التسجيلات الصوتية لها سحر مسموم: فهي تعري بلا هوادة ألاعيب المحتالين. فبين شخص يدعي أنه موظف سابق بالاستخبارات ويوتوبر محرض يبحث باستمرار عن الإثارة الرخيصة، تكشف المحادثات التي خرجت للعلن مؤخرا نوعا من العبث، حيث تعكس رداءة في النقاش تتحدى الحس السليم. ومع ذلك، تكشف هذه المقاطع عن حقيقة هذين الدجالين وطبيعة المؤامرة الخبيثة التي يحيكانها ضد المغرب.
فمن جهة، يحب مهدي الحجاوي (53 عاما)، المغتر بنفسه، أن يتقمص دورا أكبر منه: دور «الرجل الثاني السابق في لادجيد (المخابرات الخارجية المغربية)». يعيش الآن في كندا هربا من المتابعات القضائية بتهمة الاحتيال في المغرب. ومن منفاه في أمريكا الشمالية، يحول هذا المحتال هذياناته إلى ادعاءات زائفة.
وعلى الجانب الآخر من الخط يوجد هشام جيراندو، وهو شخص مقيم أيضا في كندا. تحول إلى يوتوبر حاقد، وجعل من التهجم الممنهج ضد المؤسسات المغربية أصله التجاري الأساسي، مستمدا دائما «سبقه الصحفي» الزائف من ترهات الحجاوي. بين الرجلين صفقة تسجد قمة الوقاحة، صفقة «رابح-رابح» بين محتالين. يستخدم الحجاوي جيراندو لنفث سمومه. وينشر جيراندو هذيانه بشكل أعمى لتغذية قناته السامة. ولكن بفضل التسريب الهائل للتسجيلات الصوتية والمحادثات الموثقة، التي كشفت عنها مجموعة تطلق على نفسها أطلس هاكس على الشبكات الاجتماعية، سقط القناع نهائيا، وانكشفت الحقيقة.
المخبر واليويوبر المسحور
في هذه التسجيلات، يستخدم الحجاوي نبرة متعجرفة، مثقلة بالمصطلحات التافهة المستعارة من عالم الاستخبارات («التثليث»، «الملفات»...). ولم يتطلب الأمر أكثر من ذلك ليتملك إعجاب جيراندو الذي أصبح مسحورا، والذي يحاول جاهدا تكييف مستوى لغته ليظهر في مستوى «الاستراتيجي» العظيم الذي يوجد أمامه.
ما يلفت الانتباه هو الانفصال المخيف للحجاوي عن الواقع، إذ يعترف بأنه قام بأعمال قذرة. الرجل لا يعترف فقط بخرق حرمة المنازل. يعترف بأنه «قاتل بدم بارد». «لم يقم بتصفية شخص واحد، ولا اثنتين، ولا ثلاث، بل هناك ثماني عمليات تصفية في سجله الدامي». هنا تظهر الهوة السحيقة التي تفصل بين حقيقة الشخص والصورة التي ترسمها بعض الصحافة الأجنبية الساذجة أو المجاملة، والتي تسعى جاهدة إلى تصوير الحجاوي على أنه «رجل يعرف الكثير»، «مضطهد بسبب أفكاره ومعارضته» لـ«المخزن».
يعد مقتطف المحادثة التي التقطها أطلس هاكس في هذا السياق، تحفة في نشر الغسيل القذر. يروي الحجاوي بفخر «كيف اقتحم غرفة فندق تابعة لمصدر استراتيجي، وفتح خزينة حديدية، وسرق جواز سفر دبلوماسي». «كانت السلطات قد منحت هذا الجواز بناء على طلب إلياس العماري، الرئيس السابق لحزب الأصالة والمعاصرة والرئيس السابق لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، قبل أن تغير المخابرات المغربية رأيها».
«استشاط العماري غضبا من الخيانة، فاتصل بالحجاوي ليتأكد مما إذا كان هو العقل المدبر وراء هذه العملية الجريئة. سارع «جيمس بوند المزيف» إلى الإجابة بالإيجاب، متفاخرا بعمله. ومع توالي الرواية، يتم التقليل من شأن العماري ببراعة». «إلياس؟ لم تعد له قيمة! خطؤه القاتل هو رغبته في الظهور كرئيس للحزب وللجهة. واليوم، هو لا قيمة له. هل تعلم، لدينا شيفراتنا: مواطن، هو الرمز الذي نستخدمه للإشارة إلى أحد العملاء. فهناك «المواطن الكبير»، وهو فؤاد (علي الهمة، مستشار الملك محمد السادس)، وهناك «المواطن الصغير»...وهو أنا. إلياس، هو مجرد مواطن عادي مغمور».
وعندما حاول جيراندو طرح سؤال حول النفوذ الحقيقي للعماري، قاطعه الحجاوي بنبرة أرادها أن تكون قاطعة: «السلطة الوحيدة التي كانت لإلياس هي فؤاد. كانت قوته كلها مستمدة من فؤاد، لا من أي مصدر آخر».
عمليات سطو، وجرائم قتل، وجنون مطبق
ماذا نستنتج من هذه التسجيلات؟ باعترافه هو، فإن الرجل الذي يدعي بأنه الرجل الثاني السابق في لادجيد، ليس في الواقع سوى لص الخزائن الحديدية. لكن الصورة هي أكثر قتامة من ذلك. فهذا اللص هو أيضا «رجل المهمات القذرة المتمرس في جرائم الدم»، ويتباهى بأنه «العقل المدبر وراء العديد من عمليات الاغتيال». والأدهى من ذلك أنه يدعي أنه «واحد من القلائل، إن لم يكن الوحيد، من التقنيين القادرين على تنفيذ عمليات داخل المغرب».
«من لا يزال قادرا على إدارة عمليات تصفية واسعة النطاق في المغرب؟ لا أحد! كنت في قلب الحدث، وأؤكد لك: لم يبق أحد قادر على تنفيذ هذا النوع من العمليات. أتحدث عن عمليات حقيقية، محددة الهدف، عابرة للحدود، وفعالة! لم نكن سوى اثنين. لقد تلقينا تدريبا خاصا لهذا الغرض»، هكذا تحدث الحجاوي. سعى جيراندو، في محاولة منه لإظهار «خبرته الجيوسياسية»، إلى مقاطعته مشيرا إلى أنه مع «فضائح عالمية بحجم قضية خاشقجي، توقفت عمليات الاغتيال التقليدية هذه تماما». ثم لمّح إلى «وجود شريك غامض». وقال جيراندو بنبرة يراها «واثقة»: «كان هناك أيضا شقيق هشام المندري (المحتال الذي كان يدعي قربه من القصر، والذي وجد مقتولا برصاصة في رأسه في موقف سيارات بين ميخاس وفونخيرولا، على ساحل كوستا ديل سول الإسباني، ليلة ثالث ورابع غشت 2004، ملاحظة المحرر) الذي استخدم في هذا النوع من العمليات...».
أحس الحجاوي بالإهانة، واستشاط غضبا. ورد قائلا: «هو؟ إنه شخص معتوه! لا يستطيع حتى الجري لمسافة 100 متر! لم يكن هناك سوى أنا والرجل الآخر، لا غير. جميع المخبرين الآخرين لا يعرفون سوى العمل خلف شاشة الكمبيوتر. أما أنا، فقد نفذت ثماني عمليات ميدانية».
وتمادى في تمجيد ذاته إلى حد العبثية، يعلن حجاوي مسؤوليته المباشرة عن اغتيال المندري في إسبانيا. ويعترف قائلا: «المندري، أنا من قلته! من الألف إلى الياء. كنت وراء العملية من البداية إلى النهاية». عندما يبدي جيراندو شكوكه، مدعيا أنه على اتصال مباشر بأحد المشتبه بهم في جريمة القتل، «الشخص الذي ضغط على الزناد وأطلق رصاصة على رأس المندري»، استبد الغضب بالحجاوي وقال: «هذا هراء. إنه كذب صريح! لقد كذب عليك مصدرك. وفضلا عن ذلك، لم يكن مطلق النار مغربيا».
وعندما ذكر جيراندو اسم مخبر آخر يزعم تورطه في العملية، وقع الحجاوي في فخ تناقضاته، مستخدما آخر ورقة من كبريائه. «لكنه كان مجرد ضابط شرطة، بينما كنت مفتشا». هذا التوضيح جوهري، وهو اعتراف صريح من هذا المحتال. فمتى، وفي أي بلد ذي هياكل مؤسساتية محترمة وجدية، يمكن لمفتش شرطة أن يرقى ليحتل منصب الرجل الثاني في الاستخبارات الخارجية؟ لاسيما في بلد كالمغرب، المعترف به دوليا كقوة عظمى في مجال الأمن والاستشراف الاستراتيجي؟
مرآة الدجل المكسورة
نصل إلى الخلاصة الجلية التي لا تقبل الجدل. الرجل الذي يتلفع بعباءة الخبير الاستراتيجي السابق في لادجيد، والذي يقدم على أنه مضطهد من قبل جهاز الدولة بأكمله بسبب نبل قناعاته السياسية، يفضح نفسه بنفسه. تكشف التسجيلات عن شخص مختص في المهام القذرة، ولص خزائن حديدية هاو، وقاتل يتبنى مسؤولية ثماني عمليات اغتيال، عاجز عن تقبل أدنى منافسة أو أدنى شك في «أعماله العظيمة». إنه مصاب بهوس الكذب، أو ربما لا، مغرور متضخم الأنا لم يصل قط إلى ما هو أبعد من رتبة مفتش شرطة، وهو منصب مبتدئ يمكن لأي شخص حاصل على شهادة الإجازة في القانون أو الاقتصاد أن يصل إليه.
ما يبقى مشينا للغاية هو التغاضي المتواطئ من قبل بعض المحاكم وقطاعات واسعة من الصحافة الفرنسية. هذا هو نوع المجرمين والأفراد غير المستقرين الذين يختارهم المحامون الانتهازيون ووسائل الإعلام المتحيزة لمنحهم منصة محترمة لشن حملة انتقام بالوكالة ضد المغرب ومؤسساته.
وهؤلاء المحتالون، الذين لا يخجلون من جرائمهم، هم من تقدم لهم دول ديمقراطية ككندا، بسذاجة، اللجوء وقنوات النشر. منصات ينشرون من خلالها الأخبار الكاذبة، ويدعون إلى الكراهية، ويحرضون على القتل والفوضى دون رادع، كما يفعل هشام جيراندو بلا هوادة. إلى أن تمحو الحقيقة بشكل نهائي رواية هؤلاء المحتالين الأفاكين.
