خلال لقائه الإعلامي.. كيف لمس تبون ربطة عنقه أكثر مما لمس الحقيقة؟

لقطة شاشة لتبون خلال ظهوره في اللقاء الإعلامي يوم 2 ماي 2026.. وقد تكرر مشهد لمسه لربطة العنق مرات عديدة طيلة اللقاء

في 04/05/2026 على الساعة 19:15

فيديوأطل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في لقائه الإعلامي الأخير ليقدم درسا في «فن الفصام» بين الخطاب والواقع. اللقاء الذي تزامن مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، تحول إلى عرض إيمائي بامتياز، استبدل فيه الرئيس الحجج الدامغة بحركات متكررة للمس ربطة عنقه. إشارة فسرها خبراء لغة الجسد وسيميائية السلوك بأنها علامة ارتباك قصوى تشي بضغوط وتوتر مكتوم أمام ملفات حارقة.. فما الذي يربك حقا ساكن قصر المرادية؟

بالغ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه الإعلامي الأخير في رسم صورة وردية عن وضعية حقوق التعبير في بلاده، مدعيا أن الدولة تدعم حرية التعبير «البناءة» التي تلتزم بأخلاقيات المهنة.

وعند مواجهته بسؤال حول التضييق على المثقفين، مرر يده على ربطة عنقه قبل أن ينطق زاعما بأن الأمر يتعلق بـ«حالات نادرة».

وبرر الرئيس التضييق الحالي على الحريات بالرغبة في تفادي ما وصفه بـ«الفوضى» التي سبقت عام 2019، في إشارة إلى هامش الحرية الذي كان متاحا في عهد الرئيس الراحل بوتفليقة.

وبينما كان تبون يشد ربطة عنقه عند كل إجابة، كان يشد الخناق أكثر على مفهوم الحرية، زاعما أنه لا مكان لـ«الفوضى» في «الجزائر الجديدة»، وكأن استقرار «جزائر تبون» لا يستقيم إلا بخنق الأصوات المستقلة.

ومن منظور السلطة، حسب تبون، فإن من ينتقد الأداء الحكومي «محمي»، بشرط ألا يمس «الثوابت»، وهي قائمة مطاطية تبدأ من سعر البطاطس وتنتهي عند القداسة المفروضة على رموز النظام.

سيكولوجية الارتباك

لم تكن حركة لمس ربطة العنق مجرد تفصيل عابر، بل تحولت إلى «لازمة» بصرية طوال اللقاء (ساعة و20 دقيقة)، وهو سلوك لم تخطئه عيون معارضين جزائريين، الذي عرضوه على علماء لغة الجسد قصد تفسير معانيه.

ووفق ما ذكره الإعلامي الجزائري المعارض هشام عبود، الذي توقف عند هذا المشهد، وأكدا في تحليل بثه عبر قناته على يوتيوب أن هذا التكرار المفرط يكشف عن «رئيس غير واثق من نفسه» و«غير مقتنع بما يقول» ويخشى أن يباغته سؤال محرج لم من طرف أحد محاوريه.

واستغرب عبود هذا الارتباك رغم أن المحاورين يمارسون -حسبه- رياضة «الانبطاح» المهني ولا يجرؤون على مباغتة السلطة بأسئلة خارج النص المكتوب.

ذاكرة ممنوعة

يرى الرئيس في رواية كمال داوود «حوريات» تفتيتا للمجتمع، وفي فكر بوعلام صنصال قضايا لأشخاص «لا أصل ولا فصل لهم»، ليقرر بمرسوم رئاسي أن جرح «العشرية السوداء» يجب أن يظل «مندملا» بقوة المنع.

ففي جزائر الثنائي تبون - شنقريحة، أصبح النسيان واجبا وطنيا، والذاكرة جناية تستحق السجن، بدعوى الحفاظ على «انسجام مجتمعي» يعيش في «حب وأمان» لا يراه سوى من يسكن قصر المرادية.

ويعكس هذا الخطاب استراتيجية السلطة في تحويل ملف الحريات من قضية حقوقية إلى ملف «أمن قومي» وسيادة قانون غير قابلة للتفاوض، مما يغلق الباب أمام أي مراجعة للأحكام الصادرة بحق معتقلي الرأي.

لغة الأرقام تفضح البروباغاندا

بينما يصر الرئيس على ادعاء وجود عدد كبير من الصحف والمواقع الإلكترونية كدليل على «تعددية إعلامية»، ترد تقارير المنظمات الحقوقية بواقع مغاير.

فقد وصفت منظمة «شعاع» لحقوق الإنسان، في تقرير بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة (3 ماي)، واقع حرية الإعلام في الجزائر بالـ«مقلق»، مؤكدة أن العمل الصحفي في جزائر تبون «أصبح محفوفا بالمخاطر في بيئة تجرم التعبير المستقل، في ظل سياسات تعتمدها السلطات الجزائرية لتقييد المجال الإعلامي».

وذكر تقرير للمنظمة الكائن مقرها في لندن أن قائمة المعتقلين والملاحقين تزداد طولا، من حسن بوراس وعبد الوكيل بلام إلى عبد العالي مزغيش، في حين تضيق الدائرة على مصطفى بن جامع وعبد الكريم زغيلش عبر إجراءات المنع من السفر والتضييق الأمني.

وبعيدا عن أكاذيب تبون، تكشف المؤشرات الدولية لعام 2026 عن الحقيقة التي يريد الرئيس إخفاءها؛ حيث تذيلت الجزائر قائمة حرية الصحافة العالمية باحتلالها المرتبة 141 من أصل 180 دولة في تصنيف منظمة «مراسلون بلا حدود».

وتوثق التقارير الحقوقية وجود ما لا يقل عن250 معتقل رأي يقبعون في السجون الجزائرية بتهم فضفاضة، في حين سجلت «اللجنة الوطنية لتحرير المعتقلين» ارتفاعا بنسبة 30% في قرارات المنع من السفر التي طالت صحفيين ونشطاء خلال العام الأخير وحده.

هذه الأرقام تحول ادعاءات «الحالات النادرة» إلى مجرد مغالطة إحصائية أمام واقع منهجي يستهدف تصفية ما تبقى من جيوب المقاومة الفكرية.

هجوم على المنظمات الدولية

لم يكتف تبون بالدفاع عن سجل بلاده، بل شن هجوما حادا على منظمات دولية مثل «مراسلون بلا حدود» و«أمنستي»، واصفا تقاريرها بأنها «تحت الطلب» وتستهدف مواقف الجزائر الدبلوماسية.

هذا الخطاب الهجومي يغلق الباب أمام أي نقاش حقوقي داخلي، ويعتبر المطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي تدخلا في «أحكام قضائية سيادية».

ويبقى المشهد الإعلامي في الجزائر رهين معادلة صعبة؛ سلطة تعتبر الصمت استقرارا، وجسم صحفي يئن تحت وطأة الملاحقات.

وبينما يستمر الرئيس في تعديل هندام ربطة عنقه أمام الكاميرات، تظل حقيقة الحريات في الجزائر تعاني من اختناق واضح، لا تعالجه الوعود الرسمية ولا تخفيه نبرة الهدوء المصطنعة.

انتهى اللقاء، الذي لمس فيه تبون ربطة عنقه أكثر مما لمس الحقيقة، وحاول خلاله رسم صورة وردية لبلد يقبع فيه الفكر خلف القضبان. غير أن الواقع يشي بقضاء «حر» يفتك بكل من تسول له نفسه نبش الجراح، ورئيس يلمس حرير ربطة عنقه كلما اصطدم بخشونة الواقع الذي تحاول المنظمات الدولية تذكيره به.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 04/05/2026 على الساعة 19:15