المفارقة الساخرة هنا تكمن في أن الجزائر، التي تقدم نفسها «قوة ضاربة» وواحة استقرار اقتصادي يبهر العالم، تتربع اليوم بكل فخر -حسب مكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات»- على عرش الجنسيات الأكثر وجودا في وضعية غير قانونية داخل الاتحاد الأوروبي لسنة 2025.
وتأتي هذه المعطيات الصادمة لتكشف زيف الادعاءات التي تروجها وكالة الأنباء الجزائرية ضد المغرب، وتضع «القوة الضاربة» أمام مرآة الواقع الذي يوثق تصاعد موجات النزوح الجماعي لشبابها نحو الضفة الشمالية، في وقت تختار فيه الآلة الإعلامية للجارة الشرقية الهروب نحو الأمام عبر صياغة روايات تآمرية تفتقر للحس المنطقي والواقعية الميدانية.
الجزائر تتفوق على أفغانستان!
من يتأمل أرقام «يوروستات» سيصاب بالذهول؛ فالجزائر لم تكتف بالمرتبة الأولى بـ70.905 مهاجر غير شرعي، بل إنها تجاوزت دولا تعيش حروبا طاحنة ومجاعات مزمنة.
تخيلوا أن الجزائر «المستقرة» تتفوق على أفغانستان التي تعيش حروبا وتقلبات بـ42.635 حالة. وتبلغ السخرية ذروتها حين نقرأ أن المغرب، الذي تتهمه الوكالة بـ«فتح الحدود»، سجل تراجعا في أعداد مهاجريه غير النظاميين (39.030 حالة) بنسبة تناهز 21%، بينما يواصل «الحرّاقا» الجزائريون غزو الشواطئ الأوروبية في صمت يفضح زيف الخطاب الرسمي.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا بمرارة ساخرة: هل الرادارات الجزائرية هي التي أصابها «عطل تقني» مزمن حال دون رؤية 70 ألف مواطن يغادرون البلاد؟ أم أن «الدركي المتعب» الحقيقي يسكن في قصر المرادية، ويغض الطرف عن تدفقات البشر هربا من «جنة» الرفاهية المزعومة، ثم يرمي جاره بتهمة الابتزاز ليغطي على مشهد قوارب الموت التي لا تتوقف؟
«الفردوس» الأوروبي يضيق بالجزائريين
يتحدث الإعلام الجزائري عن ما يسميه بـ«غزوة سبتة» بكثير من التشفي، لكنه يغض الطرف عن الإحصائيات الدولية التي تتحدث عن «نزوح جماعي» لشباب الجزائر نحو الضفة الشمالية، لدرجة تصدرهم قائمة المطرودين من أوروبا، إذ احتلت الجزائر المرتبة الأولى عالميا بـ45,725 أمر رسمي بالترحيل.
فإذا كان المغرب يمارس «الابتزاز» كما تزعمون، فماذا تسمى هذه الأرقام المخيفة؟ هل هو «تصدير للأزمات الاجتماعية» تحت غطاء الصمت؟ أم أن الشباب الجزائري يهرب من بلاد النفط والغاز ليجرب حظه في مراكز الاعتقال بأوروبا؟
إقرأ أيضا : 200 شاب جزائري يفرون يوميا من الجزائر.. ماذا يحدث في بلاد «القوة الضاربة»؟
إن القلق الأوروبي المتصاعد، خاصة في إسبانيا وجزر البليار، لم يعد يتجه غربا نحو المغرب، بل أصبح يركز بوصلته نحو السواحل الجزائرية التي تحولت إلى «ثقب أسود» يبتلع الشباب ويقذف بهم نحو المجهول.
كما أن شبكات التهريب التي تنطلق من غرب الجزائر لا تعمل بمحض الصدفة، وتدفق القوارب السريعة «الفانتوم» لا يحتاج إلى «أعطاب تقنية» في الرادارات، بل يحتاج فقط إلى غض طرف ممنهج يبرع فيه من يتهمون الآخرين باللعب بورقة المهاجرين.
حين تنقلب السحر على الساحر
تتحدث أبواق الجزائر عن «أعطاب تقنية» في الرادارات المغربية تزامنا مع التوترات الدبلوماسية، وكأن المغرب يملك «ريموت كنترول» يحرك به أمواج المتوسط. لكن الحقيقة التي توثقها التقارير الأمنية الإسبانية تشير إلى تحول المسارات الجزائرية إلى «ثقب أسود» في غرب المتوسط.
وبينما ينفق المغرب ملايين اليوروهات لحماية حدوده وحماية أوروبا (بشهادة الشركاء أنفسهم)، تكتفي الجارة، الغارق حكامها في نظرية المؤامرة، بـ«صناعة البلاغات» التي تفتقر للحد الأدنى من المنطق.
إقرأ أيضا : تكتل جزائري يدق ناقوس الخطر: الشباب «يفر» إلى أوروبا بسبب فقدان الأمل في حكم العسكر
إن اتهام المغرب بالابتزاز عبر الهجرة، في ظل وجود جيش من المهاجرين الجزائريين يتصدرون قوائم الطرد والإقامة غير القانونية، يشبه إلى حد بعيد شخصا يعيش في بيت من زجاج مهشم، ويحاول رشق جاره بالحصى لأن نافذته «مواربة».
الحقيقة التي تحاول بروباغندا الجزائر حجبها هي أن المغرب شريك مسؤول، يعترف بالتحديات ويواجهها بالأرقام والتعاون الميداني، بينما تكتفي «القوة الإقليمية» بالتفرج على شبابها وهو يهاجر بمعدلات قياسية، ثم تبحث عن شماعة «المخزن» لتعلق عليها فشلها في إقناع مواطنيها بالبقاء في «الجزائر الجديدة».
