الحديث عن نظام الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي لم يعد مجرد محتوى رقمي عابر، بل تحول في الأسابيع الأخيرة إلى «حمى» اجتاحت المجموعات النسائية ومختلف منصات التواصل بالمغرب.
هذه الفوضى لم تقتصر على المطبخ، بل امتدت لتطال «الصيدلية المنزلية»، والمقلق في الأمر هو اندفاع بعض المرضى المغاربة، خاصة المصابين بالسكري والضغط، نحو التخلي عن بروتوكولاتهم العلاجية والأنسولين، تصديقا لوعود الشفاء الذاتي التي كان يبشر بها صاحب النظام، وهو ما وضع الجسم الطبي المغربي في حالة استنفار قصوى.
زلزال في الأسواق المغربية
لم يتوقف أثر نظام الطيبات عند النقاشات الافتراضية، بل امتدت شظاياه إلى الأسواق الأسبوعية والمراكز التجارية الكبرى بالمغرب، حيث سجل مهنيون تراجعا ملحوظا في الإقبال على «الدجاج الرومي» والبيض، بعدما وصمها «نظام» العوضي بـ«السموم» التي تخرب المناعة وتسبب الالتهابات المزمنة.
في المقابل، شهدت منتجات أخرى مثل اللحوم الحمراء والدهون الحيوانية والنشويات البيضاء طفرة في الطلب، وسط تهافت المتابعين على تطبيق قواعد النظام التي تمنع الخضروات الورقية والبقوليات (مثل العدس واللوبيا) بدعوى أنها «سموم» تنهك الجهاز الهضمي، وهو ما شكل زلزالا للمطبخ المغربي الأصيل القائم أساسا على هذه المكونات.
نظام الطيبات.. علم أم دجل غذائي؟
وسط الضجة التي أثارها مناصرو العوضي في المغرب، الذين روجوا بقوة لتعليماته بأعين مغمضة عن ما يمكن أن تسببه من تداعيات صحية، انبرى عدد من المختصين المغاربة في علم التغذية لكشف الأخطاء القاتلة والمغالطات الكبرى التي يسوق لها النظام.
واجه الأخصائيون في التغذية والطب الباطني بالمغرب انتشار «نظام الطيبات» بصرامة علمية، حيث حذروا من تحوله إلى «عقيدة غذائية» بدلا من كونه حمية طبية، مركزين على تفكيك «المغالطات» التي روج لها النظام...
وفيما يلي رصد لأهم الانتقادات والردود التي سجلتها الساحة الطبية المغربية:
«أسطورة» السموم في البقوليات: رد الأطباء بأن منع البقوليات (العدس، الفول، الحمص) والخضروات الورقية يضرب في عمق الهوية الغذائية المتوسطية السليمة. وأوضحوا أن هذه الأطعمة غنية بالألياف الضرورية للوقاية من سرطان القولون وتوازن البكتيريا النافعة، وأن وصفها بـ«الخبائث» لا يستند إلى أي بحث سريري.
الخطر القاتل في ترك الدواء: كانت هذه النقطة الأكثر إثارة للقلق؛ حيث أجمع المختصون على أن الدعوة لترك الدواء هي «جريمة صحية»، مستشهدين بحالات دخلت في غيبوبة سكر حادة بعد توقفها عن الأنسولين بناء على هذه النصائح.
وحذر الأطباء المغاربة من نصائح العوضي التي دفعت مرضى السكري والضغط للتوقف عن تناول أدويتهم الحيوية. وأكدوا أن «الغذاء قد يكون مساعدا في العلاج، لكنه ليس بديلا عن الأنسولين أو أدوية القلب»، معتبرين هذه النصائح «تهديدا مباشرا للحياة».
تقليل شرب الماء: استغرب المختصون دعوات النظام لتقليل شرب الماء والاعتماد على السوائل من الطعام فقط، مؤكدين أن الجفاف يؤدي إلى اضطراب وظائف الكلى واختلال ضربات القلب، خاصة في الأجواء الحارة التي قد يشهدها المغرب.
خطر نقص الألياف: يحذر الأخصائيون من أن إقصاء الخضروات الورقية والبقوليات والفواكه (التي يمنعها النظام) يؤدي إلى نقص حاد في الفيتامينات والألياف الضرورية لسلامة الجهاز الهضمي والوقاية من السرطانات.
المغالطة العلمية: أكد الأطباء أن تصنيف الأطعمة إلى «طيب وخبيث» بأسلوب العوضي يفتقر لأي دراسة سريرية موثقة، وأن التحسن اللحظي الذي يشعر به البعض يعود للامتناع عن السكريات والمصنعات، وليس لصحة القواعد الغريبة التي يفرضها النظام.
وأوضح الأطباء المختصون أن جسم الإنسان يحتاج توازنا بين البروتينات والدهون والكربوهيدرات، والإفراط في اللحوم الحمراء والدهون الحيوانية كما يوصي النظام يرفع خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين.
قصة ضياء العوضي
قصة صاحب هذا الجدل تثير تساؤلات لا تقل تعقيدا عن نظامه. ضياء العوضي، أستاذ التخدير والعناية المركزة السابق بجامعة عين شمس، بدأ مسيرته بمسار أكاديمي تقليدي قبل أن يتحول إلى «ظاهرة» رقمية بآراء صدامية شككت في الطب الحديث وبروتوكولات العلاج العالمية، بل ودافع عن «التدخين» معتبرا إياه أقل ضررا من الزيوت المهدرجة.
برز ضياء العوضي كظاهرة رقمية اكتسحت الهواتف المغربية عبر مقاطع فيديو قصيرة وتدوينات مركزة. استند العوضي في أطروحته إلى تقسيم الأطعمة لثنائية «طيبات وخبائث»، معتمدا على تأويلات خاصة لنصوص دينية وربطها بالفيزيولوجيا البشرية.
هذه المسيرة المثيرة للجدل واجهت إجراءات قانونية صارمة، حيث تم فصله من الجامعة، ثم شطب اسمه نهائيا من سجلات نقابة الأطباء المصرية وسحب ترخيصه في مارس 2026، بعد شكاوى تتعلق بتضليل المرضى.
بيد أن هذا المنع لم يسهم سوى في انتشار صيت العوضي، الذي نجح في بناء «قاعدة جماهيرية» عريضة في عدة دول عربية ضمنها المغرب، حيث وجد الكثيرون في خطابه البسيط والمباشر ملاذا من تعقيدات الطب الحديث.
غير أن مسار هذه الظاهرة اتخذ منحى دراميا يوم 19 أبريل 2026، حين أعلنت السلطات في دبي العثور على جثمان الطبيب (47 سنة) داخل غرفته بفندق إثر أزمة قلبية مفاجئة.
رحيل العوضي لم ينه الجدل، بل أججه؛ فبينما اعتبره خصومه دليلا حيا على عدم نجاعة نظامه في الوقاية من أمراض القلب، ذهب مناصروه نحو نظرية المؤامرة، معتبرين وفاته «استهدافا» من قبل كبريات شركات الدواء.
في مصر، أخذت قضية «نظام الطيبات» أبعادا تجاوزت السجال الطبي لتتحول إلى قضية رأي عام ومسألة أمن صحي عقب وفاة ضياء العوضي؛ إذ فجرت الحادثة موجة من الغضب والارتباك في الأوساط المصرية، مما دفع وزارة الصحة ونقابة الأطباء إلى التحرك العاجل لمواجهة ما وصفوه بـ «التضليل الممنهج».
ولم يتأخر الرد الرسمي طويلا، حيث أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قرارا حازما بحظر ظهور أي محتوى يتعلق بالعوضي أو نظامه في كافة الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية، معتبرا أن تلك النصائح، لاسيما المتعلقة بالترويج للتدخين والامتناع عن الأدوية الحيوية، تشكل خطرا داهما على حياة المواطنين.
هذا الاستنفار المؤسساتي المصري جاء ليضع حدا للفوضى التي أحدثها النظام في الفضاء الرقمي، وسط دعوات لتشديد الرقابة على «أطباء التريند» الذين يستغلون الشاشات لتمرير نظريات طبية غير معتمدة علميا.
جدل حول مصداقية النتائج
فتحت وفاة ضياء العوضي النقاش على مصراعيه حول «مصداقية النتائج» التي يبشر بها نظامه؛ إذ وضع المختصون علامة استفهام كبرى حول نجاعة «الطيبات» على المدى الطويل، مشيرين إلى مفارقة غياب «الحماية القلبية» لدى صاحب النظام نفسه، رغم زعمه المستمر بأن حميته تحمي الشرايين وتستأصل الالتهابات من جذورها.
وفي سياق تفكيك الظاهرة، أوضح خبراء أن شعور البعض بـ«تحسن لحظي» عند اتباع هذا النظام لا يعود لصحة قواعده الغريبة، مثل منع البيض أو شرعنة التدخين، بل هو نتاج طبيعي للامتناع عن المواد المصنعة والسكريات المضافة، وهو مبدأ طبي معروف لا يحتاج لابتداع أنظمة مثيرة للجدل، محذرين من أن هذا التحسن المؤقت قد يخفي وراءه «ضررا دائما» يتهدد الوظائف الحيوية للجسم.
من جهة أخرى، شددت الهيئات الطبية في نقاشات مفتوحة عبر الإذاعات والمنصات المغربية على أبعاد المسؤولية القانونية والأخلاقية، مؤكدة أن الطب لا يمكن أن يتحول إلى «تجربة شخصية» تسوق خارج سياق التخصص؛ فالطبيب الراحل كان مختصا في التخدير وليس في علم التغذية، كما أن قواعده لم تخضع يوما لمراجعة الأقران أو المعايير العلمية الدقيقة.
وخلص المختصون إلى أن «سر نجاح» هذا النظام وتغلغله في الأوساط المغربية يكمن في ذكاء استغلال «أزمة الثقة» بين المريض والطبيب التقليدي، عبر تبني خطاب شعبوي يلقي بكامل المسؤولية على عاتق «لوبيات الأدوية» ويصورها كعدو للشعوب، وهو طرح يلقى رواجا عاطفيا لكنه يفتقر بشكل تام للبرهان العلمي والمنطق الطبي السليم.
