أحالت محكمة الجنح بسيدي امحمد في العاصمة الجزائرية، الثلاثاء 2 يونيو، رئيسة «المنظمة الوطنية للكفاءات والنخب النسوية الجزائرية»، لطيفة ديب، رهن الحبس المؤقت في سجن القليعة، مع تحديد يوم 8 من الشهر الجاري موعدا لمحاكمتها، لتكشف الواقعة عن زيف شبكات الأمان المبنية على الارتماء في أحضان البروباغندا وتوجيه السهام نحو مصالح المغرب الاستراتيجية.
وتواجه المحامية المشطوب عليها جنحة «عرض منشورات على أنظار الجمهور من شأنها المساس بالمصلحة الوطنية»، استنادا إلى مقتضيات المادة 96 من قانون العقوبات، وذلك على خلفية منشور رقمي أرفق بصور للرئيس عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش سعيد شنقريحة.
من غرفة «الخيمة» إلى زنزانة القليعة
لم يكن يدور في خلد المحامية المشطوبة نهائيا من جدول المهنة، والتي ارتبط اسمها في الأوساط الإعلامية بالتزلف الفج لدوائر القرار العسكري حتى لُقبت بـ«الشيّاتة»، أن مقطع فيديو وجيز، وثقته من داخل غرفة بفندق «الخيمة» في تندوف، سيكون المنعطف الذي يهوي بها إلى الزنزانة.
كلمات معدودات نقلت عبرها جانبا من طوق الحصار المضروب هناك، نسفت في لحظة واحدة رصيد الثقة المفترض، لتكتشف أن خطابات الولاء تتبخر عند أول هفوة.
ولم تفلح المحاولات المستميتة لترميم الصدع وتعديل الخطاب عقب تلقيها تقريعات حادة من مخابرات «ثكنة عبلة»، حيث سارعت عقب الواقعة إلى التغني بقرارات قصر المرادية والثناء على قادة جبهة «البوليساريو» الانفصالية، إذ أثبتت الأجهزة الاستخباراتية مجددا عقيدتها الثابتة التي تعاقب على الشك والتردد، وتصنف الخطأ في ملف الصحراء كخطيئة سياسية لا تسقط بالتقادم.
كسر السردية الرسمية.. الخطيئة التي لا تُغتفر
تجاوزت لطيفة ديب الخطوط الحمراء حينما حاولت ممارسة نوع من «العفوية السياسية» في ملف يخضع لرقابة عسكرية صارمة.
الخلاف الجوهري لم يرتبط بتصريح مباشر يمس بالوحدة الترابية كما تدعي القوانين المحلية، بل تمثل في كسر السردية الرسمية المحكمة التي يروج لها الإعلام العسكري حول الوضع في مخيمات تندوف.
وسلطت المعنية الضوء، عبر توثيقها الرقمي، على القيود الأمنية المشددة التي فرضت على وفدها النسوي، ومنعها من التواصل الحر مع الساكنة، واصفة الأجواء بـ«المشحونة والتسلطية»، ملمحة إلى أن جبهة «البوليساريو» تتصرف كدولة داخل دولة فوق التراب الجزائري.
هذا الكشف العفوي أحرج السلطات التي تسوق للمخيمات كـ«حركة تحرر مثالية»، واعتبر تشويشا مباشرا على السياسات العليا وتكلفة هذا الملف الحساس.
سلاح المادة 96 والردع الاستعراضي
تحركت الآلة القضائية بسرعة لافتة عبر تفعيل المادة 96 من قانون العقوبات، وهي واحدة من التهم الفضفاضة والمطاطية التي توظفها السلطة بانتظام لتكييف أي موقف لا يتماشى مع التوجهات الأمنية.
وتمنح عبارة «المس بالمصلحة الوطنية» غير المحددة بدقة، سلطة تقديرية واسعة لزج المعارضين، أو الموالين المغضوب عليهم على حد سواء، في غياهب السجون.
ويعكس اللجوء إلى «المثول الفوري» وإصدار أمر الإيداع بالحبس المؤقت رغبة واضحة في تسليط عقوبة فورية تندرج في سياق «الردع الاستعراضي»، لتأكيد عدم وجود أي هامش للمناورة أو التعبير الحر خارج النص المكتوب من طرف الأجهزة.
وليد كبير: «عيات ما تشيّت.. وفي الأخير دخلوها السجن»
علق الإعلامي الجزائري المعارض وليد كبير، على النهاية غير المتوقعة للمحامية الموقوفة، بنبرة تهكمية لا تفتقر إلى المرارة.
واختزل كبير المشهد بأكمله في عبارة رشيقة، واصفا حال ديب بقوله: «مسكينة عيات ما تشيّت ما صح لها والو.. عيات ما تهاجم في المغرب والمغاربة وفي الأخير دخلوها السجن»، ليلخص بذلك مصير الأصوات التي ترهن مواقفها لإرضاء أجندة البروباغندا الرسمية.
ولم يقف الإعلامي الجزائري عند حدود السخرية من نهاية مسار التزلف، بل نفذ إلى عمق الرسالة السياسية والميدانية التي حملتها الواقعة، مشيرا إلى أن المعنية دفعت ضريبة قول الحقيقة وإن كانت عفوية. ذ
وأكد كبير أن جوهر الخطيئة التي ارتكبتها ديب، والتي لم يغفرها لها جنرالات قصر المرادية، تكمن في أنها «كشفت الحقيقة، وهي أن تندوف ليست جزائرية»، في إشارة واضحة إلى خروج المنطقة عن السيطرة الفعلية والإدارية المباشرة للمؤسسات الجزائرية، وتحولها إلى إقطاعية أمنية تديرها جماعة منفصلة عن سياق الدولة.
هذه الواقعة لا تنفصل عن سياق أوسع يعيشه النظام الجزائري في ظل مرحلة دقيقة داخليا وإقليميا. ويحمل سجن المحامية السابقة، التي شطبتها منظمة المحامين لناحية الجزائر نهائيا من جدول المهنة في وقت سابق بسبب منشوراتها، رسائل مباشرة لقطاع المحامين، الصحفيين، والأكاديميين تعيد رسم حدود الرقابة الذاتية الشديدة.
وتكشف نهاية مسار لطيفة ديب أن الارتماء في أحضان البروباغندا الرسمية ومهاجمة المغرب لا يمنحان حصانة دائمة في بيئة سياسية تبنى على التوجس الصارم، حيث تظل المقاربة الأمنية والقضائية الأداة الوحيدة لمعالجة القضايا السياسية وتكميم الأفواه، مما يكرس الاحتقان الصامت ويزيد من تعميق أزمة المؤسسات داخل البلاد.
