وفي هذا الصدد، كشف بيان صادر عن مصالح الوزارة الأولى أن هذا التعديل أتى بناء على تعليمات مباشرة من الرئيس عبد المجيد تبون، حيث تقرر تحديد جدول زمني جديد يفرض عودة الأطر الإدارية يوم 6 شتنبر، تليها هيئة التدريس في 13 شتنبر، على أن يلتحق التلاميذ بمقاعد الدراسة يوم 21 شتنبر.
وعلى إثر هذا القرار المباغت الذي جاء بعد أسبوع واحد فقط من تحديد المواعيد الأولى، سارعت النقابات والجمعيات الموالية للنظام إلى تسويق الخطاب الرسمي، مدعية أن التأجيل يمثل التفاتة مع التغيرات المناخية ومحاولة لترشيد استهلاك الطاقة وتفادي الضغط الناجم عن تشغيل المكيفات داخل المدارس.
غير أن هذا الطرح يبدو مستغربا بقدر ما يكشف حجم التردي الهيكلي الذي تعانيه البنية التحتية، إذ يجد بلد يزعم امتلاك الإمكانات الطاقية نفسه معجزا عن تبريد حجرات الدراسة خلال شهر شتنبر ومضطرا إلى شل المدارس لتفادي انهيار المنظومة الكهربائية، وهو ما يفضح التناقض الصارخ بين الممارسة الميدانية والخطاب الاستعراضي المنادي بلقب «القوة الإقليمية».
وعلى هذا النحو، يواصل النظام تسخير الإمكانات المالية للدعاية الخارجية والترويج لمشاريع الإنعاش الطاقي في القارة الأفريقية، متمثلا ذلك في إشرافه خلال شهر يونيو الماضي على افتتاح محطة حرارية بقدرة 40 ميغاوات في النيجر كمنحة جزائرية، بالتزامن مع إطلاق أشغال بناء محطة مماثلة بالتشاد بتمويل كامل من الخزينة الجزائرية.
وإلى جانب ذلك، تجري السلطات دراسات لإنجاز مشروع محطة ضخمة في الموزمبيق بقدرة 1000 ميغاوات، فضلا عن تزويد تونس بشحنات منتظمة تصل إلى 600 ميغاوات من الكهرباء.
وبالتزامن مع تسابق قصر المرادية إلى توزيع مئات الميغاوات على الجوار وسعيه لقطع خط الغاز المغاربي الأوروبي في رهان خائب لإغراق المغرب في الظلام، تداعت أركان الشبكة الوطنية الداخلية، حيث سجل الاستهلاك المحلي للكهرباء بتاريخ 13 يوليوز 2026 ذروة تاريخية غير مسبوقة بلغت 21.378 ميغاوات نتيجة الإقبال المكثف على التكييف المحلي مقارنة بـ 20.628 ميغاوات خلال سنة 2025.
انقطاع شامل للكهرباء
تبددت الشعارات الرسمية ليلة 14 إلى 15 يوليوز 2026 إثر وقوع انقطاع شامل وجسيم للتيار الكهربائي شل معظم الولايات، لتغرق مدن الجزائر العاصمة وقسنطينة وتيزي وزو والبويرة وجيجل في ظلام دامس، وتجد ملايين العائلات نفسها محاصرة بلهيب درجات حرارة تجاوزت 48 درجة مئوية ومحرومة من أجهزة التبريد والماء الشروب.
وللتغطية على هذا الارتباك، التفت الأجهزة الإعلامية الرسمية حول مبررات الارتفاع الحراري لتفسير الانقطاع، حيث عجزت شركة «سونلغاز» والحكومة عن تحديد الأسباب التقنية الدقيقة لهذا الشلل الشامل، الأمر الذي أبان عن تهالك البنية التحتية رغم ادعاءات ضخ استثمارات ضخمة.
وبناء عليه، تعكس سياسة الإنكار هذه اتساع الفجوة بين الادعاءات الإعلامية لنظام يقدم نفسه عملاقا للطاقة وبين الواقع الميداني لبلد يعجز عن ضمان الاستمرارية الكهربائية لمواطنيه.
وامتد العجز ليطال التوازنات الاقتصادية للبلاد، حيث أضحت السوق المحلية تلتهم نحو 54 إلى 55 في المائة من إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي الذي يعتمد عليه توليد أكثر من 99 في المائة من الكهرباء، مستقرا الاستهلاك الداخلي عند مستوى قياسي بلغت قيمته 57.27 مليار متر مكعب سنة 2025 لتتجاوز الشحنات الموجهة للاستهلاك المحلي لأول مرة حجم الصادرات الخارجي.
وترتب عن هذا التحول تراجع الصادرات نحو السوق الأوروبية إلى 45.7 مليار متر مكعب سنة 2025 مقارنة بـ 49.29 مليار متر مكعب خلال سنة 2024، ليدفع التلاميذ ثمن سوء التدبير في بلد «الذهب الأزرق» مع استمرار تعهدات الرئاسة بزيادة إمدادات الغاز إلى ألمانيا وإسبانيا، وهو ما يهدد بتقليص أوقات الدراسة مستقبلا.
ولا يعكس هذا الارتباك في الأجندة التعليمية واقعا جديدا بل يمثل تكرارا لسيناريوهات سابقة شهدتها السنة الدراسية 2023-2024، حيث تكررت حالة الغموض وانحباس الأنفاس قبل الإعلان عن تاريخ 19 شتنبر في وقت متأخر من مساء 4 شتنبر.
ونتيجة لهذا الغموض المتكرر، تعامل الشارع مع هذه التأجيلات بتندر واسع، مستحضرين العبارة السائدة: «الدخول المدرسي في الجزائر يشبه الولادة، نعرف الشهر ونجهل اليوم».
وتحجب هذه التبريرات المتضاربة معاناة صامتة تكابدها العائلات الجزائرية، حيث يواجه المواطنون واقعا معقدا يخيم عليه قبضة أمنية مشددة بالتزامن مع إعادة الرئاسة لتعديل أجندتها بقرارات فوقية.
وفي هذا الإطار، أضحى التعبير عن السخط أو توجيه الانتقادات بشأن ارتباك الدخول المدرسي أو انقطاعات الكهرباء ينطوي على مخاطر كبيرة، حيث تصنف السلطات أي موقف معارض في خانة «المساس بأمن الدولة» أو «تثبيط معنويات الجيش»، بينما أضحى تدوين تعليق ساخر أو منشور غاضب عبر شبكات التواصل الاجتماعي كفيلا بجر صاحبه إلى الاعتقال والمحاكمة والسجن بمؤسسة الحراش، وتقتصر حرية التعبير على الهيئات والمنظمات الدائرة في فلك السلطة والتي تتولى تقديم هذا التعثر المؤسساتي على أنه «حكمة رئاسية».
