توجد لحظات في السياسة الخارجية الأمريكية تومض فيها إشارات الإنذار بقوة تجعل من عدم التحرك شكلا من أشكال الإهمال. «نحن في إحدى هذه اللحظات»: هذا هو التحذير الذي أطلقته المجلة المحافظة، متبنية مشروع القانون الذي قدمه تيد كروز مع الموقعين المشاركين توم كوتون، وريك سكوت، وديفيد ماكورميك. وهو نص يدين البوليساريو ويسعى لتصنيفها منظمة إرهابية، على خلفية دورها كوكيل للنظام الإيراني.
ويرى كاتب التحليل، جوليو ريفيرا، أن كروز وزملاءه لا يمارسون استعراضا سياسيا، بل يستجيبون لتهديد متزايد للأمن القومي جرى التقليل من شأنه أو تجاهله في واشنطن لفترة طويلة.
إقرأ أيضا : تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية: عدد الداعمين للمشروع يرتفع إلى 13 نائب في الكونغرس
ويؤكد المقال أن «التعاون المتزايد بين جبهة البوليساريو والشبكات الإرهابية المدعومة من إيران، والتي تنشط في شمال إفريقيا وخارجها»، يمثل خطرا لم يعد بإمكان مجلس الشيوخ إهماله.
تأتي استعجالية هذا التشريع ضمن سياق جيوسياسي متغير، إذ «لم تعد إيران تكتفي بالشرق الأوسط». فمنذ سنوات، ينسج النظام الإيراني شبكة واسعة من الجماعات الوكيلة والدوائر المالية والشراكات الأيديولوجية الممتدة من إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية.
وحذر محللو الاستخبارات وخبراء المنطقة مرارا من تمدد النفوذ الإيراني في إفريقيا عبر شبكات مسلحة ومنظمات متحالفة، مستعدة لزعزعة استقرار الحكومات وتهديد الحلفاء وخلق ميادين جديدة للنشاط المتطرف. هذه الاستراتيجية التوسعية غير المتكافئة، المشهودة لدى حزب الله أو الحوثيين، تجد اليوم صدى مقلقا في الصحراء.
يقترح مشروع القانون «S. 4063»، والمعنون رسميا «قانون تصنيف جبهة البوليساريو إرهابية لعام 2026»، ردا مدروسا وحازما؛ إذ سيفرض عقوبات على الجبهة إذا ثبت تعاونها مع منظمات إرهابية تابعة لإيران.
وردا على الانتقادات التي قد تصف المبادرة بالمبالغ فيها، تشير المجلة إلى أن التاريخ الحديث يمثل تذكيرا قاسيا؛ فقد اختبر الأمريكيون ذلك في 11 سبتمبر، وتعلمه الأوروبيون عبر موجات هجمات مرتبطة بشبكات راديكالية عابرة للحدود، فيما يعيشهت إسرائيل يوميا. التهديد لا يعرف حدودا ثابتة.
إقرأ أيضا : إيران تبحث عن «حوثي جديد» في الصحراء.. تحذيرات أمريكية من تغلغل إيراني عبر جبهة «البوليساريو»
إن تداعيات عدم التحرك ستكون دراماتيكية. «تخيل مستقبلا تكتسب فيه الجماعات المسلحة المدعومة من إيران حرية حركة أكبر عبر شمال وغرب إفريقيا». ستكون النتائج متعددة: تكثيف تهريب الأسلحة، تعزيز شبكات تمويل الإرهاب، زيادة هشاشة حلفاء أمريكا، وتعريض الممرات البحرية الاستراتيجية للخطر.
كما سيواجه الشركاء الأوروبيون موجات جديدة من فوضى الهجرة يغذيها الصراع الإقليمي، بينما ستجد الجماعات المتطرفة أراض جديدة للتجنيد والتنظيم. كل هذا ليس مجرد فرضية، بل هو جوهر استراتيجية التوسع الإيرانية المتبعة منذ عقود.
لا يعد التزام واضعي هذا القانون مجرد نشاط سياسي عابر؛ فالسناتور كروز يكرس جزءا كبيرا من ولايته للأمن القومي ومكافحة الإرهاب، ومعه موقعون يمتلكون خبرة واسعة في الدفاع والاستخبارات.
ويكتب جوليو ريفيرا: «لا يمكن لأمريكا الاستمرار في تجاهل التهديدات بينما تمد الأنظمة المعادية نفوذها بشكل منهجي».
لطالما فضلت واشنطن النهج الانفعالي على الوقائي؛ إذ لا يأتي التحرك إلا بعد الكارثة، وتتجاهل التحذيرات حتى تفرض العناوين الرئيسية نفسها، وحينها تصبح التكلفة المالية والعسكرية والبشرية باهظة. يهدف القانون «S. 4063» إلى كسر هذه الدورة، وإرسال رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن أمريكا تحدد التهديدات الناشئة قبل خروجها عن السيطرة.
ويعد المغرب، الشريك الاستراتيجي المستقر في منطقة مضطربة، مؤهلا للاستفادة من هذا التوجه، لأن عدم الاستقرار المرتبط بالبوليساريو يهدد الأمن الإقليمي والتعاون في مكافحة الإرهاب.
إقرأ أيضا : ضحايا الإرهاب الانفصالي يخرجون عن صمتهم: محور الجزائر–إيران–حزب الله في دائرة الاتهام مجددا
ينطوي التقاعس على تكلفة استراتيجية؛ فإيران ووكلاؤها يختبرون نقاط الضعف باستمرار، ويدرسون حالات التردد. كل رد متأخر يمثل دعوة للتمادي. وتؤكد المجلة أن الردع لا يعمل إلا عندما يدرك الخصوم أن أمريكا تترقب.
مجلس الشيوخ أمام خيار بسيط: إما تهميش مشروع القانون وتركه يغرق في لجان العمل بينما تتدهور الواقع الجيوسياسي، أو الاعتراف بأن التهديدات الجدية تتطلب ردودا جدية قبل أن تصبح حالات طارئة تتصدر الصحف.
الخيار الثاني هو الوحيد المسؤول. فرغم سأم الأمريكيين من الحروب اللامتناهية، فإن منع صراعات المستقبل يمر غالبا عبر مواجهة المخاطر مبكرا حين يميل ميزان القوى لصالحهم. يجسد مشروع القانون «S. 4063» منطق اليقظة والوضوح الاستراتيجي، ويستحق واضعوه التقدير لرسمهم خارطة التهديدات كما هي في الواقع، لا كما يتمناها بعض صناع القرار. يجب على مجلس الشيوخ التحرك دون تأخير للمضي قدما في هذا النص.
