الصحراء المغربية: الدبلوماسية الجزائرية تغرق مجددا في الإنكار وتسبح عكس تيار التاريخ

Ahmed Attaf, ministre algérien des Affaires étrangères.

أحمد عطاف، وزير الشؤون الخارجية الجزائري. AFP or licensors

في 29/09/2026 على الساعة 13:15

قدم وزير الشؤون الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، مرافعة خطابية جوفاء تفيض بالإنكار وتجتر مغالطات مكشوفة. وتجاهل رئيس الدبلوماسية الجزائرية الواقع الديمقراطي والتنموي المتجذر في الأقاليم الجنوبية للمملكة، مفضلا الغرق في تناقضات تصطدم بموازين الواقعية السياسية الدولية، لترسخ الجزائر بذلك عزلتها وتنزلق أكثر نحو مأزق استراتيجي شامل يناقض منطق التاريخ.

وفي تفاصيل الكلمة الملقاة خلال أشغال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، ركن عطاف إلى لغة خشبية متكلفة طالما ميزت أسلوب النظام الجزائري عند مقاربة ملف الصحراء؛ نبرة مصطنعة ومنفصلة كليا عن التحولات الجيوسياسية الراهنة.

واختار الوزير طرحا متجاوزا حين صرح بأن «مرور نصف قرن لا يمكنه تحويل واقع مفروض إلى حقيقة قانونية»، مقدما خطابا يحاول عبثا حجب احتضار عقيدة رسمية استنفدت مقومات بقائها.

هذا الانفصام السياسي تجلى في سردية متآكلة تضيق بالمتناقضات، وتعكس عجز دوائر القرار بالجزائر العاصمة عن مسايرة ديناميات الحقيقة الميدانية المؤيدة بقرارات المجتمع الدولي ومجلس الأمن.

ثرثرة متكلفة وانفصال عن الواقع

سقط أحمد عطاف مع مستهل كلمته في فخ تناقض فج وغير محسوب، حين انبرى يهاجم ما سماه «منطق الأمر الواقع»، داعيا إلى مفاوضات تجري «بنية حسنة وإرادة صادقة وأصيلة بعيدا عن منطق الإملاء والمساومة»، متناسيا أن بلاده هي الراعي الأول لسياسة الإملاء والعرقلة الإقليمية في هذا النزاع المفتعل.

وسرعان ما انقشع بريق هذا التباكي الدبلوماسي أمام مضامين الكلمة، إذ حاول عطاف إحياء أطروحات متقادمة تعود لزمن مضى، متجاهلا التحولات الجذرية للعالم المعاصر. وبدت نبرته متكلفة وهو يروج لوضع «اللاجئين الصحراويين» فوق التراب الجزائري منذ عقود، في مسعى لحجب الاستغلال الجيوسياسي لساكنة محتجزة داخل مخيمات تندوف، ومحرومة عمدا من الإحصاء الشفاف، بعدما تحولت معاناتها إلى سجل تجاري توظفه الدبلوماسية الجزائرية.

وفي هذا الإطار، يفضح التشدق بمفاهيم تقرير المصير، بالتزامن مع محاصرة أي رغبة في التعبير الحر ومنع التسجيل النظامي تحت إشراف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، حالة شيزوفرينيا سياسية حادة. ولم يعد الأسلوب الخطابي لعطاف قادرا على تضليل الرأي العام الدولي، بل بات يعكس قلق نظام يشهد التهاوي المتواصل لأطروحاته.

مناورة التنصل من مسؤولية النزاع

وواصل رئيس الدبلوماسية الجزائرية الهروب إلى الأمام بمحاولة عزل بلاده عن جوهر النزاع، مقلصا دورها زورا إلى مجرد «ملاحظ متعاطف». ويعد هذا التوجه محاولة لتزييف الوقائع الميدانية، فالجزائر تتجاوز توصيف الجار، لكونها الصانع الفعلي، والممول المالي، والسجان الحصري، والظهير العسكري لجبهة «البوليساريو».

وعلى مدار عقود خلت، حاولت الجزائر التنصل من التزاماتها تحت مظلة الحياد الصوري، غير أن الواقعية السياسية التي أرستها القوى الدولية برعاية مشتركة بين واشنطن والأمم المتحدة، أرغمت النظام الجزائري على التراجع والجلوس إلى موائد الحوار المباشرة.

وتأكدت هذه المعطيات عبر محطات دبلوماسية مفصلية جرت تحت رقابة دولية دقيقة، على غرار محادثات مدريد واللقاءات التي رعتها واشنطن، مما كرس التدخل الجزائري المباشر كطرف أساسي لا محيد عنه لتسوية هذا الملف الإقليمي، ليغدو إنكار هذا الواقع من فوق منصة الأمم المتحدة هروبا مجردا من الحقيقة.

قفز مفضوح فوق القرار 2797

وبلغ التناقض مداه عندما لجأ عطاف إلى انتقائية مكشوفة في التعاطي مع الشرعية الدولية، متظاهرا بالاحتكام إلى قرارات الأمم المتحدة بينما يقفز عمدا فوق أحدث قرارات مجلس الأمن الدولي وأكثرها حسما.

وفي هذا السياق، اختار الوزير الجزائري تجاهل القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بأغلبية ساحقة، مقدما قراءة تبتعد عن المرجعية الأممية المعتمدة. فقد أكد القرار المذكور أسبقية مبادرة الحكم الذاتي المغربية واصفا إياها بالجدية والمصداقية، ومقلصا بصورة حاسمة حيز الطروحات المتجاوزة التي تلوكها الدبلوماسية الجزائرية.

ويعكس التشبث بقوالب تنتمي إلى القرن الماضي احتراما انتقائيا للشرعية الأممية، ينتهي متى تعارضت خلاصاتها مع الطروحات الجزائرية، مما يكرس عزلة الجزائر عن الإجماع الدولي المساند لمغربية الصحراء.

ديمقراطية الصناديق تسقط وهم التمثيلية

ولم يتوقف التهافت عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى محاولة تثبيت فصيل مسلح متحصن بتندوف باعتباره «ممثلا وحيدا»، في وقت يواجه فيه هذا الكيان شبهات التصنيف كمنظمة إرهابية لدى الدوائر الأمريكية بفعل ارتباطاته الموثقة مع شبكات الساحل والصحراء والارتهان للأجندة الإيرانية.

ويتضمن القفز على إرادة الساكنة الحقيقية للأقاليم الجنوبية تجاهلا صارخا للميدان، فالصحراويون المغاربة يستقرون في أرضهم، ويسهمون بفاعلية في المسار التنموي لبلادهم، دون حاجة إلى دروس يمليها جهاز دبلوماسي مأزوم.

وجاء الرد القاطع من خلال صناديق الاقتراع خلال الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026؛ إذ شهدت الأقاليم الجنوبية للمملكة نسب مشاركة لافتة بلغت 77 في المائة بجهة العيون الساقية الحمراء، و61 في المائة بجهة الداخلة وادي الذهب، و53,48 في المائة بجهة كلميم واد نون، في مفارقة واضحة مع المعدل الوطني العام المحدد في 38,02 في المائة.

وتثبت هذه الأرقام تجذر الممارسة المؤسساتية الحرة في الصحراء المغربية حيث يختار المواطنون نوابهم عبر التنافس الديمقراطي، بعيدا عن سلطوية المخيمات المحكومة بمنطق السلاح.

ولا تشكل هذه الحركية استثناء عابرا، بل امتدادا لمسار انتخابي تصاعدي دشنته المنطقة منذ استحقاقات 2007، حين سجلت نسب تعبئة متقدمة بلغت 50 في المائة بالعيون و62 في المائة بالداخلة أمام معدل وطني وقف عند 37 في المائة. وتكرر المشهد ذاته في تشريعيات 2011 مع تسجيل 58,5 في المائة بوادي الذهب مقابل 45,4 في المائة وطنيا.

واستمر هذا الحضور المواطناتي في محطة 2016 بمعدل بلغ 57,2 في المائة بالعيون مقارنة بـ 42,3 في المائة وطنيا، قبل أن يتعزز الفارق في اقتراع 2021 بتسجيل العيون 66,94 في المائة والداخلة 58,30 في المائة، بينما توقفت النسبة الوطنية عند 50,18 في المائة.

ازدواجية الخطاب والتودد لواشنطن

تفقد خطابات النظام الجزائري مشروعيتها الأخلاقية أمام واقع الممارسات الميدانية؛ إذ لا يكتفي باحتضان حركة مسلحة، بل يخصص لها مليارات الدولارات المقتطعة من عائدات الطاقة، مجندا جهازه الخارجي لخوض مواجهة استنزافية ضد المغرب.

بيد أن المفارقة الأبرز تكمن في الجوانب غير المعلنة التي تفادى عطاف الخوض فيها، حيث تسعى قنوات بلاده خلف الكواليس إلى استمالة واشنطن بمختلف الوسائل، في محاولة للالتفاف على مسار الأحداث، رغم الوضوح الأمريكي التام في دعم الوحدة الترابية للمملكة المغربية.

وتتواتر الأدلة على هذا التقارب المضطرب، بدءا من تصريحات السفير الجزائري بواشنطن الذي رفع شعار «The sky is the limit» لإغراء المستثمرين والمسؤولين الأمريكيين بفرص اقتصادية متخيلة، مرورا بالترتيبات والمشاورات التي واكبت الزيارة الأخيرة للمبعوث مسعد بولس إلى الجزائر.

وكشفت مداخلة أحمد عطاف أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة ارتباك نظام يدور في حلقة مفرغة من الطروحات المتكلسة، محاولا مقاومة مد الدبلوماسية التنموية والقانونية التي رسخها المغرب. وتتحول مناورات الجزائر، القائمة على التشكيك في القرارات الأممية والتغاضي عن خيارات ساكنة الصحراء عبر صناديق الاقتراع والتودد غير المعلن لواشنطن، إلى مقاربة عديمة الجدوى؛ في وقت تمضي فيه قاطرة التنمية والاستقرار بالأقاليم الجنوبية بخطى ثابتة لا تعبأ بالخطب الاستعراضية.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 29/09/2026 على الساعة 13:15