وساهمت الرسائل الصادرة عن المنتخبين والمسؤولين المحليين، خصوصا ما يتعلق بالحفاظ على «طابع الجوطية» وضمان حقوق التجار، في خلق نوع من الارتياح وسط المهنيين، الذين يعتبرون أن المشروع طال انتظاره، خاصة في ظل المشاكل المتكررة التي يعرفها السوق، من حرائق وسرقات واختلالات مرتبطة بالبنية التحتية.
وفي هذا السياق، اعتبر عبد المنعم مدكر، رئيس جمعية تجار سوق السلام بدرب غلف، أن مصادقة مجلس المدينة على مسطرة نزع الملكية لفائدة مرفق جماعي تمثل «انتقالا إيجابيا» نحو تنزيل مشروع إعادة الهيكلة على أرض الواقع، مؤكدا أن التجار ينظرون بإيجابية إلى هذا التحول، بالنظر لما يمكن أن يوفره من شروط أفضل للاشتغال والتنظيم والأمن، وموضحا أن المشروع يندرج ضمن منطقة إعادة الهيكلة والتجديد الحضري بالعاصمة الاقتصادية، ومشيرا إلى أن تصميم التهيئة الخاص بمقاطعة المعاريف سبق أن تمت المصادقة عليه، فيما ينتظر الملف التأشير النهائي من الوكالة الحضرية، قبل استكمال باقي الإجراءات القانونية المرتبطة بنزع الملكية.
وفي الوقت الذي يراهن فيه المسؤولون على جعل درب غلف واجهة تجارية عصرية تليق بمكانة الدار البيضاء، يحرص التجار بدورهم على التشبث بالخصوصية التي ميزت هذا الفضاء لعقود، باعتباره أكثر من كونه سوقا شعبيا، بل فضاء اقتصاديا واجتماعيا تحول مع مرور السنوات إلى قبلة للباحثين عن الإلكترونيات والتقنيات الحديثة والملابس والأثاث بأسعار تنافسية.
ويستحضر عدد من التجار القدامى، في تصريحات متفرقة لـLe360، التحولات التي عرفتها «الجوطية» منذ بداياتها، حيث يؤكد أحدهم، والذي قضى أكثر من خمسة عقود داخل السوق، أن درب غلف انتقل من فضاء بسيط لبيع الأثاث المستعمل، إلى مركز يعج بالحرف والتخصصات والكفاءات، مضيفا أن إعادة الهيكلة من شأنها أن تمنح السوق صورة أكثر تنظيما دون التفريط في تاريخه الشعبي.
درب غلف: من «جوطية» إلى «مول».. التجار يترقبون مصيرهم
غير أن هذا التفاؤل لا يخفي جملة من التخوفات المرتبطة أساسا بطريقة تنزيل المشروع، إذ يشدد التجار على ضرورة اعتماد مقاربة تشاركية تضمن إشراكهم في مختلف مراحل الإعداد والتنفيذ، تفاديا لأي قرارات قد تؤثر على استقرارهم المهني والاجتماعي، حيث يضع المهنيون مطلب «الاستمرارية» في صدارة أولوياتهم، مؤكدين أن آلاف الأسر تعتمد بشكل يومي على الأنشطة التجارية داخل «الجوطية»، وهو ما يفرض، حسب تعبيرهم، إيجاد حلول تضمن استمرار الحركة التجارية خلال فترة الأشغال، وعدم توقيف النشاط بشكل كامل.
كما عبر عدد من التجار عن تخوفهم من أن يؤدي المشروع الجديد إلى فقدان درب غلف لروحه الشعبية، والتي جعلته مختلفا عن المراكز التجارية المغلقة، خاصة وأن جاذبية المكان، بحسبهم، تكمن في تنوعه وأسعاره وطابعه المفتوح الذي يستقطب مختلف الفئات الاجتماعية.
وكان مجلس جماعة الدار البيضاء قد قرر تأجيل التصويت النهائي على نقطتين تتعلقان بنزع ملكية العقار الذي يحتضن «جوطية درب غلف»، في انتظار الدورة المقبلة، إذ يرتقب الحسم في الثمن المحدد من طرف اللجنة الإدارية للتقييم، والذي جرى تحديده في 1500 درهم للمتر المربع، إلى جانب استكمال الجوانب القانونية والمالية للمشروع.
وأكد عبد الصادق مرشد، كاتب مجلس جماعة الدار البيضاء ورئيس مقاطعة المعاريف، أن الهدف الأساسي من المشروع يتمثل في الحفاظ على هذه الفضاء الاقتصادي مع إعادة هيكلته وتثمينه، من خلال إنشاء مركب تجاري وخدماتي يحافظ على «طابع الجوطية» وهويتها المعروفة.
وبين تطلعات التحديث ومخاوف فقدان الهوية، تبدو «جوطية درب غلف«» اليوم أمام منعطف حاسم، قد يفتح صفحة جديدة في تاريخ أحد أشهر الفضاءات التجارية بالمغرب، وسط آمال بأن تنجح عملية التأهيل في تحقيق التوازن بين العصرنة والحفاظ على الذاكرة التجارية والاجتماعية للمكان.