أصدرت محكمة الجنايات الابتدائية في الجزائر العاصمة، الأسبوع الماضي، حكما يقضي بسجن وافية تيجاني لمدة خمس سنوات، بعد متابعتها بقانون الإرهاب، على الرغم من الطابع السلمي والعلني لنشاطها على منصات التواصل الاجتماعي.
واستندت لائحة الاتهام إلى «المؤامرة ضد الدولة» و«المساس بالوحدة الوطنية»، وهي تهم يرى مراقبون حقوقيون أنها تفتقر إلى سند مادي ملموس، وتعتمد حصرا على تدوينات رقمية ومبادرات إنسانية قدمتها الناشطة لعائلات معتقلي الرأي.
من الترويج للسياحة إلى مقصلة الإرهاب
اشتهرت وافية تيجاني في منصات التواصل الاجتماعي بنشاطها الميداني في المجالات الإنسانية والبيئية.
تحت لقب «وافية توريزم»، سخرت الشابة الشغوفة بمنطقة بالقبائل منصاتها الرقمية للتعريف بالقرى الأمازيغية المنسية وتشجيع ثقافاتها ومبادراتها التضامنية مثل «تويزي»، إلا أن هذا النشاط العفوي اصطدم برؤية أمنية ضيقة ترى في أي تحرك مستقل خارج عباءة السلطة «مؤامرة ضد الدولة».
بدأ اصطدام وافية مع النظام بعد انخراطها في دعم عائلات معتقلي الرأي وتقديم المساعدات للمتضررين من حرائق الغابات في منطقة القبائل، وهو النشاط الذي تعتبره هيئات الدفاع عنها السبب الرئيس وراء التضييق القضائي الذي تعرضت له.
واتسم مسار هذه الناشطة «القبايلية» بسلسلة من التضييقات الممنهجة التي تدرجت من الرقابة القضائية وصولا إلى الحبس النافذ، في محاولة واضحة لشل نشاطها الميداني والرقمي.
وهكذا تعرضت لسلسلة ملاحقات قضائية منذ فترة «الحراك الشعبي»، حيث واجهت استدعاءات متكررة من قبل الأجهزة الأمنية بسبب مواقفها المساندة للقضايا الاجتماعية والبيئية في ولاية تيزي وزو.
وفي غشت 2023، وضعت تحت الرقابة القضائية بتهم تتعلق بـ«التجمع السلمي» و«إهانة هيئة نظامية»، على خلفية توثيقها بالكاميرا لحرائق الغابات في منطقة القبائل ودعوتها لمبادرات التضامن الشعبي «تويزي».
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تصاعد السعار الأمني ضدها ليتم توقيفها مجددا يوم 4 مارس 2025 من منطقة «بني دوالة»، حيث جرى إيداعها رهن الحبس المؤقت لمدة عام كامل دون محاكمة، بتهم ثقيلة صيغت بموجب المادة 87 مكرر من قانون العقوبات.
إبان اعتقالها من دون محاكمة، تحدثت تقارير من داخل الأوساط الحقوقية عن مخاوف بشأن سلامتها الجسدية، إذ شوهدت خلال فترة احتجازها في سجن تيزي وزو وهي تضع «جبيرة» على ذراعها، دون صدور أي توضيح رسمي من إدارة السجون حول أسباب الإصابة.
إقرأ أيضا : هراوة القانون في «الجزائر الجديدة».. سعار أمني يطارد النخب ويسجن الكلمة
وانتهت هذه السلسلة من التنكيل في 21 أبريل 2026، بإصدار محكمة الجنايات الابتدائية بالعاصمة حكما جائرا يقضي بسجنها خمس سنوات نافذة، محولة بذلك مسار ناشطة في السياحة الجبلية والعمل الخيري إلى «جناية إرهابية» ملفقة.
تظل قصة وافية تيجاني نموذجا صارخا لكيفية تطويع القوانين «المطاطية» لمكافحة الإرهاب في تصفية الحسابات مع الأصوات المدنية المستقلة، مما يحول الفعل السياحي والإنساني البسيط إلى جريمة تهدد أمن الدولة في نظر سلطات النظام.
فرحات مهني.. صرخة ضد «الفاشية الجديدة»
بلغ التصعيد ذروته مع اتهام وافية تيجاني بالانتماء إلى حركة «انفصال منطقة القبائل» (ماك)، التي يصنفها النظام الجزائرية ضمن التنظيمات «الإرهابية». ودفع هذا التكييف القانوني «الخيالي» فرحات مهني، رئيس حركة «ماك» إلى الخروج لنفي أي علاقة لوافية تيجاني بالحركة، معتبرا أن النظام يستخدم «فزاعة الإرهاب» لضرب الهوية القبائلية.
ووصف مهني ممارسات الأجهزة الأمنية في المنطقة بأنها تحاكي السلوك الذي مارسته الشرطة السرية الألمانية الـ«غستابو» ضد اليهود، حيث يتم -حسبه- استهداف المواطنين بناء على انتمائهم الجغرافي ونشاطهم الجمعوي، في تشبيه يعكس حجم الترهيب الذي تعيشه المنطقة تحت وطأة الأحكام العسكرية والقضائية الجائرة.
سعار السلطة.. رسالة ترهيب جماعية
وصفت منظمات حقوقية، من بينها «منظمة شعاع» و«منظمة ريبوست إنترناشيونال»، الحكم الصادر ضد وفية تيجاني بأنه «قاس وغير متناسب»، مشيرة إلى أن القضية تفتقر إلى أفعال مادية ملموسة وتستند بالأساس إلى تأويلات أمنية لنشاط إنساني كان يهدف لإغاثة المتضررين من الحرائق ودعم عائلات المعتقلين.
وفي نظر نشطاء حقوقيين جزائريين، فإن هذه الإدانة تعكس رغبة النظام في إغلاق أي مساحة للتعبير المستقل، معتبرين أن الحكم على «وافية توريزم» ليس مجرد واقعة معزولة، بل هو جزء من استراتيجية «الأرض المحروقة» التي ينهجها النظام الجزائري ضد العقل النقدي، يبعث برسالة واضحة لكل من يفكر في التغريد خارج «سرب النظام»: «في جزائر الثنائي تبون – شنقريحة.. حتى الجمال الطبيعي قد يصبح تهمة، والتضامن الإنساني قد يقودك إلى المقصلة».
