وعلى مدى أشهر طويلة، ظل الوجه الأكثر بروزا في تنظيم «نوكليو ناسيونال» مجرد شبح مجهول الهوية لا يستطيع أحد التعرف على ملامحه. وظل هذا الشخص يطل في المقاطع المصورة للمجموعة متدثرا بالسواد ومقنع الوجه، ليحاضر حول مفاهيم «العرق» و«الاسترداد» و«الغزو الأجنبي» و«الاستبدال الديمغرافي»، مكتفيا بتقديم نفسه تحت اسم «إيفان».
غير أن هذا القيادي المقنع قرر إسقاط قناعه وتجريد وجهه أمام عدسات الكاميرات خلال شهر يوليوز 2026. ليكشف عن هويته الحقيقية المتمثلة في «إيفان ريكو أوليفاريس»، وهو موظف إداري وابن مستشار جماعي سابق عن الحزب الشعبي، والمدبر التنفيذي الأول لمنظمة جعلت من السرية والجماليات شبه العسكرية علامتين فارقتين في أدبياتها.
وفي هذا الصدد، جاءت هذه الخطوة محسوبة بالتدقيق، إذ لم يقدم «إيفان ريكو» على خلع قناعه بغرض تخفيف حدة خطابه، بل لإعلان انتقال «نوكليو ناسيونال» نحو مرحلة تنظيمية جديدة. فبعد السيطرة على الشارع وصالات الألعاب الرياضية والشبكات الاجتماعية والوقفات المناهضة للهجرة، حان الوقت، وفق تعبيره، لاستغلال «أدوات النظام» والترشح للاستحقاقات الانتخابية.
وبالتزامن مع هذا التحول، ستواصل الجمعية نشاطها تحت مسمى «نوكليو ناسيونال»، بينما اتخذ الذراع السياسي المسجل للقتال الانتخابي اسما جديدا هو «نوفمبر ناسيونال». وتشير هذه التسمية مباشرة إلى احتجاجات نونبر 2023 أمام مقر حزب العمال الاشتراكي بشارع «فيراز» في مدريد، حيث شهد الموقع ولادة التنظيم.
وعليه، لا يعكس هذا المنعطف الانتخابي أي تغيير إيديولوجي، بل يمثل مجرد تطوير في الأساليب؛ إذ يسعى التكتل الذي وعد سابقا بمحاربة المنظومة من الشارع إلى تسخير المؤسسات التي يرفضها بغرض «تفجيرها من الداخل»، بحسب ما أوضحه قادة الحركة لقواعدهم.
«فيراز».. مختبر اليمين المتطرف
تأسست حركة «نوكليو ناسيونال» في أعقاب المظاهرات المناهضة لقانون العفو العام خلال خريف 2023 أمام مقر حزب العمال الاشتراكي بشارع «فيراز» في مدريد.
واستقطبت تلك التجمعات أنصار حزب «فوكس»، والكتائبيين، والنيونازيين، وراديكاليي مشجعي كرة القدم «الألتراس»، إلى جانب عناصر حركات يمينية متطرفة صغرى. وإثر تراجع زخم الحراك، حافظت الفصائل الأكثر راديكالية على قنوات التواصل التي نسجتها خلال تلك الليالي، لتشرع في التكتل تحت اسم «نوفمبر ناسيونال».
وفي هذا الصدد، أطلق التكتل نشاطه الميداني عبر تطبيق «تليغرام» خلال يناير 2024. ثم اختار يوم 14 أبريل لعقد أول إشهار علني له بمركز «إسباسيو أرديمانس» بمدريد، وهو المقر المستعمل من طرف حركة «الفالانخي».
وحمل اختيار هذا التاريخ الموازي لذكرى إعلان الجمهورية الثانية طابعا استفزازيا صريحا. وخلال هذا اللقاء، أعلن القائد المقنع، الذي اتضح لاحقا أنه «إيفان ريكو»، مسعاه لجمع «الفرانكويين والفالانخيين والاشتراكيين القوميين» تحت مظلة واحدة، وهو المصطلح الأخير الذي يقصد به النازيون بوضوح.
وبناء على ذلك، تحولت المنظمة الوليدة إلى نقطة استقطاب لأعضاء سابقين في حركات «باستيون فرونتال»، و«ديموكراسيا ناسيونال»، و«سكين مونكلوا»، و«إلتراس سور»، فضلا عن نشطاء قادمين من أوساط الكتائبيين. كما شغل التنظيم جزءا من الفراغ الذي خلفه تراجع حركة «أوغار سوسيال مدريد».
وفي هذا السياق، رفد القيدومون الحركة بخبرتهم في التنظيم الميداني، بينما ضخ قدماء «باستيون فرونتال» عنصر الشباب والتمكن من المنصات الرقمية، في حين جلب «الإلتراس» ثقافة تقوم على القوة الجسدية والمواجهة الميدانية.
وبحلول غشت 2024، حصلت «نوكليو ناسيونال» على التسجيل الرسمي في السجل الوطني للجمعيات بصفة منظمة «مدنية سياسية»، فاتخذت مقرا لها بمدينة «بلد الوليد» ارتبط تاريخيا بحزب «ديموكراسيا ناسيونال».
وتثبيتا لهذا الوضع القانوني، تمكن التنظيم من تحصيل الاشتراكات المالية، وبيع المنتجات الترويجية، واستئجار القاعات، وتنظيم الأنشطة الميدانية. وفي المقابل، شرعت عناصر الحرس المدني في افتحاص عدد من المقاطع المصورة والتصريحات الصادرة عنه للاشتباه في انطوائها على جرائم حقد وكراهية.
ومع ذلك، سعت الحركة إلى التبرؤ من الصورة النمطية المرتبطة بـ«حليقي الرؤوس» أو المتعصبين الرياضيين. إذ ألبست النيونازية التقليدية، القائمة على الرؤوس المحلوقة والحانات المشبوهة والعصابات المنعزلة، حلة جديدة أكثر إتقانا، شملت الأزياء السوداء، والمقاطع المصورة الموضبة باحترافية، وإدارة صالات الرياضة، ونوادي القراءة، والبودكاست، وقنوات «تليغرام»، والمنتجات التجارية. وعليه، لم تتغير المادة الإيديولوجية في جوهرها، بل شمل التحديث أسلوب التسويق والعرض فقط.
«الأخوان ريكو».. السلطة القابعة خلف القناع
يقود «إيفان ريكو أوليفاريس» الواجهة السياسية لتنظيم «نوكليو ناسيونال» بصفته الناطق الرسمي باسمه. وظل الرجل متواريا خلف القماش طوال المرحلة الأولى من إطلاق الحركة، مراهنا على اللثام لترسيخ هيبة ترهيبية وتفادي الرصد أمنيا وإعلاميا.
وفي هذا الصدد، تناقضت استراتيجية التستر الميداني مع حضور مكثف على الشبكة العنكبوتية. إذ توالى بث خطابات القيادي عبر مقاطع مصورة قصيرة تمزج الموسيقى الحماسية بمشاهد التدريبات البدنية واستعراضات النشطاء المتدثرين بالسواد.
بالتزامن مع ذلك، يؤدي شقيقه «دافيد ريكو أوليفاريس» دورا أقل ظهورا لكنه حاسم في آلة الدعاية التابعة للمجموعة. ويشرف «دافيد» على الاستراتيجية الرقمية وتدفق المحتوى الإعلامي، فيما تؤكد معطيات أمنية نقلتها صحيفة «إل بايس» استقرار الشقيقين ببلدية تابعة لإقليم غوادالاخارا المحاذي لمدريد.
وإثر خلع القناع علنا، أعلن «إيفان» رسميا انتقال حركته من ضفاف التنظيم الهامشي إلى معترك الاستحقاقات الانتخابية. فقد بات من المستحيل عمليا تقديم الترشيحات، وإجراء المقابلات الإعلامية، وإدارة الحملات الانتخابية مع الحفاظ على شخصية المجهول المقنع.
وفي سياق متصل، رد «ريكو» بابتسامة حافلة بالتحدي حين سألته صحفية من قناة «لا سيكستا» عن موقفه من وصمه بـ«العنصري»، قائلا: «هذا الوصف يلائمني تماما». ثم أردف بوضوح أكبر أمام أنصاره: «نحن عنصريون أو أصحاب عقيدة عرقية». وهي التفرقة المفهومية التي يروم من خلالها إضفاء لبوس إيديولوجي على تنظيم يقسم البشر وفق تراتبية قائمة على الأصول العرقية.
«إنريكي ليموس».. القيادي الخبير بخبايا التكتلات
برز اسم «إنريكي ليموس سانشيز» كطرف ثالث لا محيد عنه في المعادلة القيادية للتنظيم. وينحدر «ليموس»، وهو الأكبر سنا مقارنة بالشقيقين «ريكو»، من صفوف حزب «ديموكراسيا ناسيونال»، الذي يشكل إحدى المكونات التاريخية لليمين المتطرف الإسباني خارج المؤسسة البرلمانية.
وفي هذا الصدد، يتجاوز ثقل الرجل حدود الدعاية الرقمية ليرتكز على خبرته الميدانية في التدبير الداخلي للهيئات السياسية. إذ يمتلك دراية واسعة بالدهاليز الحزبية، والمساطر الإدارية، وقواعد تسيير الجمعيات وتأسيس الفروع الترابية، ليلعب دور الجسر الرابط بين اليمين المتطرف التقليدي لحقبة التسعينيات والجيل الجديد المتشكل سياسيا عبر منصات «تليغرام» و«يوتيوب» و«تيك توك».
وبناء على هذه الخبرة، تولى «ليموس» يوم 10 فبراير 2026 الإشراف المباشر على تسجيل حزب «نوفمبر ناسيونال» بالسجل الرسمي للأحزاب السياسية التابع لوزارة الداخلية الإسبانية. وأُدرج اسمه كرئيس لهذا المولود السياسي الجديد ذي الامتداد الوطني، متخذا العناوين ذاتها بمدينة «بلد الوليد» مقرا له بالتوازي مع تنظيم «نوكليو ناسيونال».
وعمليا، يواصل «إيفان ريكو» أداء دور الواجهة القيادية الأكثر بروزا أمام وسائل الإعلام، في حين يكرس «ليموس» خبرته لصياغة الهيكل القانوني والسياسي الكفيل بنقل الحركة من مربع الشارع إلى معترك العمل الحزبي.
بالتزامن مع ذلك، تتحرك في فلك هذا الثلاثي عناصر دعائية أخرى، من بينها المغني النيونازي «ألبرتو بوجيلاتو» وصانع المحتوى «دافيد سانتوس». إذ يتولى الطرفان إعادة إشعاع أنشطة التكتل وتعميم مضامين خطابه لدى شرائح جماهيرية واسعة تتجاوز الدوائر التنظيمية التقليدية.
«إيزابيل ميدينا بيرالتا».. الواجهة الأكثر شهرة في الأوساط النيونازية
إذا كان «إيفان ريكو» يمثل الإدارة التنفيذية لتنظيم «نوكليو ناسيونال»، فإن «إيزابيل ميدينا بيرالتا» تشكل الواجهة الأكثر شهرة وانتشارا خارج القواعد التنظيمية.
وفي هذا الصدد، برز اسم «بيرالتا» في فبراير 2021 إثر إلقائها خطابات معادية للسامية خلال مسيرة لتكريم فرقة «ديفيزيون أزول» بمقبرة «الآلمودينا» بمدريد، وهي لم تتجاوز آنذاك سن الثامنة عشرة. إذ حمّلت «اليهود» المسؤولية عن مختلف الأزمات الاجتماعية، ليتحول حديثها إلى وثيقة مرجعية داخل أوساط النيونازية الإسبانية.
وبناء على ذلك، انتقلت من النشاط في صفوف «الفالانخي» إلى المشاركة في تأسيس حركة «باستيون فرونتال»، قبل أن تتجه نحو ألمانيا للتدرب داخل حزب «دير دريته فيغ» النيونازي الخاضع لمراقبة الأجهزة الأمنية. غير أن السلطات الألمانية منعتها من دخول أراضيها سنة 2022 إثر العثور على علم نازي داخل أمتعتها، وهو الرمز المحظور قانونا هناك.
وعقب تفكك تكتل «باستيون فرونتال»، حاولت «بيرالتا» إطلاق مجموعة «سيكسيون دي أسالطو» المستلهمة من تنظيمات يمينية أوروبية. وخلال مظاهرات «فيراز» سنة 2023، اعتلت مظلة موقف حافلات لتؤدي التحية النازية، متلقية استهجانا حادا حتى من المتظاهرين المحافظين أنفسهم، في مشهد كشف حدود قبولها داخل أوساط الحراك المناهض للحكومة.
وفي أبريل 2025، قضت محكمة الاستئناف بمدريد بإدانتها بالسجن لمدة سنة واحدة، وغرامة ستة أشهر، والحرمان من الترشح لمدة سنة بتهمة التحريض على الكراهية. وتعود تفاصيل القضية إلى وقفة غير مرخصة أقيمت يوم 18 ماي 2021 أمام سفارة المملكة المغربية بمدريد.
وخلال تلك التظاهرة المنظمة بالتزامن مع أزمة الهجرة بسبتة المحتلة، هاجمت «بيرالتا» ما سمته «الاستبدال العرقي»، مرددة شعارات تتضمن «الموت للغزاة». وقضت المحكمة بأن تصريحاتها تجاوزت حدود إبداء الرأي حول الهجرة لتشكل تحريضا صريحا على العنف ضد المغاربة والمسلمين.
وفي يوليوز 2026، أيدت المحكمة العليا للعدالة بمدريد الحكم الصادر بحقها. فردت «بيرالتا» بتمزيق نسخة من القرار القضائي أمام عدسات الكاميرات، معيدة أداء التحية النازية مجددا أمام مقر السفارة المغربية بمدريد. ليمنح حضورها في قيادة «نوكليو ناسيونال» زخما إعلاميا مضاعفا ويربط الحركة بشبكات خارجية، مدعما خطها المعادي للمغرب باعتباره الموجه الأساسي لمسارها.
«المجاهرة بالنازية».. عقيدة صريحة دون تجميل
تُجاهر «إيزابيل ميدينا بيرالتا» بانتسابها الصريح إلى الاشتراكية القومية. وعلى الرغم من أن المصطلح قد يبدو توليفة مطاطة بين القومية والاشتراكية، فإنه لا يحتمل أي غموض؛ فالاشتراكية القومية هي الاسم الكامل للإيديولوجيا النازية التي أرسى دعائمها أدولف هتلر، والمبنية على الاستعلاء العرقي، ومعاداة السامية، والسلطوية، وإخضاع الفرد لمجموعة محددة بالدم والأصل.
وفي هذا الصدد، لا يشكل هذا الانتماء لدى «بيرالتا» مجرد ملصق استفزازي عابر. إذ لا تدع خطاباتها المعادية للسامية، وإعجابها بألمانيا الهتلرية، وتدريبها داخل حزب «دير دريته فيغ» النيونازي الألماني، وأداؤها المتكرر للتحية النازية، أي مجال للتأويل.
كما لا يسعى تنظيم «نوكليو ناسيونال» بدوره إلى التستر على هذا النهج؛ فقد أعلن «إيفان ريكو» خلال إشهار الحركة رغبته في حشد «الفرانكويين والفالانخيين والاشتراكيين القوميين»، بينما كان أحد النشطاء أكثر تصريحا بقوله: «نازيون وفاشيون؟ بطبيعة الحال، نحن كذلك!».
وبناء على ذلك، تنعكس هذه الإيديولوجيا في برنامج يجعل من الانتماء العرقي ركيزة وجود الدولة. إذ يقدم التنظيم «الدفاع عن العرق» باعتباره «العمود الفقري» للشعب، محرضا على تشجيع الولادات بين الإسبان ومطالبا برفض المجتمع المتعدد الثقافات. كما يروج قادة الحركة لنظرية المؤامرة المسماة «الاستبدال الكبير»، والتي تزعم تعمد نخب معينة تشجيع الهجرة لإحلال أعداد بشرية جديدة محل الشعوب الأوروبية.
وإثر ذلك، يطرح التنظيم مقترح «إعادة الهجرة»، وهو تلميح ملطف يتجاوز حدود ترحيل الأشخاص في وضعية غير نظامية. إذ يستهدف المقترح أيضا المهاجرين المستقرين بصفة قانونية، بل وحتى المواطنين الإسبان من أصول أجنبية الذين ترى الحركة صعوبة استيعابهم عرقيا. فبالنسبة لـ«نوكليو ناسيونال»، لا ترتبط المواطنة بالجنسية أو بمكان الولادة، بل تظل مشروطة بالنسب والأصول السلالية.
وفي سياق متصل، تنضاف إلى هذا الأساس العرقي مكونات أخرى تتمثل في معاداة السامية، ومناهضة النسوية، ورفض حقوق أفراد مجتمع الميم، ومعارضة الإجهاض والموت الرحيم، والتنقيح التاريخي للإرث الفرانكوي، والإعجاب بمختلف الحركات الفاشية الأوروبية. ورغم نجاح المنظمة في تحديث واجهتها واستعدادها لخوض غمار الاستحقاقات الانتخابية، فإن هذا التجديد الشكلي والوضع الحزبي الجديد لا يغيران من جوهر أفكارها. فخلف الغلاف الانتخابي البراق، تكمن عقيدة يصر قادتها على تسميتها باسمها الصريح: الاشتراكية القومية.
«إيل نيدو».. وكر التنظيم ومركز الاستقطاب
يشكل الرهان على بناء مجتمع مغلق يتجاوز أطر النضال السياسي التقليدي أحد المرتكزات الحساسة في توسع حركة «نوكليو ناسيونال». إذ يمتد مقرها المادريدي الواقع بحي «لاس تابلاس»، والمسمى «إيل نيدو» (العش)، على مساحة تناهز 530 مترا مربعا، مشتملا على قاعة للرياضة، ومكتبة، وقاعة للمؤتمرات، وشرفة، ومقصف، فضلا عن جناح مخصص لبيع القمصان والأساور والمنتجات الترويجية. وفي هذا السياق، كشف تقرير ميداني نشرته صحيفة «إل بايس» عن تعليق صورة صريحة لأدولف هتلر داخل مكتبة المقر.
وبناء على ذلك، لا تمثل القاعة الرياضية مجرد مرفق ثانوي داخل المقر؛ إذ تحتل الجاهزية البدنية وفنون القتال المباشر مكانا محوريا في الأدبيات الثقافية للحركة. ويروج قياديو التنظيم للجسد الانضباطي باعتباره مجازا بصريا للأمة التي يسعون لبنائها: أمة قوية، متجانسة، ذكورية، ومستعدة دائما للمواجهة الميدانية.
وفي سياق متصل، أوضحت «إيزابيل بيرالتا» أن الغاية تكمن في صناعة مجتمع من «الرجال الخارقين» المستعدين للموت في سبيل الوطن والرفاق. وبموجب هذا التصور، يتوجب على الناشط المثالي الجمع بين الدراسة، والعمل، والتدريب البدني، مع إخضاع حياته الشخصية بالكامل لخدمة أهداف الجماعة.
توازيا مع ذلك، تُسخر نوادي القراءة لإضفاء طابع فكري على أطروحات الحركة، حيث تجري مدارسة نصوص كتائبية وفرانكوية واشتراكية قومية. بل إن «بيرالتا» ذهبت إلى حد اقتراح قراءة بعض الكتب التي سبق للنظام الهتلري أن أمر بإحراقها، برغبة التعمق في أسباب حظرها.
وإثر هذا التنشيط الميداني، تنشط آلة إعلامية رقمية عالية الفعالية؛ إذ تتميز المقاطع المصورة للتنظيم بإخراج فني دقيق يعتمد اللقطات القريبة، والموسيقى العسكرية، والزي الموحد، ومشاهد التدريبات القاسية، والرسائل المقتضبة. ولا يروم هذا الخطاب الإقناع عبر برامج سياسية مطولة، بل يهدف إلى غرس هوية مشتركة، وإيحاء بالقوة، وشعور بالانتماء التكتلي.
وبحلول نونبر 2025، قدرت معطيات استخباراتية صادرة عن الشرطة عدد المنتسبين لـ«نوكليو ناسيونال» بنحو 1500 عضو، غالبيتهم من الشباب الذين يؤدون اشتراكا شهريا قدره عشرة أورو، رغم تعذر التحقق المستقل من هذا الرقم. وإلى جانب الاشتراكات، يستمد التنظيم مداخيله من التبرعات، وحملات التمويل الجماعي، ومبيعات الملابس والإكسسوارات، علما أن بعض القمصان تحمل رموزا مشفرة تحيل على النازية، وتفوق العرق الأبيض، والمحرقة.
بالتزامن مع ذلك، يتجاوز توظيف المنتجات التجارية غاية التمويل الهيكلي، ليتيح للأنصار إشهار هوية جماعية دون الحاجة إلى استخدام رموز نازية صريحة قد تجر عليهم ملاحقات قضائية أو رفضا مجتمعيا.
ورغم افتتاح التنظيم لفروع بمدن مدريد، وبلد الوليد، وبرشلونة، وإعلانه النية للاستقرار بأستورياس، وماربيا، ومدن أخرى، تظل هناك فجوة شاسعة بين أعداد المتابعين على المنصات الرقمية، والأعضاء المصرح بهم، والقدرة الحقيقية على التعبئة الميدانية؛ إذ لا تتعدى الحشود في مظاهراته الرئيسية ما بين 150 و200 شخص، باستثناء الأنشطة المشتركة مع تنظيمات حليفة.
المغرب.. العدو المستهدف في أيديولوجيا التنظيم
يحتل المغرب موقعا استثنائيا داخل المخيال العرقي لتنظيم «نوكليو ناسيونال». إذ لا تكتفي الحركة بتصنيفه مجرد بلد أصل لنسبة من المهاجرين المستقرين بإسبانيا، بل تطرحه كخصم مباشر يستهدف الشعب الإسباني عن قصد. وعليه، يتماهى رفض المهاجر المغربي داخل أدبيات المجموعة مع العداء الصريح للإسلام.
وفي هذا الصدد، اختزل التنظيم موقفه في صيغة جازمة تعكس الراديكالية المباشرة: «المغرب هو عدونا». وخلال أزمة الهجرة الأخيرة، أعلن «إيفان ريكو» أمام سفارة المملكة بمدريد أن «سبتة تعرضت للغزو»، متعمدا تقديم تدفق المهاجرين كـ«تدريب عام تصدره الحكومة المغربية» تمهيدا لعملية مستقبلية تستهدف مدينتي سبتة ومليلية.
وبناء على هذا الخطاب، يتعمد التنظيم طمس الفوارق بين الدولة المغربية، وشبكات التهريب، وآلاف الشباب الراغبين في العبور، حاشرا الجميع داخل خانة التهديد الموحد؛ ليتحول المهاجر المغربي في منطق الحركة من مجرد عابر للحدود إلى طليعة لمشروع سياسي وديمغرافي.
توازيا مع ذلك، يمتد هذا العداء ليشمل المغاربة المقيمين بصفة قانونية داخل إسبانيا. فوفق التصور العرقي للأمة الذي تتبناه الحركة، لا يشكل الحصول على الجنسية أو الولادة فوق التراب الإسباني معيارا كافيا لاكتساب المواطنة. وإثر هذا الطرح المتطرف، تمزج شعارات التنظيم بين المطالبة بـ«الترحيل الجبري» ودعوات أكثر تصريحا تسعى لإبعاد كافة المغاربة عن البلاد.
وبناء على ذلك، شكلت أزمة سبتة فرصة للتنظيم لترجمة هذه الأدبيات إلى تحركات ميدانية متسارعة. ففي 31 يوليوز، احتشد عناصر «نوكليو ناسيونال» أمام السفارة المغربية بمدريد، حيث أقدمت «إيزابيل ميدينا بيرالتا» على تمزيق القرار القضائي المؤيد لإدانتها بتهمة التحريض على العنف ضد المغاربة والمسلمين.
وعقب ذلك، أدت «بيرالتا» التحية النازية علنا وسط هتافات المؤيدين. وفي اليوم الموالي، توجهت جماعة من النشطاء بقيادة «إيفان ريكو» نحو مدينة سبتة لمواصلة التصعيد الميداني.
غير أن هذه المحاولة انتهت بنتيجة معاكسة لاستعراض القوة المأمول. ففور وصول العناصر إلى الميناء، تصدى لهم سكان محليون واتهموهم باستغلال الأزمة لنشر بذور الكراهية. الأمر الذي دفع الشرطة الوطنية الإسبانية للتدخل ومواكبتهم أمنيا، ليغادروا المدينة دون القدرة على تنظيم التجمعات المخطط لها.
كما شهدت الواقعة رفض أحد النشطاء المقنعين كشف وجهه مخافة التعرف على هويته في مقر عمله، في مشهد أظهر الفجوة بين حدة الخطاب الميداني والقدرة على تحمل تبعاته القانونية والشخصية.
وفي سياق متصل، يعكس حضور «إيزابيل بيرالتا» استمرارية هذا الهوس المناهض للمغرب داخل أدبيات اليمين المتطرف. ففي ماي 2021، وقبل تأسيس تنظيم «نوكليو ناسيونال»، استغلت «بيرالتا» أزمة هجرة سابقة بسبتة للتنديد أمام السفارة المغربية بما سمته «استبدالا عرقيا غير مسبوق»، مرددة شعارات مناهضة.
ورغم إدانتها القضائية لاحقا، عادت بعد خمس سنوات إلى الموقع ذاته بالخطاب نفسه. بل إنها حاولت في إحدى إطلالاتها الرقمية الأخيرة نفي تهمة «الإسلاموفوبيا» بعبارة كشفت عمق أطروحتها حين قالت: «لست مصابة بالإسلاموفوبيا، مشكلتي المباشرة هي مع المغاربة».
وبناء على هذه المعطيات، لا يمثل المغرب الخصم الوحيد في أدبيات «نوكليو ناسيونال»، لكنه يشكل النقطة المحورية التي تجتمع عندها كافة الهواجس العقائدية للتنظيم: العرق، والهجرة، والإسلام، والتراب الوطني، والتراجع الحضاري. وبذلك، يُستغل كل خلاف دبلوماسي أو تدفق للهجرة لتغذية السردية ذاتها حول إسبانيا المهددة من الداخل والمحاصرة من الجنوب.
وعليه، لا يتعلق الأمر بملف الهجرة بصفة عامة، بل بخطاب موجه ضد المغرب تحديدا، تنتقل أطروحاته من المنصات الرقمية لتقود الفعل الميداني في الشارع.
خطر التطبيع.. الفاشية تتسلل إلى المؤسسات
يفتح الاقتحام الانتخابي آفاقا جديدة أمام تنظيم «نوكليو ناسيونال» لتوسيع دائرة نفوذه خارج حدود الشارع والمنصات الرقمية.
فباستغلال لافتة «نوفمبر ناسيونال»، يكتسب التكتل فرصة تقديم المرشحين، واقتحام المساحات الدعائية، وإسباغ لبوس الشرعية المؤسساتية على مشروع ينبني بالكامل على الاستعلاء العرقي وتقويض المسار الديمقراطي.
وفي هذا الصدد، ورغم التقديرات الميدانية التي ترجح استبعاد حصد التكتل لمقاعد برلمانية، فإن قدرته التأثيرية تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة.
إذ تتيح له هذه الخطوة استقطاب مجندين جدد، وضخ تدفقات مالية، وفرض مفاهيمه المعجمية داخل النقاش العمومي، فضلا عن جر تنظيمات متطرفة أخرى نحو مزيد من الراديكالية.
وبناء على ذلك، أضحت مفاهيم كانت محصورة إلى وقت قريب داخل الأوساط النيونازية المغلقة، من قبيل «إعادة الهجرة» و«الاستبدال العرقي»، تتسلل كطروحات قابلة للنقاش داخل السجال السياسي.
وعليه، يكمن الخطر الحقيقي في مسار التطبيع الذي لا يغير الجوهر العقائدي لتنظيم «نوكليو ناسيونال»، بقدر ما يمنحه فرصة التخلص من صورة المجموعة الهامشية.
فعندما تتحول العنصرية إلى «عقيدة عرقية»، والطرد الجماعي إلى «إعادة هجرة»، وتغدو النيونازية مجرد ترشح انتخابي عادي، ينحصر التغيير في الواجهة التسويقية فقط، بينما يظل المشروع الفاشي كاملا دون أدنى مساس.
