«قداسة» الزيارة و«دناءة» القمع.. النظام الجزائري يلجأ إلى التعتيم الإعلامي وقمع الحقوقيين لمنع إفساد «العرس» الباباوي

البابا ليو الرابع عشر إلى جانب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقاء مع ممثلي المجتمع المدني والسلك الدبلوماسي في مركز مؤتمرات «جماعة الجزائر» في 13 أبريل 2026. AFP or licensors

في 14/04/2026 على الساعة 15:30

بينما سخرت المؤسسات الإعلامية الجزائرية كامل إمكاناتها لتضخيم زيارة البابا ليو الرابع عشر وصبغها بأوصاف «التاريخية» و«الحدث الاستثنائي»، سقط الإعلام الجزائري، الرسمي والخاص، في اختبار المصداقية بسكوته المفضوح عن التفجيرات الإرهابية التي هزت مدينة البليدة. هذا التباين الحاد بين مشهد استقبال الضيف فوق السجاد الأحمر وبين الدماء المسكوبة على أرصفة البليدة، لم يكن مجرد صدفة زمنية، بل كشف عن استراتيجية ممنهجة اعتمدها النظام لفرض ستار من الصمت؛ استراتيجية زاوجت بين التعتيم الإعلامي المطبق على التفجيرات، وبين حملة اعتقالات استباقية طالت أصواتا حقوقية لمنع وصول صدى معتقلي الرأي إلى مسامع بابا الفاتيكان.

مرت أكثر من 24 ساعة حتى الآن على دوي الانفجارات في البليدة، التي تناقلت أصداءها وكالات الأنباء العالمية، بينما استمرت السلطات الجزائرية وأذرعها الإعلامية في «تعاميها» المتعمد، متمسكة بصمت يثير من الريبة أكثر مما يمنح من «الطمأنينة».

هذا التعتيم لم يكن مجرد تقصير مهني، بل ترجمة ميدانية لتوجيهات «عسكرية» صارمة كشف عنها الصحفي الجزائري محمد سيفاوي، حيث أكد في حسابه على منصة «إكس» صدور أوامر قطعية للصحافة الجزائرية بعدم الخوض في تفاصيل العملية الدموية التي شهدتها البليدة.

ولم يقف تكميم الأفواه عند حدود الداخل، بل امتدت ضغوط النظام لتطال مواقع عربية اضطرت إلى سحب خبر التفجيرات بعد نشره بساعات. بل مارست الضغط حتى على أروقة المؤسسات القارية؛ حيث سقط الاتحاد الإفريقي في فخ الارتباك بعدما اضطر لسحب بيان رسمي أدان فيه الهجوم، في واقعة وثقتها وكالة «فرانس برس».

وبرر المتحدث باسم مفوضية الاتحاد هذا التراجع المفاجئ بكون المعلومات «لم تؤكدها مصادر رسمية»، في إشارة واضحة إلى إقدام سلطات الجزائر على فرض «رواية العدم» على حادثة وثقتها عدسات الهواتف وشهادات العيان.

قمع استباقي لمنع إيصال صوت المعتقلين

تزامن هذا التعتيم الأمني مع حملة اعتقالات واسعة شنتها السلطات في صفوف الحقوقيين والصحفيين، في خطوة استباقية لمنعهم من ملاقاة البابا ومناشدته التدخل لإطلاق سراح معتقلي الرأي في سجون النظام.

وأفادت منظمة «شعاع لحقوق الإنسان» أن عناصر الأمن أوقفت الصحفي والمدافع عن حقوق الإنسان حسن بوراس ومداهمة منزله ومصادرة معداته، قبل أن يأمر قاضي التحقيق بمحكمة البيض بإيداعه الحبس المؤقت يوم الاثنين 13 أبريل.

وحسب المنظمة فقد وجهت لهذا الصحفي المعروف بدفاعه المستميت عن الحقوق في الجزائر بأربع تهم، منها جنايتان وجنحتان، ليس سوى لأن اسمه ورد ضمن الحقوقيين الذين كانوا يعتزمون ملاقاة البابا خلال زيارته للجزائر.

ويرى مراقبون، من بينهم رشيد اعوين مدير منظمة شعاع، أن هذا «التصعيد القمعي» خلال زيارة البابا يهدف إلى قطع الطريق أمام النشطاء الذين كانوا يعتزمون التنقل بين العاصمة وعنابة لطرح قضية المعتقلين مباشرة أمام ضيف الجزائر، رغم مراسلات المنظمات الدولية التي دعت البابا للتدخل لدى الرئاسة الجزائرية في هذا الملف الإنساني.

خطاب البابا يحرج النظام

المفارقة تجلت في مضامين خطاب البابا الذي ألقاه من الجزائر، والتي تحولت إلى «إحراج دبلوماسي» مباشر للنظام العسكري الجزائري.

فقد وجه البابا ليو الرابع عشر درسا في الديمقراطية أمام حشد من كبار المسؤولين يتقدمهم الرئيس عبد المجيد تبون، منتقدا ضمنيا وضع الحريات المأزوم في البلاد.

ودعا البابا سلطات النظام الدكتاتوري إلى التحرر من هواجس السيطرة وتفعيل المشاركة الشعبية في الحياة السياسية والاقتصادية، مؤكدا أن قوة الأوطان لا تكمن في الهيمنة بل في «تعزيز مجتمع مدني نابض بالحياة وديناميكي وحر».

هذا الخطاب، الذي حث فيه أصحاب القرار على «عدم الخوف» من طموحات الشباب، جاء ليلامس جرح انسداد الآفاق الذي يعانيه الجزائريون منذ حراك 2019، مستجيبا بذلك لمناشدات منظمات دولية مثل «هيومن رايتس ووتش» التي طالبت الفاتيكان بإثارة ملف الحقوق والحريات الدينية؛ ما جعل كلمات البابا تبدو كإدانة روحية لنهج أمني يصر على تغييب المجتمع وإخراسه بالحديد والنار.

دلالات عودة الإرهاب

يعيد هذا الانفجار المزدوج، وهو الأول من نوعه منذ فبراير 2020، هواجس العمليات الانتحارية إلى الواجهة، محطما سردية «الأمن المطلق» التي يحاول النظام تسويقها دوليا.

ومع استمرار الزيارة البابوية في إطارها الاحتفالي، تظل واقعة البليدة وما رافقها من تعتيم إعلامي وقمع حقوقي، شاهدا حيا على الهوة السحيقة بين الجزائر التي تحاول السلطة تسويقها في صالونات الدبلوماسية وبين الواقع المحتقن خلف الحواجز الأمنية.

إن «نجاح» النظام في حجب تفجيرات البليدة عن شاشات الإعلام المحلي، وتغييب حقوقيين مثل حسن بوراس خلف القضبان بدعوى لقاء مفترض مع البابا، قد يمنح الزيارة البابوية مسحة مؤقتة من الهدوء البروتوكولي، لكنه يفشل في مواراة جرح أمني وحقوقي بات ينزف تحت أعين الوكالات الدولية.

وفي نهاية المطاف، فإن لجوء السلطة إلى التعتيم لم يعد سلاحا فعالا في زمن التوثيق الرقمي؛ إذ لم يزد الصمت الرسمي الحقيقة إلا سطوعا، ولم يزد القمع الاستباقي دعوات «الحرية والديناميكية» التي أطلقها البابا من قلب العاصمة إلا إلحاحا ومشروعية.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 14/04/2026 على الساعة 15:30