انفجرت منصات التواصل الاجتماعي بموجة عارمة من السخرية والتنذر، واكبت الطوابير المستحدثة التي فرضتها أزمة ندرة عجلات السيارات في الجزائر، حيث تحولت عملية اقتناء إطار مطاطي إلى مادة دسمة لصناع المحتوى والنشطاء الذين تفننوا في إنتاج الكوميديا السوداء لتعرية الواقع الاقتصادي المتردي.
وتداول نشطاء ومرتادون لمختلف منصات التواصل الاجتماعي، على نطاق واسع، مقاطع فيديو توثق مشاهد غير مألوفة من الفرح الطفولي العارم والاحتفالات الهزلية بمجرد الظفر بعجلتين جديدتين، وصلت حد تبادل الأحضان والقبلات مع قطع المطاط وإعلان بعضهم إقامة مآدب عشاء احتفاء بهذا «الإنجاز التاريخي».
وعكست هذه الحملة الرقمية الساخرة عمق الاستياء الشعبي من السياسات التنظيمية الحالية، إذ أفرزت تلك التهكمات اللاذعة نقاشا واسعا حول التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي المروج لشعارات «القوة الضاربة»، وبين واقع يومي مرير بات فيه المواطن مجبرا على الاصطفاف في طوابير ممتدة والتسجيل في منصات رقمية معقدة للحصول على أبسط مستلزمات السلامة الطرقية.
طوابير في الواقع وفي المواقع
تتجاوز المشاهد البصرية القادمة من شوارع المدن الجزائرية حدود الوصف الصحفي العادي لتلج عالم الكوميديا السوداء. مواطنون يحتفلون بفرح طفولي باقتناء «عجلتين» بعد رحلة بحث مضنية بتبادل الأحضان والقبلات مع المطاط الجديد، وآخر يعلن، من شدة فرحه، عزمه إقامة مأدبة عشاء فاخرة احتفاء بهذا الإنجاز التاريخي غير المسبوق في مسيرته كسائق.
هذا الانفعال العاطفي العفوي يعكس عمق الأزمة الهيكلية التي تسببت فيها سياسات التجفيف الممنهج للواردات تحت شعار حماية احتياطي الصرف، لتنتهي بفرض نظام حصص عجيب يقنن حركة السير ويسمح للمواطن بزوج من العجلات كل ستة أشهر.
شكلت هذه الطوابير المستحدثة مادة دسمة لرواد منصات التواصل الاجتماعي والمؤثرين، الذين برعوا في تفكيك شعارات «القوة الإقليمية» و«الجزائر الكبرى»، ومقارنتها بواقع يفرض فيه على صاحب المركبة تسجيل اسمه في لوائح الانتظار الطويلة للحصول على منتج يسوق في بقية دول العالم كسلعة عادية متوفرة على رصيف أي شارع.
عجلتان فقط لكل مواطن!
بلغت العبثية الإدارية ذروتها مع إقرار السلطات نظام حصص رقمي يمنح المواطن الحق في اقتناء «عجلتين فقط كل ستة أشهر».
وهنا يبرز السؤال الفلسفي المتهكم الذي يفرض نفسه على عباقرة التخطيط العسكري والاقتصادي في البلاد: ماذا يفعل السائق المنكوب إذا قررت الأقدار، أو حفر الطرقات الوطنية المهترئة، أن تجهز على العجلتين المتبقيتين قبل انقضاء مهلة الشهور الستة؟
هل يملك هذا المواطن الشجاعة لتقديم ملتمس إداري مستعجل يشرح فيه للمنصة الرقمية أن المطاط لم يحترم التوقيت الحكومي؟ أم أن عليه، التزاما بروح «القوة الضاربة»، أن يوقف سيارته على رافعة حديدية في مرآب البيت، ويكتفي بتأمل العجلتين الجديدتين منتظرا حلول الفصيل الثاني من السنة الموالية لتكتمل رباعية الدفع؟ إنها استراتيجية فريدة تضمن تقليص حوادث المرور عبر منع السيارات من الحركة نهائيا.
عندما يكذب الواقع الشعارات
تكشف البيانات المتداولة عن حجم التضارب بين البروباغندا الرسمية والواقع الميداني، حيث تتباهى التقارير الحكومية باستيراد أكثر من 326 ألف عجلة عبر شركة «نفطال» المملوكة للدولة، وتخصيص مئات الملايين من الدولارات لإنقاذ سوق قطع الغيار.
إقرأ أيضا : أزمة العجلات في الجزائر: هكذا تسبب قرار عشوائي لتبون في كبح عجلة اقتصاد «القوة الثالثة في العالم»
بيد أن النتيجة على الأرض تظل صفرا كبيرا في معادلة التموين؛ إذ تبتلع السوق السوداء والمضاربة تلك الشحنات في رمشة عين، ليقفز سعر الإطار من السعر الرسمي المحدد في حدود 9 آلاف دينار إلى عتبة 20 ألف دينار في الأسواق الموازية.
وفي محاولة للتغطية على هذا الإخفاق، تحيل الجهات الرسمية أسباب الأزمة إلى محدودية الإنتاج المحلي الذي لا يغطي سوى 60 صنفا من أصل 300 صنف تحتاجها حظيرة المركبات الوطنية.
وبحسب مراقبين فإن هذا العذر يبدو أقبح من ذنب السياسة الاقتصادية التي جمدت رخص الاستيراد وقطعت حبال التواصل مع الموردين الدوليين قبل تأمين البديل المحلي، مما جعل شاحنات النقل ووسائل الإمداد تصطف هي الأخرى في طوابير العطالة، مهددة بإنعاش أسواق التهريب والسلع مجهولة المصدر.
السير على حافة الخطر
تتعدى ارتدادات هذه الأزمة حدود التندر الرقمي والسخرية من الطوابير لتلامس أمن وسلامة المواطنين على الطرقات بشكل مباشر.
وفي ظل هذا الانسداد، لم يجد المواطن بدا من اللجوء إلى حلول ترقيعية تحمل في طياتها مخاطر جمة على السلامة المرورية، حيث أدى غلاء الأسعار وشح المعروض إلى فرض واقع جديد يجبر السائقين على المغامرة بأرواحهم.
وقد دفع هذا الوضع شريحة واسعة من أصحاب المركبات إلى الإبقاء على الإطارات القديمة والممسوحة لفترات طويلة، تتجاوز بكثير معايير الأمان الفنية وعمرها الافتراضي، رغبة في تأجيل مصادفة الأسعار الخيالية للسوق السوداء.
كما انتعش الإقبال الواسع على شراء العجلات المستعملة أو تلك التي خُزنت لسنوات في ظروف سيئة أفقدتها مرونتها المعهودة، مما جعلها عرضة للانفجار المفاجئ عند أول احتكاك بحرارة الصيف أو الطرقات الطويلة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لجأ كثيرون إلى استخدام إطارات مجهولة المصدر والمواصفات تدخل البلاد عبر منافذ غير قانونية، لتتحول المركبات في نهاية المطاف إلى قنابل موقوتة تسير بين المدن مهددة حياة مستعملي الطريق.
إن الفجوة الآخذة في الاتساع بين الخطاب السياسي الحالم المروج للرفاه الاقتصادي، وبين واقع المعيش اليومي المتسم بالطوابير والندرة، يؤكد أن أزمة العجلات ليست سوى تفصيل صغير في مشهد أكبر لتدبير اقتصادي فاشل، يسير بالبلاد نحو الهاوية بعجلات مهترئة، مستمسكا بسياسات بالية تجترها عقليات شائخة عاجزة عن مواكبة العصر.
