية والشبكات اللبنانية والمنظمات المتواجدة في الميدان.

وعبر هؤلاء الوسطاء، تنقل المعدات إلى جبهة البوليساريو. تتغير الطرق تبعا للوضع الأمني، لكن يبقى المبدأ واحدا: مضاعفة الوسطاء لمنع إقامة اتصال مباشر مع إيران.

ما نوع التدريب الذي كان يقدم لعناصر البوليساريو؟

التدريب الذي قدمه الإيرانيون للبنانيين، طلبوا من حزب الله تقديمه إلى منظمات أخرى. وفيما يتعلق بالصحراء، فبالإضافة إلى تدريب الأفراد كما ذكرت سابقا، تم التركيز بشكل خاص على بناء أنفاق تحت الأرض، وتخزين الأسلحة، وإعداد مواقع سرية. هذه هي بصمة حزب الله. لقد دربوا مقاتلي حماس عليها، واليوم أصبحت جبهة البوليساريو بارعة في تخزين الأسلحة وإنشاء القواعد العسكرية الصغيرة تحت كثبان الصحراء، وأنفاق تحت الأرض، كتلك الموجودة في جنوب لبنان وغزة، معدة لإيواء الطائرات المسيرة والصواريخ وغيرها من المعدات.

يشمل التدريب أيضا استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ، والاتصالات، وإخفاء المعدات، وتنظيم الوحدات المتنقلة. وقد طور الإيرانيون هذه التقنيات مع حزب الله، ثم كلفوا الأخير بنقلها.

والهدف هو تمكين تنظيم ما من شن عمليات ضد دولة تمتلك جيشا نظاميا أقوى.

كيف تتدفق أموال البوليساريو بين إيران وحزب الله؟

هنا أيضا، تتجنب إيران تحويل الأموال مباشرة إلى البوليساريو. يقدم فيلق القدس الأموال إلى حزب الله، الذي بدوره يحولها إلى الجزائريين عبر شبكاته الخاصة.

قد يشمل ذلك شركات وهمية، ومكاتب صرف، وقنوات تجارية، أو تحويلات نقدية. بنى الحرس الثوري هذا النظام على مدى عقود للالتفاف على العقوبات وعلى مراقبة النظام البنكي الدولي.

في حالة جبهة البوليساريو، تجري هذه العمليات تحت أعين أجهزة المخابرات الجزائرية. تريد الجزائر معرفة ما يقدم للحركة، ولمن، ولأي غرض. يقبل الجزائريون المساعدات الإيرانية، لكنهم لا يريدون أن تصبح جبهة البوليساريو خاضعة لطهران.

هل منطقة الساحل هي المقابل؟ ما الذي تريده إيران من البوليساريو مقابل دعمها؟

يعلم الإيرانيون أن لجبهة البوليساريو علاقات وشبكات في منطقة الساحل. ويسعون إلى استغلال هذه العلاقات لترسيخ وجودهم في المناطق التي يرغب فيلق القدس بتعزيز تواجده فيها.

يتواجد عناصر هذا الفيلق في عدة دول بالمنطقة، غالبا تحت غطاء دبلوماسي. إنهم بحاجة إلى وسطاء محليين، أشخاص قادرين على تعريفهم بالمسؤولين المحليين أو الجماعات المسلحة أو الشبكات التجارية. كما يتم استخدام عناصر جبهة البوليساريو أيضا في القتال في الشرق الأوسط.

وبالتالي، لا تقوم هذه العلاقة على العداء الإيراني تجاه المغرب فحسب، بل تعكس أيضا رغبة الجمهورية الإسلامية في التوسع الإقليمي.

ألا تخشى أجهزة المخابرات الجزائرية من ترسيخ إيران تواجدها الدائم في محيطها المباشر؟

بلى، ولهذا السبب بالتحديد تبقي جبهة البوليساريو تحت سيطرتها. فهي تسعى للاستفادة من الدعم الإيراني دون السماح لطهران بأن تكون لها استقلالية في المنطقة.

تتسم العلاقات بين أجهزة المخابرات الجزائرية والإيرانية بالتعاون، ولكن أيضا بالتوجس وانعدام الثقة. يسعى كل طرف لاستغلال الآخر. تفتح الجزائر بعض الأبواب، لكنها تحتفظ بالمفاتيح.

يستمر هذا النظام طالما قبلت الجمهورية الإسلامية بهذه الحدود. وحتى الآن، قبلت بها لأن الوصول إلى جبهة البوليساريو ومنطقة الساحل يمثل، بالنسبة لها، ميزة أكبر من القيود التي يفرضها الجزائريون.

ويعد تورط عناصر البوليساريو مؤخرا في هجمات على مدن مالية مثالا واضحا على ذلك، إذ يخدم الأجندة المشتركة بينهما.

ما رأيكم في المبادرة الأمريكية الهادفة لتصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية؟

أجيب بناء على قناعتي الشخصية. أنا أحب المغرب، وهو البلد الوحيد القادر على لعب دور «مستنير» في تحرير إفريقيا. ولضمان السلام والاستقرار في المغرب الكبير، لا بد أن يكون المغرب قويا. لأن مغربا قويا هو الذي سيمكنه من المساهمة في التنمية الاقتصادية، والتعاون الإقليمي، واستقرار شمال إفريقيا برمتها.

أما المنظمات التي تسعى إلى زرع الفوضى، ومن يدعمها، فلا ترغب لا في هذا السلام ولا في هذا الاستقرار. وعندما تعجز عن مهاجمة المغرب مباشرة، تستعمل الحركات المسلحة والعمليات غير المباشرة.

فالخيار، إذن، واضح. وأحب دائما أن أردد: «من يريد إلحاق الأذى بالمغرب، يريد إلحاق الأذى أيضا بالديمقراطية والحضارة!».

تحرير من طرف كريم سراج
في 07/08/2026 على الساعة 08:58