تجميد البويضات والحيوانات المنوية.. رحلة مغاربة لحماية خصوبتهم بين مطرقة التكلفة وسندان التشريع

تجميد الخصوبة في المغرب.. التشبت بحلم الأبوة والأمومة

في 30/09/2026 على الساعة 21:19

بين مرض قد يسلب الإنسان خصوبته، وزواج قد يتأخر، وعمر بيولوجي لا ينتظر، يجد بعض المواطنين أنفسهم أمام خيار لم يكن مطروحا بهذا الشكل قبل سنوات: تجميد البويضات أو الحيوانات المنوية، والاحتفاظ بها حتى وقت قد يصبح فيه الإنجاب ممكنا من جديد بعد أن كان مستحيلا.

تجميد الخصوبة، لم يعد مجرد تقنية طبية تستخدم في حالات محدودة، بل أصبح موضوعا يطرح نفسه في ظل تحولات صحية واجتماعية وديموغرافية يعرفها المغرب. لكن خلف هذه الإمكانية الطبية، تبرز أسئلة كثيرة: من يحق له تجميد بويضاته أو حيواناته المنوية في المغرب؟ لماذا تمنع الفتيات غير المتزوجات من هذا الحق؟ وكم تكلف هذه العملية، وهل يستطيع القانون والطب والمجتمع المغربي مواكبة هذا التحول؟

أسئلة تكتسب أهمية أكبر في بلد يتغير فيه المشهد الديموغرافي بسرعة. فقد تراجع المؤشر التركيبي للخصوبة في المغرب إلى 1.97 طفل لكل امرأة سنة 2024، بعدما كان في حدود 2.2 سنة 2014، ليصبح دون عتبة تعويض الأجيال.

المؤشر التركيبي للخصوبة: متوسط عدد الأطفال لكل امرأة

فكيف يواجه المغاربة هواجس العقم وتأخر الإنجاب عبر تقنيات التجميد؟ وما هي الحدود الفاصلة بين الممكن الطبي، والواقع المادي، والضوابط التشريعية والدينية التي تؤطر هذه العملية؟

التشبث بحلم الأمومة والأبوة

هو يخشى أن يفقد قدرته على الإنجاب بسبب مرض أو علاج... وهي تخشى أن تتراجع فرصها في الأمومة مع تأخر الزواج أوتأجيل الإنجاب. بين المرض وتأجيل مشروع الأسرة، اتخذ محمد وسلمى وزينب القرار نفسه: تجميد جزء من خصوبتهما، والاحتفاظ به للمستقبل.

خلف هذه العينات المحفوظة في مختبرات متخصصة، قصص وحكايات عدة، عناوينها مختلفة، لكن خيطا واحدا يجمع بينها: نساء ورجال يحاولون، كل بطريقته، أن يسابقوا الزمن ويحافظوا على فرصة قد لا تمنحهم إياها الحياة مرتين خوفا من أن يأتي يوم يصبح فيه الإنجاب حلما ضائعا لا يمكن استعادته.

عندما يطاردك خيار تأجيل الإنجاب كدين ثقيل

في إحدى المصحات المتخصصة في حفظ الخصوبة بالدار البيضاء، بينما كنت أنتظر المسؤولة التي سترافقني للاطلاع على مسار عملية تجميد البويضات والحيوانات المنوية، وجدت نفسي، بدون سابق إنذار، أراقب تفاصيل المكان ووجوه من ينتظرون دورهم به.

في قاعة الانتظار، نساء ورجال من أعمار مختلفة، يجلسون في صمت، بعضهم يتصفح هاتفه لقتل الوقت، وآخرون يحدقون في الباب في انتظار أن ينادى على أسمائهم. وجوه هادئة، عيون معلقة بأمل، وأخرى تخفي وراء هدوئها خوفا ثقيلا. لكل واحد قصة مختلفة لكن رغبتهم واحدة: التشبت بحلم الأمومة والأبوة.

هنا، لا تبدو الخصوبة مجرد مصطلح طبي في ملف أو نتيجة تحليل، بل حلم يخشى أصحابه أن يفلت من بين أيديهم.

وبينما كنت أنتظر، جلست في كرسي مقابل لامرأة في الخامسة والأربعين. كانت تحدق بي بين الحين والآخر وتبتسم ابتسامة خافتة، يغلبها التعب. وكأنها تقول: «أحسنت لأنك جئت مبكرا». لم أكن أعرف آنذاك أن المرأة التي تجلس أمامي تحمل قصة تختصر جانبا من المفارقة التي أبحث عنها في هذا التحقيق: كيف يمكن لقرار يبدو قابلا للتأجيل أن يتحول مع مرور السنوات إلى سباق حارق مع الزمن.

بعد دقائق، تبادلنا أطراف الحديث، ثم سألتني: «من طبيبك؟»

أجبتها: «لست مريضة، أنا صحافية وأشتغل على موضوع تجميد البويضات والحيوانات المنوية في المغرب».

تغيرت ملامح السيدة قليلا. صمتت للحظات، ثم قالت:«أرجو منك عدم تصويري من فضلك، لا أريد أن تراني عائلتي».

كان ردها كافيا لأدرك حجم الحساسية التي تحيط بهذا الموضوع. بالنسبة إلى بعض من يخوضون تجربة مرتبطة بالخصوبة والإنجاب، بالرغم كونها مسألة طبية، ما تزال المسألة شأنا شديد الخصوصية، تحيط به حساسية اجتماعية لا تقل ثقلا عن العلاج نفسه.

طمأنتها بأنني اخترت أن يكون هذا العمل الصحفي مكتوبا، بالنظر إلى حساسية الحالات والقصص التي أعمل عليها. ابتسمت وقالت: «أحسنت اختيار الموضوع فالكثير من النساء والرجال لا يعرفون ماذا يعني تراجع الخصوبة، ولا يدركون صعوبة العلاج عندما يتأخر الوقت».

كانت تلك اللحظة بداية التعارف مع سلمى، المرأة التي ستروي لاحقا كيف وجدت نفسها أمام واقع لم تكن تتوقعه: سنوات انتظرت فيها أن تنتهي معاناة زوجها مع مرض السرطان، قبل أن تكتشف أن الزمن كان يمضي في الاتجاه الآخر، وأن حلم الأمومة الذي ظنت أنه مؤجل فقط، أصبح اليوم سباقا مع العمر.

تقول سلمى، بصوت يتهدج كأنما يستعيد شريط تسعة عشر سنة من التعثر:«لم أكن أعتقد يوما أن قرار تأجيل الإنجاب سيكون مكلفا إلى هذا الحد... نفسيا وماديا».

بدأت قصة سلمى في سن التاسعة والعشرين عندما تزوجت لأول مرة. أجهضت حملها الأول، واتفقت مع زوجها على تأجيل مشروع الأمومة قليلا. لم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها مسارا شاقا؛ حيث وقع الانفصال بعد ثلاث سنوات، ليمتد الفراق سبع سنوات كاملة، قبل أن يعودا إلى بعضهما ويتزوجا مجددا حين بلغت سلمى التاسعة والثلاثين.

لكن الأيام لم تمنحهما استراحة؛ فبعد فترة قصيرة من الزواج الثاني، داهم سرطان المثانة زوجها. خاضا معا رحلة طويلة ومريرة مع العلاج الكيميائي، والتي انتهت بشفاء الزوج واستعادته لعافيته بعد سنوات، لكنها خلفت أثرا بالغا على خصوبته.

تتحدث سلمى، بنبرة خافتة ملؤها الحزن، تتوقف بين الجملة والأخرى كأنها تستجمع ما تبقى من طاقتها وتغالب دموعها كي لا تنهمر وتفضح انكسارها الداخلي.

تقول: «كنت أظن أن ألمنا سينتهي بشفاء زوجي، ولم يخطر ببالي مطلقا أن معاناتي الأكبر تبدأ بعد شفائه. ولأنني حملت من قبل، لم يخطر في بالي أن خصوبتي قد تتهاوى بمرور السنين. حتى صُدمت بالخبر كالصاعقة: تراجع حاد وخطير في مخزون البويضات، وفرص الحمل تتقلص مع كل شمس تشرق».

اليوم، ودعت سلمى منتصف الأربعينات وهي تخوض منذ سنتين معركة استنزاف يومية دون نتيجة تُذكر. استُنزفت ماديا ونفسيا، وارتفع وزنها بـ14 كيلوغراما جراء الهرمونات المكثفة، لكن الألم الأكبر لا يكمن في تغير الجسد، بل في «ترقب اللا شيء».

تصف سلمى بروتوكولها العلاجي القاسي بمرارة: تبدأ بتناول دواء «ليتروزول» (المستخدم أساسا لعلاج سرطان الثدي) من اليوم الثاني إلى السابع من الدورة الشهرية. وفي اليوم التاسع، تحقن إبرة تفجير البويضة في بطنها بمساعدة زوجها داخل المنزل. وفي اليوم العاشر، تتجه إلى المصحة لإجراء عملية سحب البويضات.

«أختار إجراء العملية دون تخدير موضعي أو كامل، رغم الألم المبرح، كي أتمكن من العودة إلى عملي في اليوم ذاته. العلاج يطول لأشهر وسنوات، ولا يمكنني التغيب عن عملي كل شهر. تدمع عيناي في العيادة، لكنني أتحمل الألم الجسدي لأوفر أي يوم غياب».

تتطلب كل عملية حضور الزوج؛ فإذا كانت البويضة المسحوبة ذات جودة مناسبة، يُستخلص الحيوان المنوي ويتم تخصيبها فورا في المختبر، ثم تجمد العلقة الناتجة. لكن هذا المسار محفوف بالخيبة؛ فخلال سنتين كاملتين من المعاناة والمحاولات المتكررة التي كبدتها عشرات الآلاف من الدراهم، لم تنجح سلوى سوى في حفظ بويضتين مخصبتين فقط في المجمد الطبي.

تكلف العملية الواحدة مع الفحوصات والأدوية ما بين 35.000 و38.000 درهم، بالإضافة إلى رسوم صيانة وتجميد سنوية تبلغ 2000 درهم.

«زرت أطباء كثر، كانوا يطلبون مبالغ طائلة للمحاولة الواحدة دون أدنى ضمانات، حتى وجدت طبيبي الحالي الذي قدر وضعيتي النفسية والمادية، ويحاول معي مرارا. لكنه ينصحني بانتظار جمع عدد أكبر من البويضات المخصبة قبل البدء بعملية الزرع النهائية... وأنا انتظر، والزمن يركض».

في زوايا هذا العذاب، عُرضت على سلمى حلول أخرى؛ إذ لمح لها أحد الأطباء سابقا بإمكانية الاستعانة بـ«بويضة متبرعة» من امرأة أخرى، لكنها رفضت قاطعة الطريق.

«أعرف صديقات وقريبات لي لجأن لهذا الخيار خارج المغرب، تحديدا في إسبانيا. لكنني أرفضه تماما لكونه محرم دينيا يدخل في اختلاط الأنساب. سألت عالِما دينيا وأكد لي ذلك. إلى جانب خوفي من أن يكبر هذا الطفل يوما ما ويجرى تحليل الـDNA ويكتشف أنه ليس من صلبي... كيف أواجه حينها هذا السؤال؟».

تتحسر سلمى عندما تقارن وضعها بقريباتها اللواتي يعشن بين الضفتين: ابنتا خالتها اللتان تعيشان في إسبانيا تزوجتا بعد سن الخامسة والأربعين، وأنجبت الأولى في سن 49 والثانية في سن 47 اعتمادا على خيارات قانونية وطبية متوفرة هناك لكنها ممنوعة في المغرب.

«في المصحة، أصادف فتيات في مقتبل العمر، عازبات يُصدمن بنقص مخزون بويضاتهن، لكنهن يصطدمن بجدار القانون المغربي الذي يمنع الفتاة غير المتزوجة من حق تجميد بويضاتها مبكرا لتدارك الزمن... نساء يتألمن في الصمت، ويدفعن ثمن الوقت من أجسادهن وأرواحهن». «أتمنى أن تتم إعادة النظر في هذا القانون وتعديله لمواكبة التغيرات التي يشهدها العالم، والمغرب خصوصا، سيما في ظل تأخر سن الزواج».

تختم سلمى حديثها بنظرة نحو أروقة المصحة التي ترتادها، قائلة إن «أصعب ما واجهته لم يكن العلاج وحده، بل إقناع زوجي بمرافقتي في كل مرة إلى المصحة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتقديم عينة من الحيوانات المنوية. فالمسألة، بالنسبة إليه، كانت تحمل قدرا من الحرج، فموضوع الخصوبة، بالنسبة لكثير من الرجال، لا يزال يرتبط بحساسية كبيرة وبصورة معينة عن الرجولة، ما يجعل تقبّل الحديث عنه أو الخضوع لبعض إجراءاته الطبية أمرا غير يسير.

وبعد إنهاء حديثها، رسمت سلمى على وجهها ابتسامة شاحبة، فيها شعلة أمل خافتة، والكثير، بل الكثير، من الخوف والحسرة.

خوف الرجال.. وحصار الكبرياء

صعوبة إقناع الزوج التي تحدثت عنها سلمى، تفتح الباب على إحدى أكبر العقبات المستترة في قضايا تأخر الإنجاب: «وصمة الخصوبة الذكورية» والتأخر في الاعتراف بها.

هنا تبدأ قصة محمد، (36 عاما)، الذي خاض هو الآخر معركة مريرة للتعافي من سرطان على مستوى الركبة، وخرج منها منتصرا ببدنه، لكنه أدرك بعد زواجه أن الضريبة طالت خصوبته بفعل شراسة العلاجات الكيميائية.

يقول محمد واصفا سنوات التردد: «خمس سنوات كاملة وأنا أتهرب من زيارة طبيب الخصوبة، مقتنعا بأن المشكلة لا يمكن أن تكون مني. وعندما خطوت تلك الخطوة أخيرا، صدمت بالحقيقة المرة».

ورغم أن الطبيب طمأنه بوجود أمل عبر بروتوكول تحفيزي، إلا أنه نصح الرجل وشريكة حياته، فورا، بتجميد بويضات الزوجة البالغة 35 عاما، كإجراء احترازي لتفادي تراجع مخزونها مستقبلا ريثما يستكمل علاجه.

«العلاج مكلف جدا ويفوق قدرتي، لكن إحساس الأبوة أغلى»، بهذه العبارة ختم محمد حديثه.

تجربة محمد تطرح مشكلة يعايشها أطباء الخصوبة كثيرا، ربط القدرة الإنجابية عند الرجل بصورة الرجولة، أو بالأحرى الفحولة، وما قد ينتج عنه من تأخر في التشخيص.

وبحسب المعطيات التي قدمتها الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة، تقدر مساهمة الأسباب الذكورية في حالات العقم بنحو 30 في المائة، مقابل نسبة مماثلة للأسباب الأنثوية، فيما ترتبط حالات أخرى بعوامل مشتركة أو تظل أسبابها غير مفسرة.

ويرفض عبد اللطيف معمري، المدير التنفيذي للجمعية المغربية لتنظيم الأسرة، تحميل المرأة وحدها مسؤولية تأخر الإنجاب، معتبرا ذلك «ظلما علميا قبل أن يكون ظلما اجتماعيا».

لكن، ماذا لو لم يكن العائق مالا أو مرضا...؟ بل قانونا قد يحرمك من فرصة الحفاظ على حلم الأمومة. كما هو الحال بالنسبة لزينب، التي وجدت نفسها تبحث خارج الحدود، عن فرصة لحفظ ما لم تكن مستعدة لخسارته بعدما أغلق أمامها باب تجميد بويضاتها في المغرب كونها امرأة سليمة وغيرمتزوجة.

عندما تتجاوز الأمومة الحدود

يمنع القانون المغربي النساء غير المتزوجات، اللواتي لا تعانين من أمراض، وتردن ضمان فرصة للأمومة مستقبلا بعد تأخر زواجهن أو اختيارهن تأجيل مشروع الزواج والإنجاب، (يمنعهن) من حفظ بويضاتهن، وهو ما يدفع عددا من السيدات إلى كسر جدار الصمت والقيود التشريعية باتخاذ خطوات أكثر جرأة عابرة للحدود... تماما كما فعلت زينب.

تفتح زينب، امرأة في أواخر الأربعينيات من عمرها، وهي اليوم أم لتوأم، (تفتح) قلبها، لتقول: «أجلت مشروع الزواج والإنجاب بسبب ضغط الدراسة والعمل، وبعد بلوغي سن الثلاثين قررت تجميد بويضاتي لحفظ فرصتي في أن أكون أما، خصوصا بعدما عايشت تجربة أختي، لكني اصطدمت بواقع أن القانون المغربي لا يسمح للأنثى غير المتزوجة، والتي لا تعاني من أي مرض يهدد خصوبتها، بحفظ بويضاتها، فقررت السفر إلى إسبانيا من أجل إجراء العملية».

«كنت أمام خيارين: إما إسبانيا أو تركيا. اخترت اسبانيا لأني كنت أفكر من قبل في الاستقرار هناك».

تتابع زينب: «تزوجت في سن الخامسة والثلاثين، وبالفعل أصبح الإنجاب أصعب من قبل، لكنني اليوم، ولله الحمد، أم لتوأم بفضل هذه الخطوة».

اليوم، وهي تحتضن طفليها التوأم، تؤكد أنها لم تندم لحظة واحدة على تلك الخطوة رغم تكاليفها المادية الباهظة.

تتحدث زينب بأسى عن واقع النساء ذوات الدخل المحدود اللواتي لا تمتلكن القدرة على تحمل تكلفة العلاج، أو اللواتي تأخر زواجهن اضطراريا لا اختياريا، داعية إلى فتح باب هذه التقنيات بالمستشفيات العمومية وتعديل الإطار التشريعي لحماية حق المرأة، التي تأخر زواجها، في الأمومة.

وتضيف بكثير من الحرقة والتعجب: «نسمع اليوم عن بعض المراكز والمصحات في المغرب التي باتت تُتيح تجميد البويضات لغير المتزوجات، خصوصا اللواتي يعانين من نقص حاد في مخزون المبيض، لكن، طالما أن النص القانوني لم يتغير، فإن هؤلاء النساء يُتركن في منطقة رمادية تحت رحمة اجتهادات مهددة بالمنع في أي لحظة».

العقم والخصوبة في المغرب.. أرقام تكشف اتساع الظاهرة وثغرات في المعطيات

يقول الأستاذ عبد اللطيف معمري، المدير التنفيذي للجمعية المغربية لتنظيم الأسرة (AMPF)، في تصريح لـLe360، إنه، في ظل غياب سجل وطني للعقم أو إحصاء رسمي لعمليات تجميد الأمشاج، تشير التقديرات المهنية إلى أن العقم يمس ما بين 15% و17% من الأزواج في سن الإنجاب (نحو 900 ألف زوج)، وهي نسبة تتقاطع مع التقديرات العالمية لمنظمة الصحة العالمية (2023)، التي تؤكد إصابة شخص من كل ستة أشخاص (17.5%) بالعقم خلال حياته، وسط ملاحظات ميدانية بحدوث الاستشارات الطبية في مراحل متأخرة بعد سنوات من المحاولة الصامتة.

في المقابل، شهد مؤشر الخصوبة التركيبي بالمغرب تراجعا حادا، من 7,2 أطفال لكل امرأة سنة 1962 إلى 1,97 سنة 2024، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، مقابل 1,77 في الوسط الحضري و2,37 في الوسط القروي، أي دون عتبة تجديد الأجيال المحددة في 2,1 طفل لكل امرأة.

هذا التراجع، ووفق ما أكده الأستاذ معمري، لا يعني بالضرورة تراجع الرغبة في الإنجاب بقدر ما يعكس حرية إنجابية مقيدة بالهشاشة الاقتصادية. فبحسب تقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان والمندوبية السامية للتخطيط لسنة 2025، صرح 33 في المائة من المغاربة الذين تجاوزوا الخمسين بأنهم أنجبوا عددا أقل مما كانوا يرغبون فيه، وأرجع 47 في المائة منهم ذلك إلى أسباب مالية. وبذلك، تبدو الحرية الإنجابية لدى فئة من المغاربة مقيدة بالهشاشة الاقتصادية أكثر من ارتباطها باختيار ثقافي.

وفي ما يتعلق بأسباب تراجع الخصوبة، يفند الأستاذ معمري التمثل الاجتماعي السائد الذي يلقي باللوم على المرأة وحدها، مؤكدا أن التوزيع العلمي ينطبق على المغرب: 30% أسباب أنثوية، 30% أسباب ذكورية، 30% أسباب مشتركة، و10% غير مفسرة. فالعبء الاجتماعي الملقى على المرأة هو «ظلم علمي قبل أن يكون ظلما اجتماعيا».

وعند المرأة، يُعد تقدم السن العامل الأول لتراجع مخزون المبيض وجودته (خصوصا بعد سن 35)، تليها بطانة الرحم المهاجرة، ومتلازمة تكيس المبايض، ثم الالتهابات التناسلية غير المعالجة. أما عند الرجل، فترتبط الأسباب بدوالي الخصية، والالتهابات، والسمنة، والتدخين، ثم التعرض للملوثات والحرارة، علاوة على ما ترصده الدراسات الدولية من تراجع عام في تركيز الحيوانات المنوية.

ويرى المتحدث بأن العقم في المغرب تجربة تُعاش في صمت. وتبعاته موثقة: قلق واكتئاب وعزلة، ووصم يطال المرأة قبل الرجل، وضغط أسري مستمر، ثم أحيانا تهديد لاستقرار الزواج.

ومن تناقضات اللحظة، حسب ما جاء على لسان الرجل، فإن المجتمع يؤخر سن الزواج لأسباب اقتصادية موضوعية، من ضمنها التشغيل، والسكن، والدراسة - ثم يحاسب المرأة على النتيجة البيولوجية لهذا التأخر.

ولفت عبد اللطيف معمري، المدير التنفيذي للجمعية المغربية لتنظيم الأسرة، إلى وجود إشكالية أكبر، ألا وهي غياب المعلومة العلمية، مؤكدا أن نسبة ضئيلة من الشابات يعرفن ما هو مخزون المبيض أو تحليل AMH (الذي يقيس مخزون المبيض)، أو أن الخصوبة تبدأ في التراجع قبل وقت طويل من انقطاع الطمث. مشيرا إلى أن حملات التوعية غير كافية، وهذا مجال تتحمل فيه جمعيات المجتمع المدني والإعلام مسؤولية مشتركة.

أما التفاوت الاجتماعي، يضيف المتحدث، فهو قائم بوضوح، إذ أن القدرة على الولوج للعلاج تحددها اليوم القدرة المالية والمدينة واللغة وشبكة العلاقات، وهو ما يدفع بعض المغربيات إلى الخارج: إسبانيا أو تركيا أو تونس، سواء بسبب القيود القانونية أو الكلفة أو صعوبة المواعيد، دون أن تتوفر أرقام موثوقة حول حجم الظاهرة، وهو بحد ذاته مؤشر على ضعف منظومة المعطيات.

مسار التجميد والحفظ من داخل المختبر

تتجاوز عملية تجميد الأمشاج بعدها الإنساني لتطرح مسارا طبيا ومخبريا دقيقا.

ووفق ما عايناه بأحد مراكز الخصوبة بالدار البيضاء، تبدأ العملية باستقبال الحالات بعد التأكد من وجود دوافع طبية يقررها الطبيب المباشر، سواء للمقبلين على علاجات معقمة (كالكيماوي والأشعة)، أو لمن يعانون من تراجع مؤشرات الخصوبة أو اضطرابات وراثية.

بالنسبة للمرأة، فإن خوض المسار يقتضي تقييما شاملا، يليه علاج هرموني بحقن منشطة للمبيض يبدأ عادة في اليوم الثاني من الدورة الشهرية. وتخضع المريضة لمراقبة دورية دقيقة بالصدى والفحوصات لمتابعة نمو الجريبات. وعند وصول البويضات للحجم والنضج المطلوبين، تُجرى عملية السحب تحت تخدير خفيف، ليتولى أخصائي الأجنة داخل المختبر فحص السائل وفصل البويضات الناضجة.

بعد إخصاب البويضات بالحيوانات المنوية، توضع الأجنة الناتجة داخل حاضنات خاصة توفر الظروف الملائمة لنموها، مع متابعة تطورها خلال الأيام الأولى. وبحسب تطور الأجنة والحالة الطبية للمرأة والخطة العلاجية، يمكن نقل الجنين أو الأجنة المختارة إلى الرحم، عادة في اليوم الثالث أو الخامس بعد الإخصاب، فيما يمكن تجميد الأجنة وحفظها لاستعمالها في وقت لاحق.

وتُحفظ هذه البويضات الملقحة وغير الملقحة باستعمال محاليل وتقنيات التزجيج الحديثة (Vitrification)، وتُخزن في خزانات تحتوي على النيتروجين السائل بدرجة حرارة تصل إلى ناقص 196 درجة مئوية، ما يضمن الحفاظ على جودتها وسنها البيولوجي لسنوات طويلة دون أن تتأثر بمضي الزمن.

أما عند الرجل، فتستوجب العملية أخذ عينة من السائل المنوي لمعالجتها مخبريا، واختيار الحيوانات المنوية ذات الجودة والأشكال الأفضل لتجميدها حفاظا عليها من تأثيرات العلاجات أو بيئات العمل الشاقة (كالتعرض للمبيدات الحرارة العالية) أو الأمراض كدوالي الخصية والخصية المعلقة.

التجميد ليس ضمانة للأمومة

يحذر الدكتور يوسف بنجلون، أخصائي أمراض النساء والتوليد والمساعدة الطبية على الإنجاب، وهو أيضا الكاتب العام الجمعية المغربية لطب الإنجاب (SMMR)، (يحذر) في تصريح لـLe360، من التعامل مع تجميد البويضات أو الحيوانات المنوية باعتباره ضمانا للإنجاب في المستقبل. مؤكدا أن «التجميد ليس ضمانة حتمية للأبوة أو الأمومة»، بل هو مجرد «تأمين طبي على الخصوبة» يمنح فرصة إضافية. ويكون أكثر أهمية عندما يكون هناك خطر معروف على الخصوبة، ويكون أكثر نجاح عندما يكون في سن مبكر.

فنجاح العملية لا يتوقف عند استخراج البويضة وتجميدها، بل يجب أن تنجو من الإذابة، ثم تُخصب، ويتطور الجنين، ويحدث الانغراس، ثم يستمر الحمل حتى الولادة.

ويوضح الدكتور الأخصائي أن الجودة البيولوجية للبويضة ترتبط بالسن وقت التجميد وليس بالسن وقت الاستعمال. فالتجميد قبل سن الـ30 أو الـ35 يعطي نتائج ممتازة، بينما تبدأ المردودية في الانخفاض بعد 35 سنة، وتتراجع بشكل حاد بعد 38 سنة، لتصبح العملية بعد سن الـ40 قليلة الفائدة عمليا ولا تمنح سوى «راحة نفسية».

ويشير بنجلون إلى أن النماذج البحثية تُظهر أن الوصول إلى احتمال 70% لولادة حية واحدة يستوجب تجميد نحو 14 بويضة ناضجة في سن 30-34 عاما، و15 بويضة في سن 35-37 عاما، بينما يرتفع الرقم إلى نحو 26 بويضة في سن 38-40 عاما.

وحول الفرق بين تقييم الخصوبة لدى الجنسين، يؤكد الدكتور بنجلون أن حفظ الحيوانات المنوية عند الرجل أسهل تقنيا وأسرع ولا يتطلب سوى عينة وبضع ساعات، بينما تتطلب العملية عند المرأة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع من التحفيز الهرموني والسحب المجهري.

كما يسلط الضوء على أن انخفاض هرمون AMH لا يعني العقم المطلق، بل هو مؤشر على حجم المخزون والاستجابة للتنشيط، مشددا على ضرورة الحذر من الخطاب التجاري الذي يروج للتجميد كـ«ضمانة للأمومة»، محذرا من المخاطر الطبية المرافقة كالتعرض لمتلازمة فرط تنبيه المبيض (OHSS).

متى ينصح بتجميد البويضات والحيوانات المنوية؟

لا يرى الدكتور بنجلون أن تجميد البويضات أو الحيوانات المنوية ضروري لكل شخص، لكنه يعتبره وسيلة مهمة للحفاظ على فرص الإنجاب عندما تظهر مؤشرات على تراجع الخصوبة أو يكون الشخص مقبلا على علاج قد يهددها. لذلك ينصح بإجراء تقييم للخصوبة ابتداء من سن 25 لدى المرأة و35 لدى الرجل، على أن يُناقش خيار التجميد إذا أظهرت الفحوصات انخفاضا في القدرة الإنجابية.

وفي هذا السياق، يشدد الدكتور يوسف بنجلون على أن حفظ الخصوبة يصبح مهما عندما يوجد خطر معروف قد يمس القدرة الإنجابية.

وتشمل الحالات الطبية التي تستدعي التفكير في الحفظ قبل العلاج، بحسب بنجلون، عند المرأة، علاج السرطانات كالعلاج الكيماوي أو الإشعاعي، خصوصا عندما يستهدف مناطق قريبة من المبيضين، وبعض العمليات الجراحية، وبطانة الرحم المهاجرة، والأمراض أو العلاجات التي قد تضر بالغدد التناسلية، فضلا عن بعض حالات القصور المبكر للمبيض أو في حالة التأجيل الاختياري للإنجاب، في بعض الأنظمة القانونية التي تسمح بذلك قبل سن الـ30.

وعند الرجل، ينصح بتجميد الحيوانات المنوية قبل: العلاج الكيماوي أو العلاج بالأشعة أو بعض العمليات على الخصية أو بعض العلاجات التي تؤثر على إنتاج الحيوانات المنوية أو عندما يكون احتمال تدهور كبير في السائل المنوي مع مرور الوقت. مشيرا إلى أن المبدأ الطبي واضح: إذا كان مرور الوقت أو العلاج ممكن أن يضر الخصوبة، يجب التفكير في الحفاظ عليها قبل بداية العلاج وليس بعد ذلك.

القانون 47.14: بين صرامة التشريع واستثناءات الواقع الطبي

قراءة القانون رقم 47.14 المتعلق بالمساعدة الطبية على الإنجاب تكشف أن المشرع لم يضع جميع حالات حفظ الخصوبة في الخانة نفسها، بل ميز بين اللجوء إلى المساعدة الطبية على الإنجاب، وحفظ الأمشاج داخل مسار الزوجين، وحفظها عندما تصبح الخصوبة مهددة طبيا.

فالمادة 12 من القانون ذاته تحصر المساعدة الطبية على الإنجاب في امرأة ورجل متزوجين وعلى قيد الحياة، وبواسطة أمشاج متأتية منهما وحدهما، وتشترط طلبا مكتوبا من الزوجين مرفقا بنسخة من عقد الزواج.

أما المادة 23، فتنظم حفظ الأمشاج المأخوذة من الزوجين داخل مسار الإخصاب، وتضع، كقاعدة، استعمالها كاملة في العملية، مع السماح بحفظ أمشاج أحد الزوجين، عند تعذر أخذ أمشاجهما في الوقت نفسه، انتظارا لأخذ أمشاج الآخر، لمدة سنة قابلة للتجديد مرة واحدة.

لكن المادة 24 تفتح بابا مختلفا عندما تصبح الخصوبة نفسها مهددة. فهي تتيح لكل شخص يخضع لعلاج من شأنه أن يمس قدرته على الإنجاب، أو يستعد للخضوع إليه، أو يحتمل أن تتأثر خصوبته بشكل مبكر، حفظ أمشاجه أو أنسجته التناسلية بقصد استعمالها لاحقا في إطار المساعدة الطبية على الإنجاب.

ويتم ذلك، وفق النص، بناء على طلب مكتوب من الشخص المعني، أو نائبه الشرعي في الحالات المحددة قانونا، وبعد شهادة الطبيب المعالج بأن العلاج الموصوف من شأنه أن يمس القدرة على الإنجاب.

وهذا يعني أن الزواج ليس شرطا صريحا للحفظ عندما يتعلق الأمر بالخطر الطبي الذي تنظمه المادة 24. فشاب غير متزوج مقبل على علاج كيماوي، قد يضر بخصوبته، يمكنه، متى توفرت الشروط الطبية والقانونية، حفظ حيواناته المنوية.

لكن الإشكال يتعلق، حسب الدكتور يوسف بنجلون، بإعادة استعمالها، لأن ممارسة ما يُعرف طبيا بـPMA، أي المساعدة على الإنجاب، حسب المادة 12، محصورة في امرأة ورجل متزوجين، على قيد الحياة، وباستعمال أمشاجهما الخاصة. إذن هناك فرق مهم بين الحق في حفظ الخصوبة لأسباب طبية وبين شروط استعمال الأمشاج لاحقا في إطار الـPMA.

إشكالية أكبر تواجه الأطباء، وهي عندما يتعلق الأمر بشابة غير متزوجة سنها بين 25 و35 سنة تعاني من تراجع مخزون المبيض. يرى الدكتور بنجلون أن المسألة من الناحية الطبية تُعتبر مرضا، يتم تشخيصه بالتحاليل والكشف بالصدى على المبيض، وعلاجه هو التجميد أو الزواج العاجل من أجل إنجاب سريع، لكن، قانونيا بالمغرب، هناك منع وغموض. وهو البند الذي تدعو الجمعيات إلى تعديله كما هو معمول به في دول أخرى، خصوصا أن هناك فتيات يتأخر زواجهن وهو أمر خارج عن إرادتهن.

وبهذا الشأن، يرى الأستاذ عبد اللطيف معمري، المدير التنفيذي للجمعية المغربية لتنظيم الأسرة (AMPF)، أن القانون، الذي صُوّت لصالحه في 12 فبراير 2019 ونُشر بالجريدة الرسمية في 4 أبريل 2019، يُشكّل خطوة إيجابية لا ننكرها: فهو يعترف بالعقم كمرض، ويضع حدا لممارسات كانت تتم خارج الإطار القانوني، ويُلزم بترخيص المؤسسات، ويُحدث لجنة علمية استشارية، ويمنع الاستنساخ والاتجار في الأمشاج.

هذا القانون، ترى الجمعية بأن الوقائع الطبية والاجتماعية قد سبقته، منتقدة إياه لكونه يشتمل على عيوب لخّصتها في: بطء وتعقيد على مستوى النصوص التطبيقية ومساطر الاعتماد، وغياب أي استثناء للحفاظ على الخصوبة لدى المرضى المقبلين على علاجات مُعقِمة، وكذا حصر الاستفادة في الزوجين دون معالجة وضعيات الأرملة أو المطلقة أو المريض الشاب، ثم غياب ربط واضح بالتغطية الصحية، علاوة على الاعتراف بالعقم كمرض لم يُترجم إلى تكفّل، وفي الأخير ضعف مواكبة التكوين الجامعي المتخصص في المساعدة على الإنجاب.

فتعديل النصوص، حسب المتحدث، وحده لا يكفي إن لم ترافقه هندسة تمويل، وإلا بقي الحق نظريا ومحفوظا لمن يستطيع أداء ثمنه.

أسئلة إلى وزارة الصحة... طالها العقم هي الأخرى، ولم تجد لها أجوبة

لمحاولة حسم هذا الجدل، تواصلنا، في إطار إعداد هذا المادة الصحفية، مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ووجهنا إليها أسئلة حول تفسير المادة 24، والحالات التي تدخل ضمن احتمال «تأثر الخصوبة بشكل مبكر»، ووضع النساء غير المتزوجات اللواتي يثبت طبيا وجود خطر على خصوبتهن.

كما طلبنا معطيات حول عدد عمليات حفظ البويضات والحيوانات المنوية التي تجرى سنويا بالمغرب، وعدد المراكز المرخص لها، وحجم العرض في القطاع العمومي، وكلفة الخدمات، ومدى إدراجها ضمن التغطية الصحية.

غير أننا لم نتلق أجوبة عن هذه الأسئلة، رغم إلحاحنا لأكثر من مرة.

فاتورة الخصوبة.. عندما تصبح الأمومة والأبوة رهينين بالدخل المادي

بالمغرب، يوجد 19 مركزا للمساعدة الطبية على الإنجاب، ثلاثة منها فقط تنضوي تحت لواء القطاع العمومي، حسب ما أفاد به عبد اللطيف المعمري، المدير التنفيذي للجمعية المغربية لتنظيم الأسرة.

وتتراوح الكلفة المرجعية لهذا النوع من العلاجات، حسب معطيات الجمعية، بين 30.000 إلى 50.000 درهم لدورة أطفال الأنابيب أو الحقن المجهري (ICSI)، وبين 1.500 إلى 3.000 درهم لأدوية التحفيز، تنضاف إليها التكاليف السنوية لحفظ البويضات المجمدة.

أما تكلفة تجميد البويضات وتكلفة الحفظ السنوي، حسب الجمعية ذاتها، فهي غير منشورة رسميا وتختلف بشكل كبير من مركز لأخر، نظرا لغياب التسعير الشفاف، لكن، وفق ما استقيناه من عدد من الحالات التي صادفناها، فإن سعر العملية يتراوح بين 35 و40 ألف درهم، بينما يُقدّر ثمن الحفظ بـ2000 درهم للسنة الواحدة.

وفي ظل عدم إدراج العقم وتجميد الأمشاج ضمن حزمة التعويضات المباشرة للتغطية الصحية الإجبارية -باستثناء تعويض جزئي عن بعض أدوية التنشيط- تردف الجمعية، يتحمل الأزواج والمرضى كافة المصاريف من جيوبهم الخاصة. ومع إجراء نحو 4.000 دورة أطفال أنابيب فقط سنويا، مقابل 900 ألف زوج يعانون من العقم، فإن أغلب الأسر تتوقف، بعد محاولة واحدة، بسبب الإكراه المالي.

وللمقارنة، يشير عبد اللطيف معمري، إلى أن الدولة، في فرنسا، تتكفل بـ100% من العلاج إلى حدود سن الـ43 (4 محاولات)، فيما تغطي تونس جزءً هاما عبر مراكزها العمومية، بينما يظل العرض العمومي بالمغرب محصورا في 3 مراكز جامعية فقط (أبرزها مركز CHU ابن سينا بالرباط) يتمركز معظمها في محور الدار البيضاء-الرباط، ما يُحمّل مرضى المناطق النائية أعباء التنقل والإقامة.

بالنسبة إلى الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة، لا يمكن الاعتراف بالعقم باعتباره مشكلة صحية ثم ترك علاجه في الوقت نفسه رهين القدرة الفردية على الأداء.

ولهذا، تدعو الجمعية إلى توسيع العرض العمومي، وإدراج استثناء تشريعي صريح يتيح حفظ الخصوبة لأسباب طبية لكافة المرضى بغض النظر عن وضعيتهم العائلية إلى جانب إدماج تشخيص العقم وعلاجه ضمن التغطية الصحية الإجبارية، وإحداث مسار لحفظ الخصوبة قبل العلاجات المهددة لها، خصوصا داخل المراكز الجهوية للأورام، إلى جانب إنشاء سجل وطني إلزامي لمعطيات العقم والـPMA لضمان الشفافية التسعيرية وتأطير الإشهار التجاري.

كما تدعو إلى إدماج التربية حول الخصوبة والصحة الإنجابية في المناهج المدرسية والجامعية.

ويبقى السؤال المطروح: إذا كان الطب قادرا اليوم على حفظ فرصة الإنجاب وتجميد الزمن البيولوجي داخل أوعية النيتروجين، فهل يستطيع القانون والسياسة الصحية في المغرب أن يضمنا وصول هذه الفرصة إلى كل من يحتاجها؟ أم أنها ستظل امتيازا محكوما بقيود مادية وتشريعية؟

تحرير من طرف فاطمة الزهراء العوني
في 30/09/2026 على الساعة 21:19