وجاء اختيار هذه المنشأة السجنية بحكم موقعها كواحدة من المؤسسات العقابية الرئيسية في نطاق منطقة باريس الكبرى، بعيدا عن الشائعات المتداولة حول تصنيفها مركزا مخصصا حصرا للسجناء المصنفين ضمن خانة «الأكثر خطورة».
ويؤدي مجمع «فرين» وظائف سجنية متباينة تجمع بين التوقيف المؤقت، الاستقبال، والتقييم، إذ يضم دارا للتوقيف مخصصة للرجال وأخرى للنساء، ويستقبل المعتقلين احتياطيا والمدانين بعقوبات قصيرة، إلى جانب احتضان نزلاء في انتظار توجيههم نحو مؤسسات أخرى تبعا لوضعياتهم الجنائية.
وترتبط متاعب لمجرد بهذه القضية بوقائع جرت فصولها في أحد فنادق باريس خلال أكتوبر 2016، حيث اتهمته الشابة الفرنسية لورا بريول بالاعتداء الجنسي والعنف، ليدينه القضاء ابتدائيا عام 2023 بعقوبة سالبة للحرية مدتها ست سنوات، قبل أن تشدد محكمة الاستئناف الحكم وترفعه إلى عشر سنوات نافذة.
ويلاحق الفنان المغربي في ملف منفصل يعود إلى صيف 2018 بضواحي سان تروبيه، حيث نال حكما ابتدائيا بالحبس خمس سنوات، ما يزال موضوع طعن لدى الجهات القضائية المختصة.
اكتشف تفاصيل مجمع «فرين» المرعب
يقع المركز السجني «فرين» Centre pénitentiaire de Fresnes في إقليم فال دو مارن بالضاحية الجنوبية لباريس، وهو صرح عقابي شيد بين عامي 1895 و1898 بتصميم من المهندس هنري بوسيل بهدف تعويض سجون العاصمة المتهالكة آنذاك.
ودخل المرفق الخدمة فعليا في يوليوز 1898 معتمدا نمط «تلفون بول» الهندسي القائم على ممرات مركزية تنبثق منها أجنحة الزنازين، ليتحول هذا النمط لاحقا إلى نموذج عالمي في المعمار العقابي.
وتتوزع المنشأة على ثلاثة مبان مخصصة للرجال، وقسم للنساء، إلى جانب المستشفى الوطني المخصص لعلاج السجناء، والمركز الوطني للتقييم، ووحدات أخرى تنشط بنظام شبه الحرية.
وتعاني المؤسسة تاريخيا من ضغط الاكتظاظ؛ فرغم طاقتها الاستيعابية المحددة في 1300 سرير، تجاوزت نسب الإشغال في فترات عدة حاجز 200 في المئة، وسجلت المفتشية العامة لأماكن الحرمان من الحرية في أحدث تقاريرها نسبة إشغال بلغت 171 في المئة بدار توقيف الرجال، منبهة إلى استمرار تردي ظروف الإقامة والبنية التحتية.
ذاكرة معتقل المقاومة وتحديات الرقابة الحديثة
يحمل السجن حمولة تاريخية ورمزية كبرى؛ إذ تحول إبان الاحتلال النازي إلى معتقل للمقاومين الفرنسيين وأعضاء شبكات التجسس التابعة للحلفاء، وشهد حملات تعذيب وتصفيات على يد جهاز الغيستابو، قبل أن يتحول بعد التحرير إلى ساحة لمحاكمة المتعاونين مع نظام فيشي، ومسرح لآخر عمليات الإعدام بالمقصلة في باريس قبل إلغاء العقوبة مطلع الثمانينيات.
واستضافت زنازين المجمع، على امتداد عقود، شخصيات بارزة تنوعت بين قيادات الجريمة المنظمة، ورموز سياسية، وناشطين انفصاليين، ومشاهير من عوالم الأعمال والفنون واجهوا ملاحقات جزائية.
وتصنف الدوائر الأمنية الفرنسية «فرين» ضمن المؤسسات المشددة الحراسة في إيل دو فرانس، نظرا لوجود أجنحة خاصة برصد السجناء الخاضعين لمتابعة قضايا التطرف.
وتصطدم إدارة السجن في الوقت الراهن بمعضلات تهريب الممنوعات والهواتف بواسطة الطائرات المسيرة وإلقاء الطرود من خلف الأسوار، الأمر الذي دفع وزارة العدل الفرنسية لإطلاق أوراش لتحديث العزل الحراري والرفع من كفاءة المراقبة الإلكترونية دون الإخلال بخصوصية المعمار التراثي للمنشأة.
مسار لمجرد مع السجون الفرنسية
شكلت السجون الفرنسية محطات متكررة في مسار لمجرد القضائي منذ قرابة عقد من الزمن، موزعة بين فترات الحبس الاحتياطي وتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في حقه.
ودشن لمجرد هذا المسار في أكتوبر 2016 داخل سجن «فلوري ميروجيس» Fleury-Mérogis، أضخم مجمع سجني في أوروبا، وظل رهن الحبس الاحتياطي خلف أسواره إلى غاية أبريل 2017 إثر موافقة القضاء على تسريحه مؤقتا بسوار إلكتروني.
وتكرر المشهد في خريف 2018 إثر تهم جديدة في الجنوب الفرنسي، حيث تنقل رهن الاعتقال الاحتياطي بين سجن «دراغينيان» Draguignan ومركز «لوين» Luynes قرب إيكس أون بروفانس، ليغادرهما لاحقا مقابل كفالة مالية.
وأعادت محكمة الجنايات في باريس لمجرد إلى القضبان في فبراير 2023 بعد إدانته ابتدائيا بست سنوات، ليودع فورا في زنزانة انفرادية بسجن «لا سانتي» La Santé التاريخي بالدائرة الرابعة عشرة، وهو المكان الذي مكث فيه حتى نيله السراح المؤقت في أبريل من العام نفسه تمهيدا لمرحلة الاستئناف.
وحسمت محكمة الاستئناف في كريتيل المسار اليوم السبت 26 شتنبر 2026 بإصدار حكم مشدد بلغ عشر سنوات نافذة مع النفاذ العاجل، لتوجهه النيابة العامة مباشرة نحو سجن «فرين» لبدء قضاء العقوبة.

















