كزافيي دريانكور: مشروع جيوب «الأقدام السوداء» في الجزائر وجيبا سبتة ومليلية

كزافيي دريانكور

في 25/08/2026 على الساعة 16:00

مقال رأيعرض آلان بيرفيت (Alain Peyrefitte) على الجنرال شارل ديغول مقترحا يقضي بإنشاء جيبين رئيسيين في الجزائر العاصمة ووهران يظلان تحت السيادة الفرنسية، بمحاذاة جزائر مستقلة تخضع لإدارة «جبهة التحرير الوطني». كيف كان ليكون مجرى التاريخ لو قبل ديغول بمقترح بيرفيت؟ كانت فرنسا ستواجه، على غرار إسبانيا حاليا، عبء إدارة جيبين فرنسيين، هما الجزائر ووهران، في قلب دولة جزائرية تتسم العلاقات معها بالتوتر والتعقيد، في حين تذهب بعض القراءات الساخرة إلى القول إن عام 2026 يشهد، على النقيض من ذلك، تشكل جيوب جزائرية في مرسيليا.

أعادت السجالات الصيفية المحتدمة حول مدينة سبتة إلى الذاكرة ذلك المشروع غير المكتمل الذي طرحه ديغول إبان مفاوضات إيفيان المفضية إلى استقلال الجزائر، حين برز في مرحلة معينة خيار اختبار فرضية تقسيم الجزائر بغية ممارسة الضغط على «جبهة التحرير الوطني».

ويروي آلان بيرفيت في مذكراته «كان هو ديغول» أنه هو نفسه، حين كان نائبا شابا عن حزب «اتحاد الجمهورية الجديدة»، من روج للجنرال فكرة تجميع الأوروبيين في الجزائر داخل جيبين كبيرين يضمان العاصمة ووهران ويبقيان تابعين لفرنسا، إلى جانب جزائر مستقلة تسلم للجبهة.

وكان بيرفيت مدافعا، إن لم يكن عن «الجزائر الفرنسية»، فعلى الأقل عن صيغة تضمن مستقبلا لـ«الأقدام السوداء» والجزائريين الراغبين في الاحتفاظ بالجنسية الفرنسية؛ وهو الطرح الذي بسطه في مؤلف صادر عن دار «بلون» بعنوان «هل يجب تقسيم الجزائر؟»، وناقشه مباشرة مع ديغول خلال لقاء جمعهما.

«تمحورت الخطة حول تجميع الأوروبيين والجزائريين الموالين لفرنسا داخل جيبين في العاصمة ووهران تحت السيادة الفرنسية، بمحاذاة جزائر مستقلة تسلم لجبهة التحرير»

—  كزافيي دريانكور

وتمحورت خطته حول أربع ركائز أساسية:

- تجميع الفرنسيين والجزائريين الموالين لفرنسا داخل جيبين يحيطان بالجزائر العاصمة ووهران.

- ترحيل كل من يرغب في العيش تحت حكم «جبهة التحرير الوطني» نحو باقي التراب الجزائري.

- الاحتفاظ بمنفذ مباشر إلى الصحراء.

- تقسيم مدينة الجزائر العاصمة عبر خط فاصل، على غرار نموذجي برلين والقدس.

واجه ديغول هذا المقترح بتشكيك صريح بلغ حد الاستشهاد بالنموذج الإسرائيلي، حيث ينقل بيرفيت عن الجنرال قوله: «قال لي بن غوريون: لن ينجح هذا الأمر إلا إذا أرسلتم أعدادا غفيرة من المستوطنين ليستقروا نهائيا وينخرطوا كجنود في القتال. هل تتصورون ذلك؟ الأقدام السوداء يريدون من جيشنا أن يحميهم، لكنهم لم يشعروا يوما بالحاجة إلى الدفاع عن أنفسهم (...) إياكم والوقوع في الوهم، فلن تكون هناك شراكة سلمية، بل جوار عدائي (...) وإن الفصل بين شطري الجزائر سيتم بألم شديد، وسيتولى المتطرفون زمام الأمور: المسلمون الأكثر ثورية في الشرق، والأقدام السوداء الأكثر رجعية في الغرب. لن تنتهي الحرب وسننجر إليها رغما عنا».

ولم تفلح حجج آلان بيرفيت المتعددة وردوده على اعتراضات ديغول في تغيير موقفه، حتى حين جادل بأن التقسيم يتيح الاحتفاظ بجيبين يسهل الدفاع عنهما مقارنة بمساحة الجزائر الشاسعة البالغة ثلاثة ملايين كيلومتر مربع، وعرض خرائط تفصيلية تضم خمس فرضيات للجيوب المقترحة.

واختتم ديغول المحادثة بالطلب من بيرفيت الاحتفاظ بكتابه، الذي سمح له بنشره لاحقا، مع الامتناع عن ذكر فحوى الحوار مع رئيس الدولة، مشددا: «الشيء الوحيد الذي أطلبه منك هو عدم الإيحاء بأنني أؤيد هذا الحل».

وسرعان ما أُهملت فرضية الجيوب، وإن عاودت الظهور خلال مفاوضات إيفيان، وتحديدا في المباحثات الأخيرة بين ديغول ولويس جوكس، كورقة ضغط لم تحقق المرجو منها أمام وفد «جبهة التحرير الوطني».

ويبقى من الصعب مطابقة الجيوب الإسبانية بالجيوب التي تخيلها آلان بيرفيت؛ فالأوضاع مختلفة، وسكان سبتة ومليلية قد يستاؤون من مقارنتهم بـ«الأقدام السوداء» بداعي إقامتهم التاريخية الطويلة. غير أن استحضار هذه المحطة التاريخية يستهدف فتح نافذة على التاريخ الافتراضي: كيف كان سيبدو المشهد لو وافق ديغول على مقترح بيرفيت، وفاوض بشأنه في إيفيان، وقبلت به الجبهة ونُفذ ميدانيا؟

لو حدث ذلك لكانت باريس ملزمة اليوم، تماما مثل مدريد، بإدارة جيبين محاطين ببيئة جزائرية معقدة، في وقت تتندر فيه بعض القراءات بأن عام 2026 بات يشهد وجود جيوب جزائرية داخل مرسيليا.

ويبقى التاريخ في نهاية المطاف فصولا تتكرر بصيغ متجددة.

تحرير من طرف كزافيي دريانكور
في 25/08/2026 على الساعة 16:00