ماثيو غاديري العميل السابق في مكافحة التجسس الفرنسي المخترِق لإيران: «الجزائر شكلت رافعة لطهران لاختراق الشبكات الإجرامية الجزائرية في فرنسا»

ماثيو غديري، العميل السابق في جهاز مكافحة التجسس الفرنسي، يوم 5 نونبر 2024

في 11/08/2026 على الساعة 08:59

حوارفي هذا الجزء الثاني من الحوار، يعود ماثيو غديري إلى المهمة التي أوكلتها إليه مديرية مراقبة التراب الفرنسية، وإلى «أسطورته» كمحامي مستقبلي وعضو في الحزب الاشتراكي الفرنسي، وإلى التقارب بين أجهزة الاستخبارات الإيرانية والجزائرية. ويكشف عن العلاقات السرية القائمة بين الجهازين الإيراني والجزائري، ويصف التعاون القائم، حسب قوله، على تبادل الخدمات والعمليات السرية وتوسيع النفوذ إلى أوروبا وإفريقيا، خاصة منذ سنة 2005.

ولد ماثيو غديري في طهران ووصل إلى فرنسا لمتابعة دراساته العليا، ينتمي إلى هذا الجيل من الإيرانيين الذين تغير مسارهم بسبب الثورة الإسلامية عام 1979. وشهدت مسيرته نقطة تحول حاسمة في منتصف الثمانينيات، عندما كلفته مديرية مراقبة التراب الفرنسية بمهمة اختراق أجهزة مخابرات الجمهورية الإسلامية. ولجذب انتباههم، انخرط باعتباره محاميا فرنسيا-إيرانيا شابا في الدفاع داخل الحزب الاشتراكي عن ملفات الشرق الأوسط.

وقد أتاحت له هذه التجربة السرية، التي استمرت قبل أن يمضي فترة طويلة في الشرطة الوطنية، أن يراقب من الداخل أساليب التجنيد وشبكات النفوذ والتحولات داخل الأجهزة الإيرانية. بعد تقاعده بعد أربعين سنة من الخدمة، وهو الحاصل على وسام من الشرطة الوطنية، يكشف في هذا الجزء الثاني تفاصيل غير معروفة من هذا التاريخ: العلاقات القائمة بين طهران والجزائر.

كيف تقارب الجهازان؟ ما هي المصالح التي وجهت تعاونهما؟ وإلى أي مدى تتقارب استراتيجياتهما، وأين تكمن عدم الثقة بينهما؟ يقدم ماثيو غديري اليوم شهادته وتحليله..

ما هي الأهداف التي كانت فرنسا تسعى إلى تحقيقها من خلال حثكم على اختراق أجهزة مخابرات الجمهورية الإسلامية؟

كان لدينا ثلاثة أهداف. الهدف الأول هو فهم كيفية عمل وزارة الاستخبارات الإيرانية. والثاني هو تحديد أهدافها في أوروبا، وخاصة في فرنسا. والثالث هو التعرف على عملائها النشطين أو النائمين على الأراضي الفرنسية، وفي هذا الصدد سيتم الكشف عن العلاقة بين الأجهزة الجزائرية والإيرانية.

وكانت فرنسا حينئذ أول دولة غربية تحقق اختراقا بهذا المستوى داخل الأجهزة الإيرانية. كانت السلطات الفرنسية لا تعرف إلا القليل عن ننظيم وزارة الاستخبارات الإيرانية التي تم إنشاؤها بعد استيلاء آية الله الخميني على السلطة، وطرق تجنيدها وقيادتها.

بعد الثورة، كان ياسر عرفات من أوائل القادة الذين زاروا إيران. وكان قد اقترح على الخميني مساعدة السلطات الجديدة في بناء جهاز استخبارات بدعم من الأجهزة السورية. الخميني، الذي لم يكن يحب ياسر عرفات كثيرا -قال عنه إنه مسلم سيئ وإنه ليس معاديا للغرب بما فيه الكفاية- رفض وفضل التوجه مباشرة إلى الاتحاد السوفياتي. ولذلك ساهمت الاستخبارات السوفياتية في التدريب الأولي للجهاز الإيراني. ثم سعى هذا الأخير بعد ذلك إلى تجنيد عملاء في الدول الغربية، وخاصة في فرنسا. كان دوري هو إثارة اهتمامهم.

كيف أثرتم انتباه الاستخبارات الإيرانية؟

كان علي أن أخلق ما نطلق عليه، داخليا، أسطورة، بمعنى هوية ذات مصداقية ومتماسكة ومثيرة للاهتمام لجعل الأجهزة الاستخباراتية المعارضة ترغب في تجنيدي. كان غطائي، الذي يمكنني الكشف عنه اليوم، هو التالي: أنهيت دراستي وكنت أقوم بإعداد شهادة الكفاءة لمهنة المحاماة، ودخلت مكتب محاماة. وفي الوقت نفسه، انخرطت سياسيا داخل الحزب الاشتراكي.

توليت تدريجيا مسؤوليات مرتبطة بالقضايا المتعلقة بالشرق الأوسط، حتى أصبحت جزءا من الفريق المكلف بهذه المنطقة من العالم في زنقة سولفرينو (حيث يوجد المقر التاريخي السابق الحزب الاشتراكي الفرنسي).

بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الإيرانية، كان هويتي جذابة للغاية: شاب فرنسي-إيراني، محام مستقبلي، مندمج في المجتمع الفرنسي، منخرط في الحزب الاشتراكي ويهتم بالشرق الأوسط. لقد اعتقدوا أنهم سيجندون شخصا يمكنه اختراق الأوساط السياسية الفرنسية بشكل دائم. سعت الأجهزة الإيرانية إلى تجنيد فئتين من الأشخاص في فرنسا. الفئة الأولى تتألف من عملاء قادرين على جمع المعلومات أو المساعدة في القيام ببعض الأعمال. والثانية، وهي الفئة المهمة، والتي كنت أنتمي إليها، تضم عملاء لهم نفوذ. وكان على عملاء النفوذ أن يفتحوا الأبواب وينقلوا التحليلات ويدافعوا عن المواقف الإيرانية من دون الظهور كممثلين رسميين لطهران.

ما هي أولى المهام التي أوكلتها إليكم الأجهزة الإيرانية؟

تذكروا أننا كنا في سياق الحرب العراقية-الإيرانية. دعمت غالبية الطبقة السياسية الفرنسية صدام حسين (الرئيس العراقي الأسبق). لكن قسما من اليسار الفرنسي أشاد بثورة الخميني. ورأى بعض المثقفين أنها ثورة مناهضة للإمبريالية وحركة تحرر. ولم يفهموا بعد طبيعة النظام الذي قد بدأ في وضع أسسه.

كانت إحدى مهامي الأولى هي التواصل مع شخصيات قريبة من السلطة الفرنسية وإقناعهم بدعم إيران في حربها ضد صدام حسين. لقد أظهرت قدراتي لطهران من خلال تجنيد مثقفين وصحفيين ومحامين وزعماء سياسيين من فرنسا. ولم يطلبوا بالضرورة من هؤلاء الأشخاص أن يصبحوا جواسيس بالمعنى الكلاسيكي، بل أن يكونوا وسطاء لإيران في فرنسا. وكان يكفيهم الدفاع عن مصالح طهران أو إضفاء الشرعية على سياساتها أو التأثير على النقاش العام لتحقيق مصالحها.

ثم، في أحد الأيام، طلب مني الإيرانيون أنه يتعين علي التقرب من فرانسوا دي غروسوفر (François de Grossouvre)، لذي كان حينها مستشارا للرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران. لقد اعتقدوا أنه لم يكن مؤيدا لصدام حسين خلال الحرب العراقية-الإيرانية. وكان هدفهم يتمثل في فهم موازين القوى داخل الدائرة المغلقة لميتران، ولكن أيضا إيجاد شخصيات قادرة على التأثير في سياسات باريس. لقد اعتبروا أن فرانسوا دي غروسوفر يمكن أن يلعب هذا الدور.

هل فعل ذلك؟

سأجيب على سؤالكم دون الدخول في التفاصيل. لقد سعى فرانسوا ميتران بالفعل إلى التقرب من إيران الخميني. وفي عام 1989، فكر في الذهاب إلى إيران لكن ذلك لم يحدث.

لنتحدث الآن عن الجزائر. كيف اكتشفت الأجهزة الفرنسية أن طهران كانت تستخدم الأوساط الإجرامية الجزائرية أو لدول أوروبا الشرقية في فرنسا أو في أوروبا للقيام بعمليات سرية؟

سيظهر الجزائريون بشكل متأخر انطلاقا من 2004-2005. ولكي يفهم القراء، اسمحوا لي أن أعود إلى الفترة التي سبقت ذلك. عندما وصل الملالي إلى السلطة في إيران، لم تكن لديهم بعد شبكات عملياتية قوية في الغرب. ومع ذلك، كان عليهم اغتيال بعض المعارضين أو تنفيذ هجمات أو تنظيم عمليات اختطاف. وتمثلت الوسيلة المناسبة في القيام بتلك العمليات من خلال بنيات نشطة بالفعل في أوروبا وتمتلك أسلحة ومساكن وأوراق مزورة وطرق للهروب. استخدم الإيرانيون أو التجأوا إلى الجماعات الفلسطينية مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجماعات الأرمنية (الجيش السري الأرمني لتحرير أرمينيا) وكذا الجماعات الألمانية والإيطالية والباسكية وغيرها من المنظمات الأوروبية. كما عمل الإيرانيون أيضا مع أفراد قريبين من الجماعات اليسارية المتطرفة مثل «Action directe».

وتوضح عمليات الاغتيال الأولى لمعارضي الخميني هذا الأسلوب الذي ستستخدمه طهران لقرابة عشر سنوات، في فرنسا أو في أوروبا أو في قارات أخرى. وسأستشهد بالحالة الأكثر رمزية، وهي حالة شابور بختيار، آخر رئيس وزراء الشاه، الذي نجا من محاولة الاغتيال الأولى في عام 1980 على يد كوماندو يعمل لحساب طهران بقيادة اللبناني أنيس النقاش. وقد تم اغتياله في ما بعد في عام 1991 على يد فريق مكون من إرهابيين إيرانيين. وسيساعدهم عميل سري من وزارة الإعلام التابعة للملالي والذي أصبح مساعدا قريبا من شابور بختيار. وبعد سبع سنوات، أصبح هذا الرجل، الذي كان أيضا من أقارب بختيار، ساعده الأيمن. كانت هناك، لسوء الحظ، العديد من عمليات الاغتيال الأخرى مثل هذه في فرنسا وأوروبا.

في أواسط التسعينيات من القرن الماضي، شكلت الاستخبارات الإيرانية شبكاتها الخاصة في أوروبا. سيهيكلون تواجدهم في فرنسا وسيتوقفون عن استخدام المناولة. وسيتزامن هذا العقد أيضا مع الاختفاء التدريجي للجماعات اليسارية المتطرفة الصغيرة التي نفذت عمليات إرهابية في أوروبا. كانت البنية العملياتية الجديدة التي أنشأها فيلق القدس والاستخبارات الإيرانية تتألف بشكل رئيسي من الإيرانيين، ولكن أيضا من الطلاب الأجانب، ولا سيما الأفارقة والجزائريين والتونسيين. وفي كل عملية، كان يصل عميل من طهران، ويستخدم الشبكات النائمة المتواجدة هناك، ثم يعود إلى إيران. إلا أننا تمكنا، في هذا النظام الجديد، من اكتشاف أن مقر العمليات كان يتواجد في إسطنبول. لقد كانت تركيا دائما ساحة خلفية مهمة للاستخبارات الإيرانية.

ثم قررت إيران فجأة التوقف عن إرسال عملائها إلى فرنسا وأوروبا.

ومنذ ذلك الحين تم التقارب بين الأجهزة الإيرانية وأجهزة الدول «الصديقة» مثل الجزائر وروسيا ودول أوروبا الشرقية الأخرى. وانطلاقا من 2004-2005، التجأت الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية إلى بنيات الجريمة المنظمة لهذه البلدان، وخاصة الجزائر، للقيام بعمليات في فرنسا وأوروبا، والتي تتحكم فيها وتحركها أجهزة المخابرات في بلدانهم الأصلية.

قلتم إن إيران توقفت «فجأة» عن إرسال عملائها، لماذا؟ هل نفذت الأجهزة الفرنسية عمليات واسعة النطاق وكشفت الشبكات الموجودة على الأراضي الفرنسية؟

بالفعل تمكنا من إلقاء القبض على عدد كبير من العملاء النائمين. وغيرت الأجهزة الإيرانية طريقة عملها وطلبت المساعدة من الجزائر وروسيا ودول أوروبية صغيرة أخرى عندما أدركت أن جواسيسها القادمين من إيران كانوا يرتكبون أخطاء غير معقولة. ولم يكونوا يتحدثون الفرنسية جيدا، وكانوا يثيرون الانتباه حينما حلوا بينما كان المفترض أن يندمجوا داخل المجتمع... وعلى وجه الخصوص، فإن أحد رجالهم الثلاثة الذين تم القبض عليهم بعد اغتيال شابور بختيار كان لا يتحدث إلا الفارسية. تم القبض على هؤلاء العملاء الثلاثة بعد عملية اغتيال. ذهبوا إلى محطة ليون في باريس لشراء تذاكر إلى مدينة آنسي الواقعة على الحدود مع سويسرا. وكان هدفهم حينها هو الوصول إلى جنيف ليتم تهريبهم. لكنهم نطقوا اسم آنسي بشكل سيئ لدرجة أن موظف شباك التذاكر باع لهم تذاكر إلى نانسي، بالقرب من الحدود الألمانية. أضاع عليهم هذا الخطأ حوالي عشر ساعات، وهو ما سمح للمحققين بربح وقت ثمين.

أدرك القادة الإيرانيون أن هذه الطريقة خطيرة ومكلفة وقد تعرض شبكاتهم النائمة للخطر. سمحت كل عملية اعتقال للأجهزة الغربية بالوصول إلى عملاء آخرين وفهم التنظيم الإيراني بشكل أفضل. يمكن أن تحضر لعملية ما لسنوات، وتتوفر على شبكة دولية، وتخسر ​​كل شيء لأن من ينفذها يخطئ في نطق اسم المدينة. هذا النوع من التفاصيل مهم في الاستخبارات.

هل تم الالتجاء إلى الجزائر بعد نكسات عملاء إيران؟

نعم. ستبحث إيران عن نموذج أقل عرضة للخطر. وهي تعلم أن الجزائريين الذين يعيشون في فرنسا يمثلون ملايين الأشخاص. وستلجأ للجريمة المنظمة من أجل القيام بعملياتها السرية. وهكذا، يمكن للإيرانيين تجنيد مجرمي الحق العام الذين ليست لديهم بالضرورة علاقة أيديولوجية بالجمهورية الإسلامية. يتقاضون الأموال من أجل القتل أو مراقبة هدف أو نقل المعدات (يصف ماثيو غديري الطريقة نفسها التي استخدمتها الجزائر في محاولات فاشلة للقضاء على أمير دي زد وهشام عبود وعبدو سمار، ملاحظة المحرر).

قدمت هذه الطريقة إمكانية أفضل للتنصل. فإذا تم القبض على الجناة، فيمكن للسلطات الإيرانية أن تدعي أنها كانت تصفية حسابات أو عملية إجرامية ليس لها بعد سياسي.

كيف انخرطت الاستخبارات الجزائرية في هذه الآلية الجديدة؟

كانت الجزائر بمثابة وسيلة لطهران لاختراق الشبكات الإجرامية الجزائرية في فرنسا أو في أي مكان آخر واستغلالها للقيام بعمليات سرية. واعتبر الإيرانيون أن الأجهزة الجزائرية كانت على دراية كبيرة بالجريمة المنظمة الجزائرية المتواجدة في فرنسا وأوروبا. لقد اعتقدوا أن هذه الاستخبارات يمكنها مراقبة بعض هذه الشبكات أو استغلالها أو توجيهها. منذ عام 2005، العديد من العمليات المنسوبة إلى الجمهورية الإسلامية تم القيام بها من طرف عناصر تنتمي إلى شبكات الجريمة المنظمة الجزائرية. بالنسبة لطهران، كانت فائدة هذه الطريقة واضحة: تكون لديها شبكات متواجدة بالفعل في أوروبا، تعرف الواقع والأحياء والأوساط الإجرامية ووسائل الحصول على أسلحة أو وثائق مزورة. ثم تتجنب الأجهزة الإيرانية توريط عملائها بشكل مباشر. ويمكن للأجهزة الجزائرية من جانبها الحصول على مقابل سياسي أو أمني أو عملياتي.

هل يمكنكم تأكيد أن الأجهزة الجزائرية شاركت في هذه الآلية؟ ولماذا لم تلجأ إيران مباشرة إلى تجنيد عناصر من الجريمة المنظمة المغاربية في فرنسا، من دون المرور عبر الجزائر؟

لأن فيلق القدس والاستخبارات الإيرانية لم يتمكنوا من إرسال رجالهم وتطلب منهم تجنيد عملاء هناك. لأن الأمر خطير، والأهم من ذلك أنه معقد. كما أنهم لا يستطيعون أن يطلبوا من عملائهم النائمين القيام بمثل هذه المهمة دون المخاطرة بافتضاح أمرهم. يتطلب تجنيد عملاء لارتكاب جرائم أو الانخراط في مهمة إجرامية الكثير من الوقت ومعرفة كاملة بأوساط المافيا. و من هنا كانت الاستخبارات الجزائرية أداة فعالة لربط الاتصال بين الاستخبارات الإيرانية وأوساط الجريمة المنظمة الجزائرية في فرنسا.

وفي هذا الصدد، توجد وثيقة سرية سيتم نشرها قريبا في كتاب من تأليف صحفيان متميزان هما إيمانويل رازافي (Emmanuel Razavi) وجون-ماري مونتالي (Jean-Marie Montali). وتكشف هذه الوثيقة المتبادلة بين الاستخبارات الإيرانية ونظيرتها الجزائرية إطار هذا التعاون وتشير إلى التسهيلات التي تقدمها الاستخبارات الجزائرية لاختراق الجالية الجزائرية في فرنسا. وسيتعين انتظار صدور هذا الكتاب المهم لمعرفة المزيد حول الموضوع.

لننتظر، بشغف، صدور كتاب إيمانويل رازافي وجون-ماري مونتالي، وهما صديقان كبيران لـLe360...بعد سقوط نظام الأسد بسوريا، هل يمكننا القول إن الجزائر هي آخر معقل مؤيد لإيران في العالم العربي؟

نعم. إن التقارب بين الأجهزة الجزائرية والإيرانية ليس جديدا. إنها تقوم على المصالح المشتركة، وعلى التقارب الجيوسياسي، وعلى العداء المشترك تجاه العديد من حلفاء الغرب. تاريخيا وسياسيا، كانت الجزائر منذ فترة طويلة في معسكر معارض للقوى الغربية. كما أن لديها أجهزة استخبارات نشطة للغاية في المغرب الكبير وإفريقيا وأوروبا. بالنسبة للإيرانيين، تمثل هذه المقدرة ورقة مهمة للغاية.

ما هو المبدأ الأساسي لهذا التعاون؟

العلاقة مبنية على للمصلحة المشتركة. ولا تقدم أي من الدولتين هدية للأخرى. الجميع يقدم خدمة وينتظر المقابل. وكانت هناك عدة ملفات بين الجهازين، إضافة إلى ملف الجالية الجزائرية في فرنسا:

في تسعينيات القرن الماضي، طلبت الجزائر مساعدة إيران خلال الحرب الأهلية (العشرية السوداء). لعبت طهران لعبة مزدوجة. حافظت على اتصالات مع الاستخبارات الجزائرية، لكنها كانت مهتمة أيضا بالجماعات الإسلامية المسلحة. وكان الملالي ينظرون بشكل إيجابي إلى إمكانية ظهور جمهورية إسلامية في الجزائر. ومع ذلك، لم يرغبوا في القطيعة مع السلطة الجزائرية. رسميا، أكدت إيران أنها لم تتدخل.

ومع ذلك، فقد وردت تقارير ومعلومات عن مساعدات مالية غير مباشرة لجماعات معينة. يتشكل النظام من وسطاء متعددين: تعطي إيران لشخص، الذي يقدمه إلى آخر، الذي يعطي المال في النهاية للجماعة المعنية. نجد في الغالب وسيطا مثل حزب الله. وبالتالي تتجنب طهران الظهور بشكل مباشر بينما تستطيع الجزائر الحفاظ على مسافة رسمية.

وفي ملف البوليساريو، تتمثل الخدمة التي تقدمها الجزائر بشكل خاص في السماح بالتعامل مع الحركة. وعلى مدى عقود، قدمت هذه الأخيرة الرجال، وأبرز عناصرها، للمشاركة في الحروب الهجينة في الشرق الأوسط، ولا سيما في الجبهات السورية واللبنانية والفلسطينية. تستخدم جبهة البوليساريو حاليا كحصان طروادة في منطقة الساحل. وهي تساعد إيران على اختراق استخباراتها للجماعات الإرهابية الصغيرة (اقرأ الجزء الأول من الحوار المخصص للبوليساريو). وبالمقابل، توفر إيران الموارد المالية والتدريب والمعدات وخبرتها في الحرب غير المتكافئة.

وفي حالة إفريقيا جنوب الصحراء، ساعدت الجزائر بشكل كبير فيلق القدس على نسج شبكتها في القارة السوداء. يمكن للاستخبارات الجزائرية تسهيل الولوج إلى شبكاتها الموجودة بإفريقيا، وتوفير المعلومات والوسائل التقنية.

وهذا التعاون لا يعني الثقة الكاملة. بل على العكس من ذلك، يراقب كل طرف الطرف الآخر، ويحرص على عدم التنازل له عن الكثير من السلطة.

بحسب رأيكم، تظل الجزائر متوجسة وحذرة. هل تعتقدون أن إيران لا تتعامل معها بشكل بحسن نية، وأن هناك خطر أن تنقلب طهران ضدها في يوم من الأيام؟

بطبيعة الحال. كان عبد العزيز بوتفليقة، على حد علمي، الرئيس الجزائري الأول والوحيد الذي دق ناقوس الخطر حقا. عبر عن قلقه من تغلغل النفوذ الشيعي الإيراني في الجزائر. وقد أذهله عدد الجزائريين الذين تدربوا في إيران وعادوا بعد ذلك إلى بلادهم للتبشير بالإسلام الشيعي ونشر المذهب السياسي للجمهورية الإسلامية.

لقد قضى هؤلاء الأشخاص في كثير من الأحيان عدة سنوات في قم (مدينة إيرانية). وكانوا يتحدثون الفارسية، ويتقنون المرجعيات الأيديولوجية للنظام، وكانوا يحصلون على الدعم المالي أثناء تكوينهم.

لقد أدرك بوتفليقة أن هذه الشبكة يمكن أن تشكل خطرا على الجزائر نفسها. التعاون بين الاستخبارات لا يمنع أحد الشريكين من السعي لاختراق مجتمع الآخر.

كيف قام فيلق القدس بتوسيع شبكاته خارج الشرق الأوسط؟

يتبع فيلق القدس للحرس الثوري، وليس الجيش الإيراني أو وزارة الاستخبارات. وهو يهتم بشكل حصري بالمصالح الإيرانية في الخارج. لقد قام أولا بإنشاء منظمات في الشرق الأوسط. وكان حزب الله اللبناني بمثابة نموذجه المثالي. ثم تم إنشاء أو دعم جماعات أخرى، مثل الحشد الشعبي في العراق، والفاطميين في أفغانستان، والزينبيين في باكستان، والحوثيين في اليمن. فيما بعد قام فيلق القدس بتوسيع أنشطته في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا. وهو لا يسعى بالضرورة إلى إنشاء منظمة مماثلة لحزب الله في كل مكان. إنه يكيّف أساليبه مع واقع كل منطقة.

لقد أصبح فيلق القدس تدريجيا دولة داخل الدولة. منذ وفاة الخميني، عزز الحرس الثوري سيطرته على الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية في إيران.

وفي إفريقيا وأميركا اللاتينية، اعتمد حزب الله على أعداد كبيرة من اللبنانيين في الخارج. لقد استخدم الشبكات العائلية والتجارية والمالية القائمة بالفعل منذ عدة عقود. تتيح هذه الشبكات إنشاء الشركات وفتح مكاتب للصرف وتحويل الأموال واستقبال الأطر الآتين من لبنان أو إيران.

في بلدان المغرب الكبير وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، يعد وجود عناصر الحرس الثوري أمرا مهما للغاية. يعمل العديد من العملاء تحت غطاء دبلوماسي.

وفي أوروبا، تحتل وزارة الاستخبارات الإيرانية مكانا أكثر وضوحا، لكن عناصر الحرس الثوري يحتفظون بسلطة كبيرة. يجب على الشخص المعين في باريس أو روما أو فرانكفورت الحصول على موافقتهم.

وبالتالي فإن السفارات ليست مجرد تمثيلية دبلوماسية، بل إنها بمثابة منصات للاستخبارات وممارسة النفوذ والتنسيق.

كيف تمول إيران هذه الأنشطة الخارجية رغم العقوبات الدولية؟

تبرعات الجالية ليست كافية. وبفضل أموال المخدرات يمول الإيرانيون أنشطتهم السرية. أقام فيلق القدس وحزب الله علاقات مع منظمات إجرامية في أمريكا الجنوبية. وبحسب المعلومات التي استقيناها، فإن فيلق القدس وحزب الله استخدما هذه الشبكات للمشاركة في تهريب الكوكايين ونقله إلى أوروبا. وتساعد مداخيل هذه الأنشطة في تمويل العمليات السرية والمنظمات الحليفة والبرامج العسكرية. وهكذا تصبح الجريمة المنظمة أداة للسياسة الخارجية الإيرانية.

أنشأ الحرس الثوري شركات وهمية في العديد من البلدان: الإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا وهونغ كونغ وماليزيا وإندونيسيا. تقوم هذه الشركات رسميا بأنشطة الاستيراد والتصدير. يمكنهم بيع النفط أو الغاز الإيراني، أو شراء المنتجات لصالح النظام أو نقل أموال.

كما أنشأ الحرس الثوري العشرات من مكاتب الصرف، خاصة في دبي وتركيا وقطر وهونج كونج. وبما أن إيران لا تتمتع بإمكانية الولوج إلى النظام البنكي الدولي، فإن هذه البنيات تستخدم لنقل الأموال.

ولم يتم إنشاء الشبكة المالية الإيرانية في إفريقيا في الوقت الحالي. لقد كانت موجودة منذ ثلاثين عاما. تشكل الشركات ومكاتب الصرف والشبكات اللبنانية البنية التحتية غير المرئية للنفوذ الإيراني.

يستخدم النظام أيضا التحويلات غير المهيكلة والشبكات التجارية للجالية اللبنانية وحقائب النقود. لقد تمت تجزئة الشبكات عمدا بحيث لا يمكن بسهولة إرجاع أي عملية إلى فيلق القدس.

بعد مراقبة هذا النظام لعدة عقود، هل تعتقد أن الجمهورية الإسلامية قادرة على إصلاح نفسها من الداخل؟

لا أعتقد ذلك، ما يحدث في إيران يقلقني بشدة. لدي بلدان، إيران وفرنسا، وأظل متعلقا بهما. لا أعتقد أن النظام قادر على تغيير طبيعته. وتتمثل عقيدته في إسقاط الأنظمة الملكية، وتحجيم النفوذ الغربي في الشرق الأوسط، وإبادة إسرائيل، ومن ثم مواجهة الديمقراطيات الغربية.

وهذا المنطق لا يشكل انحرافا مؤقتا. إنه يشكل جوهر النظام نفسه. هذا هو برنامج الثورة، المنصوص عليه في كتاب وصيته الذي تركه الخميني، والذي يمكن للجميع قراءته. إن فيلق القدس والوكلاء والشبكات السرية والنفوذ الديني هي أدوات هذه العقيدة.

ولا يزال جزء من اليسار الغربي يعتقد أن النظام قادر على التطور. أعتقد أنه مخطئ. وما دام هذا النظام قائما، فلن يكون هناك سلام دائم في الشرق الأوسط أو استقرار إقليمي.

دول الخليج مهددة، وإسرائيل مهددة، والغرب مستهدف والمغرب نفسه قلق بسبب الاستراتيجية الإيرانية في المغرب الكبير والساحل. ويجب أن يختفي هذا النظام سياسيا حتى تتمكن إيران من أن تصبح دولة طبيعية مرة أخرى وتستعيد مكانتها بين الأمم.

بعد أربعين سنة من الخدمة، كيف تقضون حياتكم اليوم؟

أنا الآن متقاعد من الشرطة الوطنية، وأنا جد سعيد. نشرت مذكراتي سنة 2024 بمساعدة ستيفان جواني (Stéphane Joahny): «عميلنا الإيراني» (Notre agent iranien) . كان لي شرف الحصول على وسام الشرف للشرطة الوطنية. وفي هذه المناسبة أعلنت: «إن فرنسا لا تدين لي بشيء. وأنا مدين لفرنسا بكل شيء. ولكن يسعدني أن أرى أن فرنسا لا تنسى خدامها».

ولم أعتبر قط أن خدمة فرنسا تعني التخلي عن إيران. على العكس من ذلك تماما. لقد خدمت فرنسا لأنها رحبت بي وحاربتُ الجمهورية الإسلامية لأنني أردت الدفاع عن إيران الحقيقية.

طوال سنوات نشاطي، كانت قوتي تكمن في أن لي وطنيين، وأعرف ثقافتين، وأفهم عقليتين. هذه الانتماء المزدوج سمح لي، بحسب زملائي، بأن أصبح عميلا جيدا.

تحرير من طرف كريم سراج
في 11/08/2026 على الساعة 08:59