أحدث الحكم القضائي الصادر في حق الأستاذ الجامعي والناشط الحقوقي عبد الرحيم قرنة، والقاضي بحبسه سنة نافذة على خلفية منشورات رقمية اعتُبرت «مزعجة» للنظام، موجة من الاستياء والقلق في الأوساط الأكاديمية والحقوقية بالجزائر.
وأعاد هذا الإجراء فتح النقاش حول مآلات حرية التعبير في البلاد، حيث رأت فيه فعاليات حقوقية ومؤطرون جامعيون استمرارا لسياسة التضييق التي تستهدف النخب الفكرية بسبب آرائها المنشورة في الفضاء الرقمي، ما يكرس مناخا من الترهيب يرمي إلى فرض الصمت وتدجين الأقلام الناقدة تحت غطاء نصوص قانونية فضفاضة.
وتكشف قائمة التهم الموجهة إلى هذا الناشط، المستندة إلى المواد 79 و96 و196 مكرر من قانون العقوبات، عن توظيف نصوص «فضفاضة» لتجريم التعبير السلمي وتحويله إلى «المساس بالوحدة الوطنية» أو «الإضرار بالمصلحة الوطنية».
وفضح المسار القضائي لقرنة رغبة السلطة في الانتقام، إذ سبق وأن قضى 18 شهرا في السجن قبل نيله البراءة في نونبر 2025، ليعاد إيداعه الحبس مجددا في أبريل 2026 عبر إجراءات «المثول الفوري».
وأثبت هذا «التدوير» في القضايا والملاحقات أن القضاء في الجزائر بات أداة في يد النظام العسكري يستخدمه لتكميم الأفواه وتدجين النخبة الأكاديمية.
واعتبرت منظمة «شعاع» لحقوق الإنسان، تكرار ملاحقة عبد الرحيم قرنة، رغم تبرئته السابقة، دليلا قاطعا على «إصرار السلطات الجزائرية على توظيف الجهاز القضائي أداة لتكميم الأفواه وتصفية الحسابات مع المعارضين».
وتؤكد المنظمة الكائن مقرها في لندن أن «هذا الاستهداف الممنهج يكشف عن وجود منظومة تضييق متكاملة الأركان، تروم خنق الحريات الأكاديمية وحق التعبير عبر الاستناد إلى نصوص قانونية مطاطة، تُستغل لتجريم آراء ومواقف سلمية لا تشكل في جوهرها أي تهديد حقيقي، بقدر ما تمثل ممارسة طبيعية لحقوق يكفلها الدستور والمواثيق الدولية».
سياق قمعي لتطويق النخب
يرى الفاعل السياسي الجزائري فتحي غراس أن إعادة اعتقال الأستاذ الجامعي عبد الرحيم قرنة يندرج ضمن حملة قمعية ممنهجة تبنتها السلطة ضد النخب التي اختارت الانحياز للشعب.
ويؤكد غراس في تدوينة على حسابه الفيسبوكي أن كافة الحقول، من جامعة وبحث أكاديمي وصحافة ونقابة، باتت معرضة للقمع بغرض إخضاعها لإرادة من يحكم في ما يسمى «الجزائر الجديدة»، وهو ما يضع الحريات الأكاديمية في مهب الريح، حسب تعبير هذا المعارض الذي لم يسلم بدوره من سطوة قمع النظام بسبب مواقفه السياسية.
من داود إلى صنصال.. مطاردة الأقلام الحرة
في سياق استهداف القامات الفكرية والأدبية، لا تقتصر حملة «السعار» الأمني على النشطاء الميدانيين فحسب، بل تمتد لتطال الأسماء العالمية التي ترفض الخضوع للسردية الرسمية.
ويبرز هنا ملف الكاتبين كمال داود وبوعلام صنصال كشواهد حية على استغلال القضاء لتصفية الحسابات الرمزية؛ إذ واجه كمال داود حملات تخوين وتحريض قضائي ممنهجة وصلت حد استهدافه في قضايا تمس نزاهته الأدبية والحقوقية عقب تتويجه بجائزة غونكور، فيما ظل بوعلام صنصال عرضة للتضييق والمنع والملاحقة المعنوية والقضائية بسبب مواقفه السياسية الجريئة وزياراته المثيرة للجدل، وهو ما يكرس نهج النظام في تحويل الأقلام الحرة إلى « أهداف مشروعة » للمتابعة بتهم العمالة أو المساس بالمصلحة العليا للدولة، بغرض عزل المثقف عن دوره النقدي داخل المجتمع.
إقرأ أيضا : القضاء الجزائري يدين الكاتب كمال داود بالسجن ثلاث سنوات بسبب رواية «حوريات»
هذه الممارسات، التي تضع الروائي والأكاديمي في خانة «العدو»، تؤكد أن النظام الجزائري بات يضيق ذرعا بأي نفوذ فكري يتجاوز حدود سيطرته، مما يعزز مضامين التقارير الدولية التي تحذر من إفراغ الساحة الجزائرية من نخبها الفاعلة.
تقارير دولية: الجزائر ساحة مفتوحة لتجريم الرأي
تتقاطع المعطيات الميدانية مع التقارير الصادرة عن كبريات المنظمات الحقوقية لعام 2026، والتي ترسم في مجملها صورة «سوداء» تتجاوز مجرد التضييق العابر إلى ممارسة قمع هيكلي.
إقرأ أيضا : أكثر من 230 معتقل رأي.. حملة دولية تكشف اتساع خريطة القمع في الجزائر
وتجمع هذه المنظمات على أن السلطات الجزائرية طورت «هندسة قانونية» الغرض منها تحويل الحقوق الدستورية إلى جرائم يعاقب عليها القانون.
منظمة العفو الدولية: رصد تقريرها الصادر في أبريل 2026 إصرار السلطات على تقييد الحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، مع التركيز على استخدام تهم «الإرهاب» و«المساس بالوحدة الوطنية» بناء على نصوص مطاطة. واعتبرت المنظمة أن قضايا مثل محاكمة الشاعر محمد تاجاديت تفتقر لأدنى ضمانات المحاكمة العادلة، وتهدف أساسا إلى كسر إرادة الناشطين وتخويف المجتمع.
هيومن رايتس ووتش: تشير المنظمة إلى نمط متصاعد من إغلاق الفضاء المدني، حيث لم يعد القمع مقتصر على الاعتقال، بل امتد لغلق مقرات المنظمات المستقلة والتضييق على التمويلات. كما حذرت من تحول «الحبس المؤقت» إلى عقوبة مسبقة تُنفذ قبل صدور الأحكام، خاصة في القضايا المرتبطة بالمنشورات الرقمية التي تُصنف كـ «تهديد للنظام العام».
مراسلون بلا حدود: في مؤشر حرية الصحافة لعامي 2025 و2026، تواصل الجزائر تراجعها نحو تذيل الترتيب العالمي. وترى المنظمة أن ترسانة القوانين الجديدة المتعلقة بالإعلام خلقت مناخا من الرعب المهني، مما دفع الجسم الصحفي نحو «الرقابة الذاتية القسرية» لتفادي الملاحقات القضائية أو الإغلاق الفوري للمؤسسات الإعلامية الناقدة.
فريدوم هاوس: ضمن تصنيفها السنوي، أبقت المنظمة الجزائر في خانة الدول «غير الحرة»، مانحة إياها درجات منخفضة في مؤشري الحقوق السياسية والحريات المدنية. ونبه التقرير إلى أن «التحكم الرقمي» أصبح السلاح المفضل للنظام، عبر ملاحقة النشطاء بناء على خوارزميات المراقبة وتتبع النشاط الإلكتروني، مما حول الهاتف المحمول إلى دليل إدانة يودع صاحبه السجن.
تخلص هذه التقارير إلى حقيقة واحدة؛ وهي أن البيئة القانونية والقضائية في الجزائر باتت تُسخر بشكل منهجي لـ«شرعنة» قمع العمل الصحفي والنشاط الحقوقي، تحت غطاء فضفاض من مفاهيم «الأمن القومي» و«المصلحة العليا»، مما يفرغ الالتزامات الدولية للجزائر من محتواها ويحولها إلى مجرد حبر على ورق.
