المعطيات الواردة ضمن هذا البوح، تفضح وتؤكد، بالأدلة، أن جهات مرتبطة بأجهزة عسكرية جزائرية تقف وراء حملة رقمية استهدفت استقطاب شباب مغاربة، خصوصا القاصرين والمراهقين والعاطلين عن العمل، ودفعهم إلى محاولة الوصول إلى سبتة عبر البحر.
هذه الجهات، لم تبدأ تحركاتها مع اندلاع الأحداث، وإنما كانت تتابع، منذ أشهر، إمكانية استغلال أي ظرف ملائم لإطلاق دعوات للهجرة الجماعية نحو المدينة المحتلة. وكانت دعوات مماثلة قد ظهرت في مناسبات مختلفة، قبل أن تجد في الحكم القضائي الإسباني، الصادر أواخر يونيو الماضي، فرصة لتوسيع نطاق التحريض.
حكم قضائي يتحول إلى مادة للتحريض
يربط البوح بين موجة الهجرة الجماعية والحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية بشأن حدود تطبيق الإرجاع الفوري للمهاجرين غير النظاميين. فقد خلص الحكم إلى أن الإرجاع الفوري لا يمكن تطبيقه بالطريقة نفسها في الحدود البحرية كما هو الحال عند الحدود البرية، حيث توجد حواجز مادية يمكن الاستناد إليها في تنفيذ الإجراء. هذا المعطى القضائي، استُغل من قبل منصات رقمية تُدار من الجزائر لتسويق فكرة مفادها أن الطريق أصبح مفتوحا أمام الراغبين في الوصول إلى سبتة، بل والترويج لوعود مرتبطة بالحصول على الإقامة والعمل وحتى الجنسية الإسبانية.
هذه الرواية تجعل من الفضاء الرقمي عنصرا مركزيا في تفسير ما حدث، إذ لم يعد الأمر يتعلق فقط بأشخاص اتخذوا قرار الهجرة بشكل فردي، وإنما بحملات تحريض وتعبئة استهدفت فئات اجتماعية هشة وقابلة للتأثر بالوعود المرتبطة بالحياة في الضفة الأخرى.
ويذكر البوح بالاسم عددا من المنصات التي شاركت في تضخيم هذه الرسائل، من بينها «ALGERIA GATE» و«ALGERIA 24» و«MILITARY DZ» و«L’ARMÉE ÉLECTRONIQUE ALGÉRIENNE»، إلى جانب مؤثرين وحسابات أخرى، من بينهم جمرة، وألباسينو، ومصطفى بونيف، وحفصي أحمد المقيم في لندن، الذي تكفل، بوجه مكشوف، بالتنسيق، إضافة إلى مجموعة واتساب «HARGA CEUTA@MLILYA»، التي تديرها حسابات وهمية بأرقام مغربية غير مشغلة داخل المغرب.
ولا يقدم البوح هذه الجهات والمنصات باعتبارها مجرد صفحات تنقل الأخبار أو تتناول الأزمة، بل يضع نشاطها في إطار حملة منظمة هدفت إلى دفع المزيد من الشباب إلى محاولة العبور نحو سبتة.
من «غشت» إلى «أوت».. كيف تحولت لغة المنشورات إلى قرينة في رواية البوح؟
من أبرز العناصر التي يستند إليها أبو وائل الريفي لتحديد مصدر هذه الحملات: البصمة اللغوية، التي تكشف هوية أصحاب الحسابات.
ففي الوقت الذي يستعمل فيه المغاربة عادة تسمية «غشت» للشهر الثامن من السنة، يشير أبو وائل الريفي إلى ورود «أوت» أو «أغسطس» في بعض الدعوات، معتبرا ذلك مؤشرا لا ينسجم مع الاستعمال المغربي. ويضيف إلى ذلك استخدام مفردات ذات حمولة جزائرية، من بينها «الولايات»، وهي تسمية مرتبطة بالتقسيم الإداري الجزائري، بحسب ما يورده البوح، ليقدم هذه العناصر اللغوية ضمن جملة من المؤشرات التي يستند إليها، ليس فقط للتشكيك في مغربية الجهات التي تقف وراء تلك المنشورات، بل ليؤكد أن مصدرها هو: الجزائر تحديدا.
ويرى البوح أن اعتماد هذه المصطلحات في منشورات تزعم أنها صادرة عن مغاربة يمثل مؤشرا إضافيا على أن أصحابها ليسوا بالضرورة مغاربة، خصوصا عندما تقترن هذه اللغة بمفردات أخرى ذات حمولة إدارية أو سياسية مختلفة عن المعجم المغربي.
ويورد في هذا السياق استعمال كلمة «الولايات» في بعض الدعوات، وهي من المصطلحات المرتبطة بالتقسيم الإداري الجزائري، وليست الصيغة المعتمدة في المغرب.
من «الحريك» إلى الحسابات المنتحلة
ولا يقف بوح أبو وائل الريفي فقط عند المنصات التي تحمل أسماء مرتبطة بالجزائر، بل يتحدث أيضا عن صفحات استعملت الهوية البصرية لحركة GENZ212 من أجل نشر دعوات للاحتجاج والخروج إلى الشارع.
هذه الدعوات التي تضمنت مواعيد محددة للتحرك، سرعان ما تدخلت صفحات GENZ212 الحقيقية لنفي إصدارها لأي دعوة من هذا النوع.
وتطرح هذه الوقائع جانبا آخر من الحملة الرقمية التي استهدفت المغرب، يتعلق بحسابات وصفحات تنتحل هويات بصرية لجهات مغربية حقيقية، في محاولة لإضفاء المصداقية على رسائل ومواقف لا صلة لتلك الجهات بها.
إن بعض هذه الحسابات اختفت لاحقا من منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة للتنصل من آثار حملة رقمية بعدما انكشفت مضامينها، غير أن اختفاء الحسابات لا يعني بالضرورة اختفاء آثارها، فالمنشورات والحسابات والروابط تترك آثارا رقمية يمكن للجهات المختصة الرجوع إليها في إطار التحقيقات التقنية والقضائية. وهنا تبرز أهمية التمييز بين الموقف الحقيقي للجهات المغربية التي جرى انتحال هويتها وبين محتويات صادرة عن حسابات مزورة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمحاولات توظيف أسماء وشعارات مغربية لضرب صورة المملكة أو الزج بها في دعوات لا تمثلها.
من سبتة إلى محاولة إعادة إشعال الأزمة
الأخطر، وفق المعطيات الواردة في «بوح الأحد»، أن التحرك الرقمي لم يتوقف عند الدفع نحو موجة العبور الجماعي إلى سبتة، بل امتد إلى محاولة نقل التوتر إلى الداخل المغربي، عبر الدعوة إلى احتجاجات. وفي هذا السياق، تبرز منصتا «هيئة الجزائر» و«صوت الجزائر»، إلى جانب المؤثرين الجزائريين منصور قدور بنعطية وسمير دبقاوي، ضمن الجهات التي ساهمت في إعادة نشر الدعوة وتوسيع نطاق انتشارها.
لكن الرسالة الأبرز التي يطرحها البوح تتجاوز مجرد سؤال «من يقف خلف الحسابات؟» إلى سؤال أكبر: هل أصبحت الهجرة غير النظامية، بما تحمله من مخاطر إنسانية وأمنية، ورقة يمكن توظيفها في الصراع السياسي بين الدول؟
في حالة سبتة، تبدو الإجابة مرتبطة باستغلال لحظة قانونية وسياسية دقيقة، وتوجيه خطاب رقمي إلى شباب مغاربة، ثم محاولة إعادة توظيف الزخم نفسه في دعوات احتجاجية داخل المغرب.
وفي جميع الأحوال، فإن استهداف المغرب عبر شبكات رقمية مجهولة أو حسابات تنتحل هويات مغربية لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد لعبة افتراضية، حين تكون نتائجه على الأرض مرتبطة بسلامة مواطنين، وبينهم قاصرون وشباب دفعهم التضليل إلى خوض مغامرات محفوفة بالمخاطر. وإذا ثبتت الصلة بين هذه الشبكات وأجهزة الاستخبارات العسكرية الجزائرية، فإن الأمر لن يتعلق بمجرد حملة إلكترونية عابرة، بل بعمل عدائي يستغل هشاشة اجتماعية، تعاني منها بعض فئات المجتمعات في جميع الدول، ويحوّل الهجرة غير النظامية إلى أداة للمساس بأمن المغرب واستقراره.
وفي مواجهة هذه المحاولات العدائية، يملك المغرب كل الحق في حماية أمنه القومي وصون سلامة مواطنيه، وكشف الجهات التي تقف وراء هذه الحملات وملاحقتها بكل الوسائل القانونية والتقنية المتاحة، بعدما بات توظيف الهجرة واستغلال الشباب المغربي في أجندات معادية يتجاوز حدود المناورة الرقمية إلى استهداف مباشر لاستقرار المملكة وأمنها.
