على شاشة قناة إسبانية.. بروباغندا الانفصال تتستر برداء التحليل لمهاجمة المغرب

الناشط الانفصالي طالب علي سالم

في 24/08/2026 على الساعة 18:45

فيديوانتقل الناشط الانفصالي طالب علي سالم من المطالبة بـ«التدمير السياسي والاقتصادي» للمغرب عبر شاشة «كواترو»، إلى إطلاق اتهامات بـ«الإبادة الجماعية» على قناة «أنتينا 3»، مواصلا مزايداته داخل البلاتوهات التلفزيونية الإسبانية. ووجدت الباحثة المتخصصة في شؤون المغرب العربي والساحل، بياتريس ميسا، نفسها في مواجهة محاولات متكررة لحجب صوتها، دون أن تلزم القناة المتحدث بتقديم أدنى دليل يسند تلك الاتهامات الخطيرة.

بدت حلقة برنامج «إسبيخو بوبليكو» فرصة لنقاش رصين يتناول العلاقات المغربية الإسبانية بحضور آراء متباينة، انسجاما مع طبيعة ملف يتسم بالتعقيد. غير أن التعددية الإعلامية تحولت إلى مجرد واجهة شكلية على الشاشة، بعدما غابت شروط الحوار المتوازن ورفض الطرف المقابل الاستماع إلى الرأي المخالف.

قدمت القناة الإسبانية الضيف الانفصالي تحت شارة «محلل سياسي وناشط صحراوي»، لكن التحليل سرعان ما غاب أمام سلطة الصراخ. وبمجرد أن حاولت بياتريس ميسا وضع تلك السردية أمام محك الوقائع، تحول النقاش إلى مقاطعات صوتية متتالية تجاوزت جوهر الفكرة.

لم تكن الأكاديمية الإسبانية مجرد متدخلة عابرة تدلي بآراء ارتجالية حول المنطقة، بل أستاذة باحثة تحمل دكتوراه في العلوم السياسية وتراكم تجربة ميدانية تقارب عشرين عاما في تتبع التحولات السياسية للمنطقة. واختار الناشط الانفصالي في المقابل اختزال النزاع المفتعل في كلمة «إبادة»، دون الاستناد إلى أي معطيات أو وقائع ملموسة تثبت ادعاءاته.

حاولت بياتريس ميسا تذكير الحاضرين بحقيقتين يندر تناولهما في الإعلام الإسباني؛ ترتبط الأولى بكون الوحدة الترابية للمملكة المغربية ليست ورقة تفاوض عابرة في الوجدان المغربي، في حين تؤكد الثانية أن جبهة «البوليساريو» لا تمثل عموم الصحراويين، بالنظر إلى أن أعدادا غفيرة منهم متمسكة بانتمائها الراسخ للمغرب. واختار المتحدث مواجهة هذا الطرح بمقاطعة كلامها والتشويش المباشر على حديثها.

واجهت الباحثة هذا الأسلوب باحتجاج صريح داعية إلى مقارعة الحجة بالحجة في إطار الاحترام المتبادل. وجاء رد الناشط الانفصالي متهربا بادعاء رفضه الإصغاء لمن يروج «خطاب الكراهية»، في مسعى لوصم كل موقف يخالف أطروحته وإقصاء الرأي الآخر.

تخلت «أنتينا 3» عن القاعدة الأساسية للنقاش الإعلامي المهني القائمة على تكافؤ فرص التعبير. وقدمت بياتريس ميسا تحليلا أكاديميا مدعوما بالخبرة الميدانية يقطع مع الطرح الأحادي السائد في المشهد الإسباني، بينما اكتفى علي سالم برمي التهم والمقاطعة المستمرة لتعطيل التدقيق، لتتيح القناة للمزايدة الميدانية أن تعلو على صوت التحليل الرصين.

من ناشط انفصالي إلى ضيف دائم في البلاتوهات

ولد طالب علي سالم سنة 1992 بمخيمات تندوف، وانتقل إلى إسبانيا في سن العاشرة ضمن برنامج «عطل في سلام»، ثم استقر في مدريد وروج لنفسه كناشط وكاتب مساند للطرح الانفصالي. وتكشف بيانات دار النشر التي يتعامل معها تلقيه تكوينا في مجال التعاون الدولي والمساعدة الإنمائية.

يحق للجميع التعبير عن آرائهم في شأن النزاع المفتعل حول الصحراء، بيد أن الأمانة تقتضي كشف صفة المتدخل بوضوح. فالرجل طرف مباشر في الخلاف يتبنى أجندة معلنة، وتكمن المغالطة حين تخلط المنابر الإعلامية بين النشاط السياسي والتحليل المستقل، مع التغاضي عن المعايير التحريرية الصارمة.

يحمل المحلل السياسي قناعات خاصة بطبيعة الحال، إلا أن الفارق بينه وبين المروج الدعائي يكمن في التزام المنهج الدقيق. ويفرض العمل التحليلي التمييز بين الوقائع وتأويلاتها، وبناء الخلاصات على أسس موضوعية، والإقرار بالحقائق الثابتة على أرض الواقع.

سلك الناشط مسارا مناقضا بتجاهله تأييد شرائح واسعة من الصحراويين للوحدة الترابية للمغرب ورفضهم لأطروحة الانفصال. وتعرف الأقاليم الجنوبية للمملكة مشاركة مكثفة للصحراويين في مختلف الاستحقاقات الانتخابية وتدبير الشأن العام الترابي والتمثيل النيابي داخل المؤسسات الدستورية، الأمر الذي يدحض وهم التمثيل الحصري لساكنة المنطقة.

مزايدات وتواطؤ إعلامي متكرر

لا تعد هذه الواقعة الانزلاق التلفزي الأول للمتحدث ذاته، إذ سبق له التصريح في برنامج «أوريزونتي» على قناة «كواترو»، بتاريخ 31 يوليوز، بأن مدريد تمتلك الوسائل اللازمة لـ «تدمير المغرب سياسيا واقتصاديا».

مرت تلك الدعوة التحريضية دون اعتراض يذكر داخل البلاتو، ما دفع الأكاديمي والفاعل السياسي لحسن حداد إلى اللجوء للهيئات المهنية للصحافة في إسبانيا. وأحالت جمعية الصحافة بمدريد الشكاية على لجنة التحكيم وأخلاقيات المهنة للبت في التجاوزات المسجلة.

تصاعدت حدة الخطاب في ظرف وجيز من المطالبة باستهداف بلد يضم نحو أربعين مليون نسمة إلى كيل اتهامات «الإبادة». وتكرر السيناريو نفسه بين قناتي «كواترو» و«أنتينا 3» عبر استضافة المتحدث وإسباغ صفة الخبير عليه دون إخضاع تصريحاته لميزان التدقيق الصحفي.

أضحت القناة تستعين بالمتحدث بشكل متكرر في قضايا المغرب، حيث سبق له وصف أزمة الهجرة نحو سبتة المحتلة بأنها «عملية مدبرة» من الرباط، زاعما وجود نقاشات داخل المملكة حول «استعادة الأندلس»، ومدعيا سعي المغرب إلى إثارة القلاقل لاختبار قدرات الرد الإسبانية.

يمنح الحضور الإعلامي المتكرر رداء الخبرة لخطاب دعائي محض، لكن التكرار لا يجعل من الترويج السياسي تحليلا موضوعيا، كما أن تقديم الضيف بصفة «محلل» لا يعفي القنوات من مسؤولية التحقق والمهنية.

نشر المعني تدوينة عقب انتهاء البث يهاجم فيها الباحثة بياتريس ميسا ويدعي مراوغتها في الدفاع عن المغرب، في مفارقة تعكس حجم التناقض، بالنظر إلى أن المشاهد أثبتت حرمانها من إتمام فكرتها بسبب مقاطعاته الصاخبة.

تملك المنابر الإعلامية حرية اختيار ضيوفها، لكن المهنية تمنع تقديم ناشط ذي توجهات حزبية في صورة الخبير المحايد، أو إفساح المجال لترويج اتهامات خطيرة دون تقديم براهين، أو السماح بإسكات الأصوات الأكاديمية الرصينة. وتقتضي التعددية الإعلامية فتح المجال أمام الجميع للتعبير بنزاهة، وإلزام المتدخلين بالحجج الدامغة، مع التصدي لمحاولات مصادرة الصوت الصحراوي.

تحرير من طرف فائزة غول
في 24/08/2026 على الساعة 18:45