الجزائر تحترق.. وسلطات النظام تنشغل بملاحقة «من أشعل النيران» بدل إطفائها

مواطنون جزائريون يتطوعون لإخماد النيران بينما سلطات النظام منشغلة بملاحقة من تعتقد أنهم وراء افتعال الحرائق المتواصلة

في 27/08/2026 على الساعة 17:01

فيديوبينما تلتهم النيران آلاف الهكتارات وتحاصر القرى والمداشر في 13 ولاية جزائرية، اختارت سلطات النظام العسكري الهروب مجددا إلى الأمام عبر استدعاء شماعة «الأيادي الخفية»، مفضلة إدارة معارك أمنية استعراضية على حساب تعبئة الإمكانات اللوجستية الميدانية لإخماد الجبهات الملتهبة وإنقاذ الأرواح المحاصرة بين ألسنة اللهب.

وبدل تكثيف الجهود لإخماد الحرائق التي تواصل الزحف فوق الأخضر واليابس، سارعت الأجهزة الأمنية والقضائية إلى توقيف 11 شخصا وإيداعهم الحبس المؤقت بتهمة «القيام بأعمال تخريبية وإتلاف الأملاك الغابوية»، في تكريس فج لسردية المؤامرة التي باتت العقيدة الثابتة للنظام منذ صيف 2021 لامتصاص الغضب الشعبي والتغطية على الفشل الهيكلي في التسيير الميداني، وعجز منظومة الإنذار المبكر عن حماية التجمعات السكنية الواقعة في خط النار.

كارثة ممتدة وحصيلة دموية ثقيلة

تحولت رقعة واسعة من ولايات الشمال والشرق الجزائري إلى حزام ناري مفتوح، مخلفة حصيلة دموية بلغت حتى الآن 12 حالة وفاة، حيث سجلت ولاية جيجل الحصيلة الأثقل بـ5 وفيات، تلتها بجاية بـ4 وفيات من بينها طفل يبلغ ثماني سنوات وشابة في ربيعها الثاني والعشرين بمنطقة ملبو وضحيتان في تامريجت وتوجة، بينما فجعت تيزي وزو بمصرع ثلاث نساء من عائلة واحدة في منطقة بونوح - بوغني، لترتفع الفاتورة الإجمالية لصيف 2026 إلى 18 قتيلا باحتساب ضحايا موجة يوليوز المنصرم.

وتثير الوضعية الصحية للمصابين قلقا بالغا مع إحصاء 54 جريحا في مستشفيات بجاية، من بينهم ست حالات حرجة ترقد تحت العناية الطبية المركزة، إضافة إلى أربعة مصابين في تيزي وزو.

وكشفت بيانات مصالح الحماية المدنية عن رصد 193 حريقا عبر التراب الجزائري بحدود زوال 27 غشت، أخمدت الفرق 147 منها، في حين واصلت 46 بؤرة نشطة قضم الغابات واقتحام الأحياء السكنية بعد ليلة مرعبة بلغت فيها البؤر المشتعلة ذروتها بتسجيل 159 حريقا متزامنا عند الثانية فجرا.

وتمركزت أشرس الحرائق في بجاية التي لا تزال تواجه 11 حريقا نشطا في درقينة، تاسكريوت، فناية الماثن، القصر، تامريجت، أوقاس، وتيشي، تليها جيجل بـ7 بؤر في زيامة منصورية، الشقفة، سيدي معروف، وتاكسنة، بالتزامن مع اشتعال 7 حرائق في سكيكدة بقطاعي تمالوس وأم الطوب، و5 حرائق في الطارف، إلى جانب بؤر أخرى في عنابة، قالمة، ميلة، تبسة، قسنطينة، تيسمسيلت، وسطيف.

وفرض هذا الحصار إجلاء عشرات العائلات قسرا في توجة وملبو، بينما اضطر سكان بلدة تادركونت التابعة لبرج ميرة إلى الاحتماء داخل مدرسة ومسجد، وسط مشاهد هلع وثقتها لقطات تظهر قرويين يحتمون بمكاتب بريدية تفاديا للاختناق بالدخان الكثيف، توازيا مع التهام النيران لمركز عطل تابع للمستشفى الجامعي لقسنطينة وتدمير مزارع وممتلكات فلاحية بأكملها.

تفكيك علمي يسقط سردية «المؤامرة»

أسقط الإعلامي الجزائري عبدو السمار السردية الرسمية عبر تفكيك علمي وميداني للأسباب الحقيقية لهاته الكارثة، مؤكدا أن اللجوء إلى نظرية المؤامرة وتصوير الأمر كأنه نتاج «عصابات إجرامية» يمثل تضليلا ممنهجا يتعارض مع المنطق؛ إذ يستحيل تفسير اشتعال مئات الحرائق المتزامنة عبر 13 ولاية بفرضية العمل الجنائي المنظم.

وأوضح السمار عبر قناته على يوتيوب أن بلوغ درجات الحرارة مستويات قياسية لامست 48 درجة مئوية في جيجل وبجاية وسكيكدة وعنابة لا يؤدي علميا إلى الاشتعال الذاتي للأشجار، لكنه يحول الغطاء النباتي والأحراش الجافة إلى «برميل بارود» شديد الحساسية تنخفض فيه الرطوبة وتتسارع داخله قابلية الاشتعال، بحيث تكفي شرارة عابرة لتفجير جبهات ممتدة.

وتتطابق هذه المعطيات مع اعترافات المدير العام للغابات، جمال طواهرية، الذي أكد أن الغالبية الساحقة من الحرائق تنجم عن الإهمال البشري والسلوكيات العشوائية، كرمي أعقاب السجائر، وإحراق الأراضي لتخصيبها، وانتشار المزابل الفوضوية على حواف الغابات، فضلا عن الشرارات الناتجة عن حوادث خطوط الضغط العالي الممتدة وسط الكتل الشجرية الكثيفة.

أين أسطول الطائرات الروسية؟

عرت الوقائع الفجوة الصادمة بين الخطاب الحكومي الذي تباهى طويلا باقتناء أسطول حديث من طائرات «بيريف» الروسية والمسيرات المتطورة، وبين العجز الميداني الفادح في التضاريس الجبلية المعقدة، ما يضع ملفات الإنفاق العمومي الموجه للوقاية المدنية وحماية الغابات في قفص الاتهام.

وفي هذا الإطار، كشف عبدو السمار عن «خلل بنيوي» يكمن في النقص العددي الحاد لفرق الإطفاء ومحدودية الثكنات والمراكز المتقدمة في المناطق الأكثر هشاشة؛ حيث تضطر شاحنات الإسعاف إلى قطع مسافات تتراوح بين 30 و40 كيلومترا للوصول إلى مواقع الاشتعال، ما يجعل التدخل ينطلق متأخرا بساعات عن مهد الحريق ويفسح المجال لتمدد النيران وصعوبة السيطرة عليها، ناهيك عن المجازفة بإقحام مجندين غير مدربين بأسلحة فردية لمواجهة ألسنة اللهب عوض نشر وحدات متخصصة ومجهزة تقنيا.

هشاشة بيئية مزمنة

يتضاعف الخطر جراء الفوضى العمرانية؛ حيث يقيم أزيد من 5 ملايين مواطن داخل الأوساط الغابوية أو بمحاذاتها مباشرة، في بنايات متفرقة ومتعددة الطوابق تفتقر لأحزمة الأمان، وترتبط بمسالك جبلية ضيقة تتحول فور هبوب الرياح إلى مصائد مغلقة تعزل السكان وتمنع وصول آليات الإنقاذ، تماما كما حدث في فاجعة صيف 2021.

تتقاطع هذه المعطيات مع هشاشة الغطاء الغابوي الجزائري الذي لا يتعدى 4.1 مليون هكتار بمعدل تجديد لا يتجاوز 2%، في ظل انعدام الصيانة الدورية وشق المسالك المائية ومصدات النيران، لتجد البلاد نفسها عاجزة أمام طوارئ مناخية متطرفة ضربت الحوض المتوسطي خلال شهر غشت، والتهمت ما تبقى من مساحات بعد خسارة أزيد من 1600 هكتار في شهر يوليوز المنصرم.

ويكشف هذا المشهد المأساوي أن المعضلة لا تكمن فقط في تقلبات المناخ، بل في بنية تدبيرية تفتقر للشفافية وتتجاهل التوصيات العلمية لبناء منظومة مرنة قادرة على الصمود، لتظل الجزائر تدور في حلقة مفرغة عنوانها التبرير بالمؤامرة واجترار الحداد مع كل صيف.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 27/08/2026 على الساعة 17:01