الصمت المطبق للنظام الجزائري حيال تفجيرات البليدة شكل منطلقا لمخاوف حقوقية متزايدة من احتمال استغلال الملف الأمني لشن موجة اعتقالات جديدة تستهدف الفضاء المدني، لا سيما بعد تسجيل توقيفات واسعة طالت عشرات الناشطين والفاعلين في المجال العام.
ففي بيان صدر اليوم السبت 30 ماي، طالبت منظمة «شعاع لحقوق الإنسان» السلطات الجزائرية بالخروج عن صمتها وتقديم توضيحات رسمية عاجلة وشفافة تكشف تفاصيل الهجوم الذي نفذه انتحاريان وسط المدينة، والذي تزامن توقيته الحرج مع اليوم الأول للزيارة التاريخية التي قام بها البابا ليو الرابع عشر إلى البلاد.
ذئاب منفردة تفسد الزيارة الباباوية
تزامن هجوم البليدة مع اعتلاء البابا ليو الرابع عشر منبر «جامع الجزائر الكبير» بالعاصمة في منتصف نهار 13 أبريل، حيث فجر انتحاريان (رجل وامرأة) نفسيهما بأحزمة ناسفة في محيط مديرية الأمن المركزي وموقع صناعي محلي.
أسفرت الانفجارات عن مقتل المنفذين وإصابة شرطي، مخلفة أضرارا مادية محدودة جراء تفعيل العبوات قبل بلوغ الأهداف المخطط لها.
إقرأ أيضا : تفجيرات البليدة: هجوم إرهابي يربك زيارة البابا إلى الجزائر
ونقلت تحقيقات استقصائية لوسائل إعلام دولية، بينها صحيفة «جون أفريك» وموقع «ماريان» الفرنسي، تفاصيل تحرك ميداني لفرقة الأمن والتدخل السريع «BRI» التي فرضت طوقا مشددا حول سوق «الرحبة» الشعبي، قبل أن تتمكن من إبطال مفعول أربع عبوات ناسفة إضافية وجهت نحو مقرات شرطية وفضاءات عامة مكتظة.
وربطت قراءات أمنية توقيت العملية بمحاولة «ذئاب منفردة» استغلال الزخم الإعلامي الدولي المصاحب للزيارة البابوية، لتقويض السردية الرسمية المروجة للاستقرار المطلق.
تعتيم داخلي وضغوط دبلوماسية
واجه نظام «الكابرانات» هذا الإرباك الميداني بفرض طوق رقابي صارم؛ إذ آثرت وزارتا الداخلية والدفاع الصمت التام، وغابت التوضيحات عن القنوات الرسمية والصحافة المحلية التي أسقطت الواقعة من تغطيتها كليا بهدف تسويق صورة السيطرة المطلقة إبان وجود الوفد البابوي.
إقرأ أيضا : تفجيرات البليدة: تحذيرات أوروبية تفضح وتؤكد ما ينكره النظام الجزائري
ولم يقتصر هذا التوجيه على الصعيد الداخلي، بل تجاوزت الحدود لتصل إلى أروقة العمل الدبلوماسي. فقد أسفرت الضغوط الجزائرية عن سحب بيان تضام لمفوضية الاتحاد الإفريقي يدين التفجيرات بعد ساعات قليلة من نشره صبيحة 14 أبريل، تحاشيا لأي اعتراف علني بالثغرة الأمنية.
بيد أنه على النقيض من هذا الصمت، تحركت عواصم غربية بشكل فوري، حيث سارعت لندن إلى تحديث تحذيرات السفر الموجهة لرعاياها بناء على التقييمات الميدانية المرصودة في الجزائر.
سياسة السرية لحجب الشفافية
نبهت منظمة «شعاع» من مقرها في لندن إلى «خطورة استمرار الغموض الكثيف المحيط بالواقعة»، خاصة مع التدفق الواسع للصور ومقاطع الفيديو التي وثقت التفجيرات على منصات التواصل الاجتماعي.
«تفرض المعايير الدولية لمكافحة الإرهاب توازنا دقيقا بين حماية الأمن واحترام الحريات الأساسية، بما يمنع الخلط العمدي بين التهديدات الأمنية الحقيقية والنشاط السياسي أو الحقوقي السلمي»
— منظمة شعاع لحقوق الإنسان
واعتبرت الهيئة الحقوقية «غياب الرواية الرسمية انتهاكا صريحا للمادة 55 من الدستور الجزائري التي تضمن حق الوصول إلى المعلومة، علاوة على تعارضه مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان».
وحذر البيان من تحول السرية المضروبة على التحريات الأمنية إلى أداة لحجب الشفافية والمساءلة والرقابة القضائية المستقلة، بدلا من كونها إجراء لحماية الأمن العام.
حملة توقيفات واسعة
تزامنت هذه التحذيرات الحقوقية مع تواتر تقارير متقاطعة تفيد باحتجاز سلطات النظام العسكري لأكثر من 200 شخص على ذمة القضية، شملت فاعلين سياسيين ومدنيين جرى سحبهم إلى مراكز التحقيق دون مسوغات قانونية واضحة أو تهم دقيقة، مما يكرس المخاوف من اتساع رقعة «الاشتباه الجماعي».
وفي الوقت الذي جددت فيه المنظمة رفضها القاطع لكل أشكال التطرف والعنف ومشروعية التصدي لها حماية للمجتمع، فإنها أكدت أن «الهواجس الأمنية لا تمنح السلطة تفويضا لتجاوز سيادة القانون وقرينة البراءة والحق في الدفاع تحت إشراف قضاء مستقل».
وأنهت الهيئة الحقوقية بيانها بالتحذير من مغبة «استغلال التفجيرات لتبرير قمع الأصوات الناقدة، أو اتخاذ المقاربات الأمنية ذريعة لتطويق الحريات العامة عبر نصوص تشريعية فضفاضة».
