الجنرال حسان.. الظل الجزائري فوق مالي

عبد القادر آيت وعرابي، المعروف بلقب «الجنرال حسان»

في 10/05/2026 على الساعة 07:00

بورترييرتبط اسم عبد القادر آيت وعرابي، المعروف بلقب «الجنرال حسان»، بتركيبة النظام الجزائري في أدق تفاصيله. رجل تعكس مسيرته أكثر زوايا النظام الأمني عتامة، من العشرية السوداء وتصفيات دائرة الاستعلام والأمن، وصولا إلى صراع الأجنحة والامتداد في منطقة الساحل، حيث تزعم الجزائر محاربة الإرهاب بينما تمارس دور المحرك الخفي لخيوطه. هذا بورتريه لرجل يشبه «علبة كبريت» قابلة للاشتعال.

تبدو سيرته الذاتية أشبه بممر بلا نوافذ؛ تدخل إليه من باب عادي لتخرج في منطقة محظورة. بدأت قصته بعيدا عن الصالونات والأضواء، حيث ولد مطلع الخمسينيات في جبال القبائل، والتحق بالجيش عبر مسار ضيق. تذكره الروايات المتداولة في بداياته كـ «سائق»، وهو تفصيل لا يمر مرور الكرام في الأجهزة الأمنية؛ فالقيادة تعني الإنصات، والقرب من القادة العسكريين يتيح التعلم، ورؤية الأشياء دون أن يراك أحد تعد في حد ذاتها مهنة.

في التسعينيات، انزلقت البلاد نحو العنف مع اندلاع العشرية السوداء التي خلفت قرابة 250 ألف قتيل ومفقود، وقرى غارقة في الصدمة. أنتجت الحرب الأهلية وحوشها وقديسيها وخبراء المناطق الرمادية، وهناك تحديدا خرج آيت وعرابي من الظل ليستقر في قلب العصب الحساس للدولة: جهاز المخابرات.

لم يتطور لاحقا كبييروقراطي بزي عسكري، بل كرجل ظل متمرس في «العلم البارد»؛ حيث التسلل يسبق الضرب، والحديث مع العدو يسبق تصفيته، وحيث يترك الحريق أحيانا يمتد لغرض تحديد هوية المشعل بذكاء. هكذا ارتقى الجنرال حسان مراتب المخابرات، ليصبح أحد وجوه العقيدة الجزائرية ذات الحدود الضبابية المتعمدة.

صناعة رجل: من الحرب الداخلية إلى العقيدة الأمنية

لا يمكن فصل صعوده عن محمد مدين، المعروف بالجنرال توفيق، القائد القوي لجهاز الاستعلام والأمن «DRS». كان توفيق يحكم أسرار الجزائر كما تحكم القلاع: بلا ضجيج، بلا وجه علني، لكن بيد ممتدة في كل مكان. كانت العلاقة بين الرجلين جوهرية؛ إذ رأى توفيق في حسان أكثر من مجرد منفذ، بل أداة طيعة: رجل بارد، صبور، قادر على إدارة العمليات الحساسة والتزام الصمت المطبق.

تصلبت سمعة حسان مع الوقت كمهني صلب يدين بولاء مطلق لـ «منطق الدولة». أغدق عليه النظام الأوسمة، وأدرج اسمه ضمن السردية الوطنية بصفته الرجل الذي «أنقذ» البلاد من الإرهاب.

غير أن مكافحة الإرهاب بالمنظور الجزائري، كما تبلورت خلال الحرب الأهلية، كانت أكثر من مجرد عمليات عسكرية؛ لقد كانت منهجا وفنا مظلما يعتمد على الاختراق، وقلب الولاءات، والتلاعب بالشبكات، واستخدام الوسطاء، وصولا إلى إنشاء خلايا إرهابية والتشويش الممنهج على الخطوط الفاصلة. وكان الجنرال حسان أحد مهندسي هذه العقيدة.

ترددت في الكواليس جملة واحدة تلخص شخصيته: «إنه يعرف كيف يفعل ذلك». هو يعرف كيف يسرب السلاح خفية للمجموعات الإسلامية المسلحة، وكيف يشترى الولاء، وكيف يقلب القادة ضد بعضهم، وكيف يفتت الجماعة الواحدة إلى فصائل متناحرة، وكيف يوجه الأيديولوجيا نحو طريق مسدود. وفي نظام لا يتحقق فيه النصر بالقوة وحدها بل بالسيطرة على الرواية، يصبح من يملك «المعرفة» عنصرا لا غنى عنه، وبالتالي خطرا في الوقت ذاته.

«سكورات»: الغرفة المظلمة للجنرال حسان

في عام 2006، نالت سمعة حسان تزكية مؤسساتية بتعيينه على رأس مصلحة التنسيق العملياتي والاستعلام ومكافحة الإرهاب المعروفة اختصارا بـ «SCORAT»، وهي واحدة من أكثر الهياكل سرية وحساسية في البناء الأمني الجزائري.

في الهيكل التنظيمي الرسمي، تعد المصلحة أداة لمكافحة الإرهاب، لكن في واقع الجنوب الجزائري، حيث برز تهديد الانفصال التوارقي، كلف الجهاز بمهمة كبح مطالب «الأزواد» في المنطقة الممتدة بين الجزائر ومالي.

ومنذ عام 2001، بدأت تتبلور فكرة استنساخ الأساليب التي اعتمدتها المخابرات في الحرب الأهلية وتطبيقها في الساحل؛ وهنا يتحول البورتريه نحو مالي، حيث يعتبر عبد القادر آيت وعرابي جزءا من «جينالوجيا» الأزمة المالية، بعد أن «صدّر» العقيدة الأمنية الجزائرية نحو الجنوب، لدرجة بدا معها أن الجزائر سعت لتحويل التمرد التوارقي إلى حاجز ورافعة نفوذ بدلا من التأثر به.

تتعامل الجزائر مع شمال مالي كعمق استراتيجي، ومجال للنفوذ، ومنطقة عازلة، لكنها تراه أيضا كتهديد مع طرق التمرد القبلي لأبوابها، وهي المهمة التي أوكلت للجنرال حسان لمعالجتها.

ويذهب باحثون ومحللون إلى أن الرجل فعل أكثر من ذلك؛ حيث عمل على توجيه الفوضى، وتفتيت القوى المحلية، واستغلال الجماعات الجهادية لمنع ظهور حكم ذاتي في الجنوب الجزائري أو شمال مالي. هي آلية مزدوجة تدعي فيها الأجهزة إطفاء الحريق بيد، بينما تمسك بعلبة الكبريت باليد الأخرى.

هنا دخلت مصلحة «سكورات» المشهد عبر تحالفات ظرفية، وتسويات تكتيكية مع وجوه إرهابية جزائرية، وتحت مصطلح ثقيل المعاني هو «الهجرة»؛ أي انتقال وتوطين كوادر وجهاديين خلف الحدود لبناء بؤرة خاضعة للسيطرة.

الساحل: النفوذ والتحكم ومنطق الحدود

يلخص جيريمي كينان، المستشار البريطاني لدى الأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية في شؤون الساحل، الشكوك الدولية التي تلاحق الجنرال حسان بقوله: «إن جزءا كبيرا من الأسلحة التي استخدمتها الجماعات الإرهابية في الساحل منذ 2012 مصدره المخابرات الجزائرية، وكان الجنرال آيت وعرابي المسؤول عن هذه العملية» (نيو أفريكان، 2016).

ويؤكد المحلل في مقالته أن الجنرال حسان، الذي كان يتبع مباشرة لـ«ملك المخابرات» توفيق، زود تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحركة أنصار الدين، وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا (موجاو) بالأسلحة والذخيرة والوقود، في وقت كانت فيه هذه الجماعات توطد سيطرتها على شمال مالي.

ووفقا لكينان، كان الهدف السري هو تهميش «الحركة الوطنية لتحرير الأزواد» ذات التوجه العلماني، والتي كان انتصارها سيمثل سابقة خطيرة بالنسبة لتوارق الجنوب الجزائري. ومن خلال تصوير شمال مالي كـ«بؤرة إرهابية» أمام العالم، حمت الجزائر نفسها من انتقال عدوى الانفصال إلى أقليتها التوارقية؛ ليخرج الجنرال حسان من دور الصياد إلى دور «مدير القطيع».

ويستذكر كينان أنه قبل أيام من الهجوم الإرهابي على منشأة «تيقنتورين» في إن أميناس عام 2013، تمكنت قافلة القيادي الجهادي المرتبط بالقاعدة عماري صايفي، الملقب بـ«عبد الرزاق الباراشوت»، من التحرك في الجنوب الجزائري بشكل غير مفهوم. تظل الأسئلة قائمة: كيف تمكنت مجموعة كوماندوز من التحرك والتحضير والضرب؟ وما الذي سمح الجهاز بمروره؟ وماذا تعرف المؤسسة الأمنية تحديدا عن هذه التحركات عبر الحدود؟

إذا تحول «الأزواد» في نظر الدوائر الغربية إلى ملاذ جهادي، فإن المطالب التوارقية ستختفي خلف اللحى والأعلام السوداء وأرتال سيارات الدفع الرباعي. حينها، يمكن للجزائر أن تقدم نفسها كجدار حماية، ووسيط، وقوة لا غنى عنها، بينما تحيد خطر الانفصال عند حدودها.

في هذه القراءة، لا يبدو ما يحدث في الساحل محض صدفة، بل مسرحا يضم كومبارس، وأعداء وهميين، وعملاء قدامى، وقادة حرب مفيدين، وشعوبا مدنية تركت لمصيرها وسط الديكور.

جهاديو «سكورات» الجزائريون

تبدو قائمة الأسماء الجهادية الجزائرية التي استقرت في منطقة الساحل منذ عام 2001 مثيرة للقلق. هناك مختار بلمختار، الملقب بـ «الأعور»، وهو جزائري مخضرم في شبكات التهريب والكتائب الصحراوية ومؤسس تنظيم «المرابطون».

وهناك عماري صايفي، المعروف بـ «الباراشوت»، المظلي الجزائري السابق الذي تحول إلى وجه بارز في الجماعة السلفية للدعوة والقتال، ولا يزال أحد أشهر الأسماء في هذه المنظومة. أما عبد المالك دروكدال، زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي حتى مقتله عام 2020، فقد كان يشرف من داخل الجزائر على تمدد التنظيم في الساحل. ويبرز أيضا عبد الحميد أبو زيد (محمد غدير)، وهو جزائري آخر قاد عمليات اختطاف الرهائن الغربيين قبل مقتله في 2013.

وتدور في فلك هؤلاء شخصيات أخرى: إياد أغ غالي، زعيم المتمردين السابق ومؤسس حركة «أنصار الدين»؛ وعبد الكريم التارقي، قائد إحدى الكتائب؛ إضافة إلى أبو زيد والحسن الأنصاري، وهما من الوجوه التاريخية في القاعدة و«المرابطون» اللذين ساهما في هيكلة العمل الجهادي بالمنطقة.

يضاف إليهم عدنان أبو وليد الصحراوي، المولود في مخيمات تندوف التابعة للبوليساريو، والقيادي السابق في حركة «موجاو» وتنظيم «المرابطون»، قبل أن يؤسس تنظيم «الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى».

أدرجته الأمم المتحدة عام 2018 على القوائم الإرهابية المرتبطة بداعش والقاعدة، واليوم يشغل ابنه، أبو البراء الصحراوي، منصب «والي» ولاية الساحل التابعة لتنظيم الدولة، في تسلسل يثبت كيف تعيد الصحراء تدوير موروثات الحروب كما تُدور البذلات العسكرية القديمة؛ فحتى للجحيم سلالات حاكمة على ما يبدو.

في قلب هذا المتاهة الجهادية، يبرز السؤال الجوهري دائما: ماذا كانت تعرف الجزائر؟ والأهم من ذلك، ماذا فعلت؟ تروي الرواية الرسمية قصة جيش يحارب خطرا عابرا للحدود، بينما تصف الرواية الأخرى، الأقل تلميعا، نظاما سعى إلى «إدارة» التهديد بدلا من استئصاله.

وفق هذه القراءة الثانية، لا يظهر الجنرال حسان كمجرد قائد لمكافحة الإرهاب، بل كمهندس للغموض؛ إذ ينتمي إلى ذلك الجيل من الضباط المقتنعين بأن الاستقرار يصنع أحيانا بمواد الفوضى.

يتم التفاوض مع الخاطفين، ويُسمح للقادة بالتحرك، ويُسلح فصيل ضد آخر، ويجري الاختراق إلى الحد الذي يضيع فيه الفاصل بين العميل والإرهابي. وعندما يخرج الوحش عن سيطرة مروضه، يصدر بيان رسمي حول السيادة الوطنية؛ فللبيروقراطية دائما قدرة عجيبة على تجميل الكوارث وتصويرها كعقيدة استراتيجية.

السقوط ورد الاعتبار: حرب الأجنحة والصندوق الأسود

ثم جاء التحول الحتمي: السقوط. في عام 2013، استُبعد حسان ووضع تحت المراقبة، قبل أن يُعتقل في غشت 2015. انتهت محاكمته المغلقة أمام المحكمة العسكرية في وهران بالحكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهمتي «إتلاف وثائق» و«مخالفة التعليمات».

بدت التهم في ظاهرها تقنية وإدارية، لكن الفجوة بين مكانة الرجل وهزالة الدوافع غذت مباشرة قراءة أخرى: تصفية حسابات داخلية؛ ففي هذا النوع من الأجهزة، لا يكون السجن دائما عقوبة على جريمة.

تحدثت الصحافة الجزائرية حينها عن حيازة أسلحة غير قانونية وتشكيل «جماعة مسلحة»، بينما ندد محاموه بتطهير سياسي وحرب أجنحة استهدفت رجال الجنرال توفيق. اندلعت القضية في وقت كان فيه بوتفليقة المنهك مجرد ظل لرئيس، بينما شرع القايد صالح في تفكيك جهاز «DRS».

أصبح حسان حينها «صندوقا أسود» خطيرا؛ فهو يعرف الشبكات، والأرشيف، والأسماء، والعمليات، والتحالفات غير المعلنة. في الأنظمة الطبيعية، يدلي رجل كهذا بشهادته أمام لجنة، أما في الأنظمة المغلقة، فينام في السجن؛ فالدول العميقة لا تحب الذاكرة الحية، خاصة عندما تظل تتنفس.

لم يمحُ السجن اسمه، بل زاده ثقلا. في عام 2020، غادر السجن بعد قضاء أربع سنوات من عقوبته، وفي 2021، برأته محكمة الاستئناف العسكرية واستعاد كامل حقوقه. ثم جاء الفصل الأخير الأكثر دلالة: في مايو 2025، عاد للظهور من جديد، متربعا على رأس المديرية العامة للأمن الداخلي (DGSI).

ثمة واقعة رئيسية تفسر أهمية حسان وقربه من توفيق؛ وهي أن المرة الأولى التي تحدث فيها توفيق علنا كانت عبر رسالة للدفاع عن حسان. هكذا استعادته السلطة الجزائرية بعد أن تخلت عنه سابقا، في مشهد يقترب من السخرية: الرجل الذي سُجن يعود للقيادة. للمقابر السياسية في الجزائر ميزة خاصة، وهي أن «الموتى» فيها غالبا ما يحتفظون بمفاتيح المكاتب.

يظهر حسان اليوم بهيئة ضابط ميداني عجوز: قامة مديدة، بزة عسكرية مثقلة بالأوسمة، شعر مصبوغ لمغالبة السنين، ووجه محفور بآثار ندوب سرية لا أحد يعرف إن كانت من فعل المعارك، أو الزمن، أو الصراعات الداخلية في دهاليز المخابرات. ابتسامته الجانبية خلال المراسم الرسمية لا تشبه ابتسامة المتقاعدين، بل تبدو أقرب إلى تهكم رجل يدرك تماما أنه نجا ممن اعتقدوا أنه انتهى.

سيبقى الجنرال حسان أحد أكثر الشخصيات إثارة للريبة في التاريخ الأمني الجزائري؛ أستاذ التلاعبات ومهندس الفوضى في الساحل. وفي شمال مالي، كان لهذا الغموض ثمن باهظ: مدن سُلمت للجهاديين، شعوب وقعت بين فكي كماشة، دول أُضعفت، حدود عُسكرت، ومنطقة بأكملها تحولت إلى مختبر للخوف.

خلف الجنرال حسان، يرتسم ظل الجزائر؛ ظل طويل يمتد فوق مالي، والصحراء، ومخيمات تندوف، وهوامش الساحل. للدول أرشيفها، وللصحاري بصماتها التي تحفظها، وبصمات الجنرال حسان لم تتوقف بعد عن الانبعاث من الرمال.

تحرير من طرف كريم سراج
في 10/05/2026 على الساعة 07:00