الزيارة التي التقى خلالها وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ووزير العدل لطفي بوجمعة، ضمت وفدا قضائيا فرنسيا غير مسبوق، تقدمته المدعية العامة الوطنية لمكافحة الجريمة المنظمة والمدعي العام المالي الوطني.
ويترجم هذا الإنزال القضائي رغبة باريس في حسم ملف تفكيك بنيان الشبكة الإجرامية التي اتخذت من الرمز الدولي للجزائر «DZ» شعارا لها، في إشارة إلى الأصول الجزائرية لأغلب قادتها ومؤسسيها المنحدرين من الجيلين الثاني والثالث للمهاجرين في المجمعات السكنية الفقيرة بمرسيليا.
الجزائر.. المخبأ الآمن لقادة «مافيا دي زد»
ترتبط DZ Mafia بالجزائر عبر مستويات متعددة تجمع بين الهوية الثقافية لعناصرها، الامتداد الجغرافي للملاحقات الأمنية، وتبييض الأموال، وهو ما تظهره تقارير الأجهزة الأمنية والتحقيقات القضائية الفرنسية والبلجيكية.
وتكشف مسارات التحقيق القضائي عن تحول العمق الجغرافي الجزائري إلى وجهة مفضلة لفرار كبار بارونات الصفين الأول والوسط للتنظيم بمجرد اشتداد الخناق الأمني عليهم داخل التراب الفرنسي.
وتفيد تقديرات المحققين بوجود تدفقات مستمرة لعناصر بارزة نحو الحواضر الساحلية الجزائرية بحثا عن ملاذات آمنة للاختباء، مستغلين في ذلك حيازتهم للجنسية المزدوجة وصعوبة التعقب الأمني المباشر والعابر للحدود.
وفي هذا السياق، تلاحق السلطات القضائية في باريس ملفات إنابة قضائية لاسترداد هؤلاء المطلوبين، الذين تشير القرائن إلى استمرارهم في تحريك خيوط الجريمة المنظمة وإدارة شبكات توزيع فرعية في قلب القارة الأوروبية عبر الهواتف الذكية وتطبيقات التواصل المشفرة من مقرات إقامتهم الجديدة بالداخل الجزائري.
حرب شوارع مرسيليا
تعود جذور «مافيا دي زد» إلى المجمعات السكنية الهامشية في الأحياء الشمالية لمدينة مرسيليا، حيث بدأت كعصابات شوارع صغيرة تدير نقاط توزيع المخدرات بالتجزئة، قبل أن تتحول بمرور السنوات إلى منظمة إجرامية شديدة الهيكلة والتعقيد.
واكتسبت الشبكة نفوذها الواسع عبر السيطرة الكاملة على قنوات استيراد وتوزيع الحشيش والكوكايين، مستغلة موقع مرسيليا كبوابة بحرية رئيسية في جنوب أوروبا.
ولم يقتصر نشاط التنظيم على التجارة العابرة للحدود، بل امتد ليشمل عمليات غسيل أموال واسعة النطاق، وإدارة شبكات تهريب السلاح، واستخدام أساليب تصفية جسدية بالغة العنف عبر تجنيد قاصرين لتنفيذ اغتيالات ضد المنافسين، مما مكنها من حسم حرب الشوارع الدامية ضد عصابة «يودا» عام 2023 وبسط هيمنتها المطلقة على سوق السموم البيضاء.
شروط الجزائر لتسليم المطلوبين لفرنسا
تواجه عملية تسليم هؤلاء المطلوبين تعقيدات قانونية وسياسية مرتبطة بحسابات المصالح المتبادلة بين البلدين؛ إذ ترهن الجزائر تقدم هذا الملف بمدى استجابة باريس لمطالبها المتعلقة باسترجاع الأموال المنهوبة والممتلكات المحولة إلى الخارج.
وقدمت السلطات الجزائرية ما يقارب 100 طلب لاستعادة عقارات وأموال مرتبطة بقضايا فساد تعود إلى عام 2019.
إقرأ أيضا : فرنسا-الجزائر: المخدرات والابتزاز والاغتيالات...مافيا «DZ» المنظمة الإجرامية الأكثر خطورة في القرن
في المقابل، تسعى فرنسا إلى تجفيف المنابع المالية لـ«مافيا دي زد» بعدما رصدت الأجهزة الرقابية قنوات لتهريب العائدات المالية الضخمة لتجارة الكوكايين والحشيش من مرسيليا إلى الداخل الجزائري عبر نظام «الحوالة» أو الرحلات البحرية والجوية، وضخها في استثمارات عقارية ومشاريع تجارية كالمقاهي وقاعات الحفلات ووكالات كراء السيارات لإضفاء طابع الشرعية عليها.
أين تكمن مصلحة نظام الجزائر؟
بين الرغبة الفرنسية الملحة في استئصال الرؤوس المدبرة لشبكة عاثت فسادا في أمنها الداخلي، والشروط التي تضعها الجزائر على طاولة المفاوضات، يبرز تساؤل أعمق حول مدى توفر إرادة سياسية حقيقية لدى النظام الجزائري لتسليم هؤلاء المطلوبين؛ إذ يرى مراقبون أن الإبقاء على قادة هذا الكارتيل فوق أراضيه يوفر له أوراق ضغط حيوية ومناورات يبتز بها باريس في ملفات سياسية وأمنية حساسة.
وثمة قراءة تذهب أبعد من ذلك، لتربط بين سلوك النظام وممارسات هذه الشبكات، حيث كثيرا ما تُطلق أوساط سياسية وحقوقية وصف «المافيا» على البنية الحاكمة في الجزائر، نتيجة اعتمادها على أساليب توصف بـ«المافيوزية» لضمان استمرارها في السلطة وحماية مصالحها المادية المباشرة؛ وهو ما يجعل ملف «مافيا دي زد» يتجاوز حدود التعاون القضائي العادي، ليتحول إلى مرآة لتقاطع المصالح، ووسيلة لإدارة الصراع الدبلوماسي بين ضفتي المتوسط بدلا من الحسم فيه.
