يبدأ المشهد السريالي من داخل مطبخ جزائري بسيط؛ حيث تُسلق حبات البطاطس وتُهرس بعناية فائقة، قبل أن تُخلط بملعقة من مسحوقي الحليب والسكر وقطرات من مستخلص «عطر الموز» الصناعي وقليل من الملونات الغذائية، لتُسكب العجينة داخل قوالب سيليكون وتودع الثلاجة أملا في منح الأطفال وهما بصريا ومذاقيا يعوض فاكهة غابت تماما عن الموائد. هكذا حولت دبلوماسية النظام العسكري الجزائري المعارك الإقليمية إلى كتاب طبخ غرائبي يجبر العائلات على ابتكار فاكهة اصطناعية، بعدما أفضى خلط الحسابات السياسية بالتدبير الاقتصادي إلى معاقبة المواطنين قبل عواصم العالم.
وتكتمل تراجيديا هذا الابتكار الشعبي حين يكتشف المواطن المغلوب على أمره عجز خياله حتى عن إتمام حيلته المطبخية؛ فمكونات التمويه الغذائي نفسها، وفي مقدمتها البطاطس والحليب، أضحت سلعا شحيحة تتطلب خوض معارك يومية في طوابير التموين الطويلة.
وتكشف هذه الظاهرة، التي اجتاحت الفضاء الرقمي تحت مسمى «بنان البطاطا»، عن حجم الهوة السحيقة بين شعارات القوة الضاربة والواقع المعيشي المتردي، حيث غدا الالتفاف على الحرمان مسرحا لسخرية سوداء تفضح هشاشة الأمن الغذائي أمام القرارات الارتجالية.
«حبة بنان» بسعر آيفون
لم تكن هذه الندرة الخانقة وليدة جفاف مفاجئ أو تعثر في مسالك الشحن البحري، بل نتاجا مباشرا لنهج دبلوماسي مأزوم وظف لقمة العيش ورقة ضغط سياسي فاشلة. فبمجرد أن عدلت دول في أمريكا اللاتينية، وفي طليعتها الإكوادور والأوروغواي، بوصلتها نحو الواقعية الدولية وأيدت مغربية الصحراء، سارع النظام الجزائري إلى إشهار سلاح العقاب التجاري عبر الوقف الفوري لاستيراد الفاكهة الصفراء، متوهما قدرته على ابتزاز مواقف الدول السيادية عبر إغلاق الموانئ.
ارتدت هذه المناورة الدبلوماسية المعطوبة صفعة مباشرة إلى الداخل الجزائري؛ إذ أدى قطع شريان التوريد اللاتيني إلى تجفيف منابع السوق المحلية، تاركا الساحة خالية أمام شبكات احتكار استغلت رخص الاستيراد المقيدة وغرف التبريد لافتعال الندرة ومضاعفة الأرباح.
وقفزت الأسعار إلى أرقام فلكية تجاوزت عتبة الألف دينار للكيلوغرام الواحد، لتتحول الفاكهة إلى ما يشبه المجوهرات الثمينة والسلع الفاخرة؛ حيث عجت منصات التواصل بتركيبات ساخرة وضعت حبة «البنان» في كفة موازية لأحدث هواتف «آيفون 18 برو ماكس»، في مشهد هزلي اضطر المواطنين إلى اقتنائها بالقطعة الواحدة للحالات الحرجة.
وأمام هذا الغلاء الفاحش، أطلق الشارع حملات مقاطعة رقمية تصدرها وسم «خليه يكحال»، في محاولة لكسر هيمنة كارتيلات المضاربة وإجبارها على خفض الأسعار قبل تلف المحصول المخزن داخل غرف التبريد، دون أن تفلح تلك التحركات في علاج العطب الهيكلي الناجم عن قرارات حظر الاستيراد ذات الخلفية السياسية.
ملحمة الـ400 طن
وفي محاولة للهروب إلى الأمام واستعراض حلول ترقيعية مكشوفة، استنفرت وزارة التجارة الجزائرية ترسانتها الرقابية وأعوان قمع الغش لمطاردة الأسعار وتطويق المحلات بسقف إجباري حُدد في 420 دينارا للكيلوغرام، مروجة لضخ نحو 400 طن من الموز كملحمة اقتصادية غير مسبوقة.
وسرعان ما تلقفت أبواق الدعاية الرسمية هذا التدخل بتهليل عارم وضخمت الواقعة لتبدو وكأن النظام اجتث أزمات البلاد المعيشية من جذورها، عارضة تقارير مصورة توثق تصريحات لمواطنين يبدون فرحا طافحا باستقبال «البنان» بعد شهور من الغياب القسري، في مشاهد سريالية تجعل من الظفر بفاكهة عادية إنجازا تنمويا تاريخيا يستحق التوثيق والاحتفاء.
غير أن لغة الحساب البسيطة سرعان ما نسفت هذه البروباغاندا الموجهة وحولتها إلى مادة للتندر؛ إذ إن توزيع هذه الكمية البالغة 400 ألف كيلوغرام على تعداد سكان يناهز 46 مليون نسمة، يعني عمليا أن نصيب الفرد الواحد لا يتعدى 8.7 غرامات، أي ما يعادل قضمة عابرة أو أقل من عُشر موزة واحدة لكل مواطن.
ويكشف هذا المشهد الكوميدي عمق التخبط الذي تغرق فيه سلطات النظام العسكري، بعدما جندت المفتشيات الحدودية وفرق التتبع البوليسي للفواتير من أجل إدارة توزيع فتات الفاكهة والترويج لانتصارات وهمية، واهمة أن بضع مئات من الأطنان قادرة على مداواة ندرة هيكلية صنعتها القرارات السياسية المرتجلة.
إفلاس دبلوماسي يدفع ثمنه المواطن
تختزل هذه المعطيات كلفة تغليب الهواجس السياسية على حساب الاستقرار المعيشي للمواطنين وحاجاتهم الأساسية.
وفي وقت تواصل فيه الدبلوماسية المغربية تثبيت شراكاتها الدولية وتوسيع دائرة الاعتراف بمكتسباتها التنموية والترابية، ينكفئ النظام الجزائري في زاوية ردود الفعل الانفعالية، مسجلا انتصارات وهمية لا يرى أثرها المواطن إلا في طوابير الانتظار، أو وهو يتجرع مرارة استبدال الفاكهة الطبيعية بخليط البطاطس والمنكهات الكيماوية.
