تعيش الجزائر، في أواخر شهر غشت 2026، إحدى أحلك أزماتها المعاصرة جراء موجة حرائق غير مسبوقة اجتاحت أزيد من ثلاث عشرة ولاية. وتحولت ولاية جيجل، في قلب هذه الكارثة، إلى بؤرة المأساة بعدما تركزت فيها النسبة الكبرى من الخسائر البشرية.
وإلى جانب الجبال المتفحمة ومشاهد الخراب، تدور فصول فاجعة ثانية وراء الأبواب المغلقة، بطلها التضليل الرسمي، وطمس هويات القتلى، والصمت المطبق المفروض على حجم الخسائر وأعداد المنكوبين.
وبينما تستميت الدوائر الرسمية في حجب أبعاد الكارثة لإنقاذ خطابها الدعائي، تجمع تقاطعات استقتها مصادر أمنية واستشفائية وشهادات ميدانية نقلها صحفيون مستقلون على تقديرات صادمة تفيد بتجاوز عدد القتلى حاجز 300 شخص، في وقت يتشبث فيه النظام برقم 12 حالة وفاة فقط، دون أي تعديل منذ اندلاع النيران الأولى.
ويبدو هذا الرقم المأساوي مرشحا للارتفاع في قادم الأيام. حتى أن الناشط سعيد بن سديرة، المعروف بالدفاع المستميت عن أطروحات السلطة والأجهزة الحاكمة، خرج عن صمته ليوجه انتقادات لاذعة إلى طريقة إدارة الكارثة، مؤكدا أن تعدد أسباب الوفيات يضع المسؤولية المباشرة على عاتق السلطات العمومية.
إهانة الكرامة وطمس الهويات
تضاعفت آلام الأهالي المفجوعين بفقدان ذويهم بفعل ممارسات نزعت عن الموتى إنسانيتهم. وأمام الاختناق الحاد في مستودعات حفظ الأموات والعجز عن إدارة الأزمة، لجأت السلطات إلى تدابير ارتجالية وسريعة؛ حيث شهدت إحدى البلديات المنكوبة دفنا عاجلا لعشرين جثمان، وُضع عشر منها في قبر جماعي وعشر أخرى في الجهة المقابلة، دون تدوين أسماء أو تواريخ على الشواهد، سوى أرقام تسجيل صامتة.
وتعيش أسر بأكملها صدمة حرمانها من وداع لائق ومراسم حداد طبيعية. ورغم المعاناة الشاقة والمسالك البيروقراطية المضنية لاستصدار الرخص القانونية من تأشيرة الطب الشرعي وموافقة مصالح الدرك وقرار وكيل الجمهورية، واجهت الأجهزة الرسمية هذه الاستغاثات بفرض طابع مجهول على المقابر وتجريد الضحايا من أسمائهم.
وبلغت المفارقات ذروتها خلال زيارة وزير الداخلية لمستشفى «الميلية»، إذ جرى تجميد تسليم الجثامين لعائلاتها لساعات متواصلة بدواعي الترتيبات البروتوكولية؛ ما عمق مشاعر الغضب والحرقة. كما استُعين بشاحنات تبريد مخصصة للمواد الغذائية لنقل الجثث نتيجة النقص الحاد في الوسائل اللوجستية.
ولمنع تسرب حقيقة الفاجعة وتصدع الرواية الموجهة، فرضت السلطات حصارا إعلاميا صارما. وتلقت القنوات التلفزيونية والصحف المكتوبة والمواقع الإلكترونية تعليمات أمنية مشددة تمنع إنجاز تحقيقات ميدانية، أو منح الكلمة لعائلات الضحايا، أو التطرق لتطورات أرقام القتلى، بهدف إفراغ التغطيات من بعدها الإنساني.
وفي مقابل هذا التعتيم، اقتصر التحرك الرسمي على إطلاق البيانات؛ وكان أبرزها إعلان الرئيس عبد المجيد تبون إعادة تفعيل عقوبة الإعدام في حق المتورطين في إشعال النيران، خلال اجتماع خُصص لـ«تدبير آثار الحرائق الأخيرة»، بينما روجت المنابر الرسمية لاكتمال إخماد الحرائق وتجاوز الأزمة.
وأمام هذا التجاهل الإعلامي، انتقل نبض الشارع ونشر التعازي إلى شبكات التواصل الاجتماعي. فبفضل الشهادات المؤلمة للصحفيين المستقلين وإعلانات الوفاة المنشورة من طرف المواطنين، خصوصا في جيجل، طفت الحقيقة على السطح، لتشكل مقاطع الدفن الجماعي وتصريحات العائلات المنكوبة السجل الحي للذاكرة الشعبية في مواجهة مقص الرقابة.
فشل بنيوي وتقصير وقائي
تكشف المعطيات الميدانية أن السواد الأعظم من هذه الوفيات لم يكن قدرا محتوما لا يمكن تفاديه، خاصة في بلد يمتلك نظريا إمكانيات مالية وافرة تسمح بتفعيل آليات التدخل المبكر.
ورغم نشر مصالح الأرصاد الجوية نشرات إنذارية بشأن موجات الحر والرياح الجافة، ومع التحديد الدقيق للمناطق المعرضة للخطر في جيجل، وبجاية، وسكيكدة منذ مآسي صيف 2021، غابت أي خطة إجلاء استباقية واسعة.
ولم تفلح الوعود الحكومية المقطوعة قبل خمس سنوات، في أعقاب فاجعة منطقة القبائل، في تدارك النقص المزمن؛ إذ بقي غياب الثكنات المتقدمة للحماية المدنية، وضعف منظومات الإنذار المبكر، والتعثر في اقتناء طائرات إخماد النيران، عوامل حاصرت المدنيين وسط ألسنة اللهب وتركتهم معزولين دون نجدة في الوقت الحاسم.
ويفسر هذا التخبط إصرار دوائر القرار على إخفاء الأرقام؛ إذ يعني الاعتراف بالحصيلة الحقيقية إقرارا صريحا بفشل استراتيجيات الوقاية والحماية المدنية. وتفاديا لتسجيل الجزائر أرقاما مأساوية قياسية في الحوض المتوسطي، والخضوع للمساءلة حول مآل الأموال العمومية المخصصة لعتاد الإغاثة، اختار النظام سياسة حجب الواقع.
ولصرف أنظار الرأي العام عن المأساة الداخلية، شنت وسائل الإعلام الرسمية، وفي مقدمتها وكالة الأنباء الجزائرية، هجوما لاذعا على قنوات فرنسية كـ«تي إف 1» والتلفزيون الفرنسي لترويجها تقارير حول رجل الأعمال أيوب عيسيو، المطلوب تسليمه من إسبانيا، إلى جانب افتعال مواد حول تجارة المخدرات في أوروبا لمهاجمة المغرب.
ولا يقتصر حرمان الضحايا من الاعتراف الرسمي على مجرد تقصير إداري لتخفيف وطأة الإخفاق، بل يشكل خطأ سياسيا وأخلاقيا يرقى إلى مصاف التخلي عن تقديم المساعدة لأشخاص في حالة خطر وطمس الذاكرة الجمعية. ففي قلب هذه الكارثة، باتت الحقيقة المجردة آخر ما تبقى من الكرامة، غير أن النظام ما زال يحرم الجزائريين حتى من حق معرفتها.
