وجه زعيم الجبهة الانفصالية إبراهيم غالي، يوم الأحد 10 ماي 2026، رسالة استنجاد مطولة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في خطوة تعكس حجم «الارتباك» الذي تعيشه جبهة البوليساريو الانفصالية عقب توالي الصدمات الدبلوماسية.
وتأتي هذه المراسلة، التي تضمنت سيلا من الاتهامات والمغالطات التاريخية، في سياق يتسم بتكريس مجلس الأمن لسمو مبادرة الحكم الذاتي عبر القرار رقم 2797، وتصاعد الدعم الدولي الصريح لمغربية الصحراء من قبل عواصم وازنة، مما وضع الجبهة وداعمتها الجزائر في عزلة قارية ودولية غير مسبوقة.


حرب في «البلاغات» ومشاريع في الواقع
ارتدى إبراهيم غالي -في هاته الرسالة- جبة «المظلومية الكونية»، شاكيا لغوتيريش من أن العالم «تغير» ولم يعد يلعب حسب قواعده القديمة.
ووزع كاتب الرسالة الاتهامات يمينا وشمالا، واصفا مواقف القوى العظمى بـ«غير المسؤولة»، فقط لأنها قررت التوقف عن شراء «بضاعة الوهم» وقررت بدلا من ذلك الحديث بلغة المصالح والواقعية.
وبينما تنشغل الرسالة بصياغة عبارات «الخرق» و«العدوان» و«القاموس الثوري» المهترئ، ينتقل المغرب من لغة «الإنشاء» إلى لغة «الأرقام». ففي الوقت الذي كان فيه كاتب الرسالة يبحث عن «مرادف» بليغ لكلمة «إدانة»، كانت الرافعات العملاقة في «ميناء الداخلة الأطلسي» ترسم ملامح قطب اقتصادي عالمي، وكان المهندسون يضعون اللمسات الأخيرة على مسار «أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب»، ذاك الشريان الذي سيربط قارة بأكملها بأوروبا، متجاوزا أحلام الانفصال الصغير بخرائط التكامل الكبير.
إقرأ أيضا : مخيمات تندوف تهتز بسبب مواجهات قبلية: مقرب من زعيم البوليساريو يشعل فتيل النزاع
هكذا يبدو أن غالي لا يعلم أن «الدرون» المغربي قد حول المنطقة العازلة إلى محمية لهدوء مطبق، وأن حديثه عن «انهيار وقف إطلاق النار» لا يثير في نيويورك سوى التثاؤب، تماما كما يثير فيلم قديم أعيد عرضه للمرة المليون.
إنها حالة من «الاستجداء الدبلوماسي» الذي يثير الشفقة أكثر من القلق، حيث يُطلب من مجلس الأمن وبلهجة آمرة أن يترك ملفات الصراعات العالمية الكبرى، ليعود إلى «المربعات الأولى» لنزاع أكله الصدأ في دهاليز تندوف.
ذر الرماد.. في عيون من؟
يتحدث صاحب الرسالة عن «ذر الرماد في العيون»، متجاهلا أن العيون الدولية باتت ترى بوضوح خارطة المملكة، من طنجة إلى الكويرة، معلقة في قنصليات الداخلة والعيون.
ويهاجم زعيم الانفصاليين القوى الكبرى، ويوزع صكوك «عدم المسؤولية» على حكومات دولية، فقط لأنها قررت التوقف عن شراء أوهام «الجمهورية الفندقية» وانخرطت في واقعية الحكم الذاتي.
إنها ذروة الكوميديا السوداء؛ أن يتهم تنظيم يعيش على المساعدات، دولا ذات سيادة بأنها «تضلل المجتمع الدولي»، لمجرد أنها فضلت لغة المصالح والمشاريع الكبرى على شعارات «التحرر» المتآكلة.
عجز استراتيجي في مواجهة القرار 2797
على وقع هذا الزخم، يبدو أن جبهة البوليساريو ومعها رادارات «قصر المرادية» قد أصيبوا بعمى استراتيجي جعلهم يعجزون عن مجاراة السرعة القصوى للدبلوماسية المغربية، خاصة بعد صدور القرار الأممي 2797. فبينما كان الخصوم يمنون النفس بـ«سراب» العودة إلى لغة الاستفتاء المتجاوزة، جاء القرار ليؤكد مرة أخرى سمو مبادرة الحكم الذاتي كخيار وحيد وأوحد يتسم بالجدية والمصداقية.
إقرأ أيضا : تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية: عدد الداعمين للمشروع يرتفع إلى 13 نائب في الكونغرس
هذا العجز لم يعد مجرد تحليل سياسي، بل صار واقعا مشهودا؛ فالجزائر التي تصر على دور «المراقب» وهي المحرك الفعلي للنزاع، وجدت نفسها تحارب طواحين الهواء في ردهات مجلس الأمن، محاولة تسويق بضاعة كاسدة لا يشتريها أحد، بينما يواصل المغرب حصد «الشرعية الدولية» ليس عبر البيانات الإنشائية، بل من خلال تحويل مقترح الحكم الذاتي إلى عقيدة دبلوماسية تتبناها العواصم الكبرى الواحدة تلو الأخرى، مما ترك الجبهة وداعمتها في حالة «تسلل» سياسي وتاريخي فاضح.
بين «أنبوب الغاز» و«أنبوب الشعارات»
المفارقة تبدو صارخة؛ الرباط تتفاوض حول «أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب» لتأمين طاقة القارة، وتستقبل الوفود لتدشين أكبر مركب قنصلي أمريكي في الدار البيضاء، بينما ينهمك غالي في تدبيج رسائل تستجدي مجلس الأمن العودة إلى «المربعات الأولى».
إقرأ أيضا : إيران تبحث عن «حوثي جديد» في الصحراء.. تحذيرات أمريكية من تغلغل إيراني عبر جبهة «البوليساريو»
إنه صراع بين منطق «الواقعية والتمكين» ومنطق «الاستجداء والتباكي». فبينما يبني المغرب الجسور والمطارات في أقاليمه الصحراوية، لا يزال زعيم الجبهة يبني «جدرانا وهمية» من الكلمات، محاولا إقناع غوتيريش بأن التاريخ توقف في محطة 1975 ولم يبرحها.
لغة الخشب في زمن الذكاء الاصطناعي
تفتقر الرسالة لأي لمسة من الحداثة السياسية، فهي غارقة في مصطلحات «الاستعمار» و«العدوان» و«الشركاء في الجرائم»، وهي لغة لم تعد تجد لها مكانا في قاموس الأمم المتحدة الذي بات مسكونا بمفاهيم «التوافق»، «الواقعية»، و«الحل السياسي المستدام».
يبدو أن الجماعة في تندوف يحتاجون لـ«تحديث نظام التشغيل» السياسي لديهم، فالعالم لم يعد يملك الوقت لقراءة قصص خيالية عن «بطولات عسكرية» وهمية، بينما تسير القوافل التجارية عبر الكركرات بانسيابية تقهر كل محاولات التشويش.
تنتهي رسالة الاستجداء بطلب إطلاع أعضاء مجلس الأمن عليها، والأرجح أن هؤلاء الأعضاء سيمرون عليها مرور الكرام، لا لأنهم يتجاهلون «القضية»، بل لأنهم ببساطة يفضلون قراءة أخبار المشاريع التي تغير حياة الناس على الأرض، بدل تضييع الوقت في فك شفرات خطاب خِشبي، يثبت يوما بعد آخر أن أصحابه هم وحدهم من يعيشون في «مناطق معزولة».. ليس عن الأرض فحسب، بل عن المنطق والتاريخ أيضا.
