قضية وفاء عتيد وتوظيف «إلباييس».. رواية مهزوزة تتخبط في التناقضات

وفاء عتيد خلال رحلة سياحية إلى تركيا

في 21/08/2026 على الساعة 18:45

فيديوتحولت المغربية وفاء عتيد، البالغة 28 عاما، في ظرف أيام معدودة، من مهاجرة غير نظامية عادية إلى «مؤثرة حرّاكة»، تتصدر منصات التواصل الاجتماعي وتثير جدلا واسعا عقب وصولها سباحة إلى ثغر سبتة في 30 يوليوز الماضي، وسط سيل من التناقضات التي نسفت الرواية الترويجية التي سوقتها صحيفة «إلباييس» الإسبانية.

قدمت صحيفة «إلباييس» الإسبانية وفاء عتيد بوصفها شابة قطعت المسافة البحرية سباحة نحو سبتة هربا من تعنت أسري حرمها من متابعة دراستها وحقها في السفر. غير أن الحسابات الشخصية للشابة على منصات التواصل الاجتماعي، بما وثقته من رحلات خارجية وتجارب مهنية سابقة، سرعان ما نسفت هذه الرواية.

وفي خضم هذا الجدل، هاجمت المعنية وسائل الإعلام متهمة إياها باجتزاء تصريحاتها «كي ينبح أمثالكم»، بالتزامن مع نشر الجريدة الإسبانية نسخة ثانية ومعدلة لروايتها، الأمر الذي ضاعف منسوب التناقضات إثر خرجاتها الرقمية المتتالية.

وانتقلت وفاء عتيد في ظرف أيام معدودة من مجرد مهاجرة غير نظامية مجهولة إلى ما بات يطلق عليه «المؤثرة الحراكة»، لتتحول من عابرة للحدود إلى صانعة محتوى تتصدر واجهة المنصات وتستقطب آلاف المتابعين.

وبات كل تصريح جديد للشابة يثير سيلا من التفاعلات، حيث تقدم في كل مقطع مصور رواية مغايرة، وتفرز كل محاولة للتوضيح تناقضا إضافيا. ولم يعد اهتمام المتابعين مقتصرا على واقعها في ثغر سبتة، بل امتد ليفحص تفاصيل رحلاتها السابقة، وحساباتها القديمة، ومسارها المهني، وردودها الهجومية على كل من شكك في روايتها الأولى.

«كي ينبح أمثالكم».. تصريحات تشعل السجال

انطلقت فصول الواقعة في التاسع عشر من غشت، حين بثت «إلباييس» مقابلة مصورة مع الشابة المغربية البالغة 28 عاما، إثر دخولها سباحة إلى سبتة في 30 يوليوز الماضي. وادعت وفاء في المقابلة أن أسرتها منعتها من التعلم والسفر واختيار نمط لباسها بحرية.

وزعمت المتحدثة في ذلك الشريط أن «النساء ينظر إليهن ككائنات أدنى من الرجال»، مضيفة أن والديها أخرجاها من مقاعد الدراسة ورفضا السماح لها بالانتقال لمتابعة مسارها التعليمي.

ورسمت المادة الصحفية ملامح فتاة معزولة قسرا داخل بيت أسري محافظ. وسرعان ما كشف رواد الشبكات الاجتماعية وجها مغايرا تماما لما روجه الفيديو؛ إذ وثقت حساباتها الرقمية إقامات وجولات شملت قطر، والإمارات العربية المتحدة، وتركيا، ودولا أخرى، فضلا عن دراستها في دبي، واشتغالها في قطاع الفندقة والمطاعم وعروض الأزياء.

وخرجت وفاء في مقطع جديد لترد على انكشاف أرشيفها الرقمي دون أن تنفي أسفارها، مؤكدة: «سافرت إلى السعودية وقطر ودول إفريقية، لكنني لا أريد العيش هناك. أريد الاستقرار في أوروبا، فما مشكلتكم أنتم؟».

وبررت المعنية تلك الأسفار بمغادرتها بيت الأسرة؛ إذ ذكرت أنها كانت محرومة من التنقل واتخاذ قراراتها حين كانت تقيم مع والديها، قبل أن تستقل ماديا وتتحمل تكاليف رحلاتها عبر عملها الخاص، مرددة بإصرار: «أنا لم أكذب».

ووجهت الشابة ردودها الحادة نحو الصحافة ورواد المواقع الذين رصدوا الفجوات الصارخة في خطابها، زاعمة أنها لو روت تفاصيل قصتها كاملة لتقدم منتقدوها بالاعتذار إليها. ومضت تتهم المنابر الإعلامية بتعمد بتر المقابلات قائلة: «الصحافة تجتزئ ولا تنشر الرسالة كاملة، والبعض يفعل ذلك عمدا كي ينبح أمثالكم في التعليقات».

ولم تكتف وفاء بمهاجمة الصحفيين ووصف المتابعين بالنابحين، بل أضافت: «لا يهمني الرأي العام، وأعرف جيدا ما أقوم به». وتجلى هذا التوجه في حرصها، منذ وصولها إلى سبتة، على الإدلاء بإفادات أمام كاميرات متعددة وتكثيف ظهورها الرقمي، في وقت وثقتها عدسات أخرى وهي تفترش الأرض مطالبة باللجوء وسط جموع المهاجرين.

من «لست فقيرة» إلى «أنا الأشد فقرا»

وطرحت وفاء في تسجيل لاحق مبررا جديدا لعزل حالتها عن باقي المهاجرين، مقدمة نفسها هذه المرة بصفتها الشخص الأكثر فقرا داخل المخيم وبين مجموع الوافدين على سبتة.

وصرحت المعنية بالقول: «أنا الأفقر بين جميع المهاجرين الذين دخلوا. المتواجدون هنا يملكون مطاعم وبيوتا، أما أنا فأشدهم فقرا على الإطلاق».

ولم تفصح المتحدثة عن مصدر معطياتها بشأن الذمة المالية لآلاف الأشخاص، ولا السند الذي بنت عليه زعمها بامتلاك غيرها لعقارات ومشاريع تجارية. وبدا مسعاها واضحا في تبخيس هشاشة الآخرين لاحتكار صفة العوز، سعيا لنيل تعاطف مضاعف وأسبقية في إجراءات الاستقبال.

ويصطدم هذا الادعاء بما أدلت به للصحيفة الإسبانية ذاتها في تقريرها اللاحق حين قالت: «لست فقيرة، لكني لست غنية أيضا، أنا في منزلة بينهما»، واصفة نفسها بالإنسانة العادية. ويجسد هذا الخطاب تحولا مباغتا من رفض تصنيفها كمهاجرة اقتصادية إلى تنصيب نفسها الحالة الإنسانية الأكثر تضررا.

وتجاوز هذا التناقض الشق المالي ليرسم تراتبية تمنح نفسها الأفضلية وتجرد باقي المهاجرين من حق اللجوء بذريعة امتلاكهم أصولا وأموالا، في مفارقة لافتة داخل مخيم صدحت فيه هتافات المهاجرين بأن «الجميع متساوون».

حوار كامل في دقيقتين.. مأزق المعالجة لدى «إلباييس»

ونشرت «إلباييس» اليوم الجمعة تقريرا ثانيا مفصلا تداركت فيه النواقص التي طبعت مادتها الأولى، مدرجة تفاصيل أسفار وفاء، ووظائفها بالخارج، وإقامتها بالإمارات، ومساعيها للحصول على التأشيرة، وخروجها المبكر من بيت الأسرة.

ويكشف التسلسل الزمني للأحداث ارتباكا في التناول الإعلامي؛ إذ التقت الجريدة بالشابة يوم السبت واستمعت لماضيها، ثم عادت يوم الإثنين لإجراء «محادثة مطولة» وتوثيق إفادتها، لتبث يوم الأربعاء شريطا لا يتجاوز دقيقتين زاعمة أنه يمثل «المقابلة الكاملة». وإثر اندلاع الجدل يوم الخميس، أجرت معها حوارا جديدا لتنشر الرواية المعدلة يوم الجمعة.

وأورد التقرير الجديد أن وفاء غادرت عائلتها منذ سنوات، وعملت موظفة استقبال، واكتسبت مهارات في اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ثم أقامت في الإمارات سعيا لنيل تأشيرة دراسية تزامنا مع شغلها وظائف متعددة في دبي.

وعقب تعثر مساعيها في الحصول على تأشيرة نظامية صوب أوروبا، رأت في موجة الدخول الجماعي ليوم 30 يوليوز فرصة مواتية لبلوغ سبتة ومحاولة العبور نحو شبه الجزيرة الإيبيرية.

واتخذت القصة بذلك منحى مغايرا تماما؛ فبعدما أظهرتها المادة الأولى كضحية مسلوبة الإرادة ومحرومة من التعلم والسفر، كشف التقرير الثاني أنها تركت ذلك المحيط منذ سنوات، وخاضت تجارب في بلدان عدة، واشتغلت بصفة مستقلة وظلت تبحث عن منفذ نحو الفضاء الأوروبي.

ولم تحدد الصحيفة الإسبانية طبيعة المعطيات التي كانت تملكها عقب لقائي السبت والإثنين، ولا ما إذا كانت تلك التفاصيل قد طفت فقط بعد تحريات نشطاء المنصات الاجتماعية. كما أغفلت توضيح أسباب حجبها لمسار الشابة اللاحق واقتصارها المبدئي على صورة الفتاة المضطهدة.

ويضع هذا الإغفال المعايير المهنية على المحك؛ فإن كانت المعطيات متوفرة وجرى استبعادها، فذلك إسقاط لعناصر حاسمة غيرت جوهر الموضوع، وإن كانت الشابة قد أدلت بها لاحقا، فيتعذر فهم سبب تقديم شريط الدقيقتين بصفته «المقابلة الكاملة».

تهميش المأساة الجماعية في ظل صخب «مؤثرة الحراكة»

وبينما استحال مسار وفاء إلى مادة للمتابعة الاستعراضية، يكابد مئات المهاجرين في سبتة ظروفا إنسانية بالغة التعقيد.

وظل أزيد من ألف شخص، على مدى ثلاثة أسابيع تقريبا، يبيتون في العراء بشاطئ «إل ترامبولين» وفي محيط مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين، معتمدين على تضامن الساكنة ووجبة غذائية وحيدة يوميا، وسط صعوبات في التبضع جراء تطويق أمني وعسكري وعمليات مراقبة نعتها حقوقيون بالتمييز القائم على الملامح.

ورصدت في هذا السياق شهادات تؤكد تعرض مهاجرات لتحرش واعتداءات؛ حيث أكدت النيابة العامة في سبتة لمنصة «نيوترال» تسجيل 13 شكاية رسمية ترتبط باعتداءات جنسية إلى حدود 17 غشت.

ولا تحظى هؤلاء النسوة بمقاطع واسعة الانتشار، ولا بسجلات رقمية تخضع للتمحيص، ولا بصحف دولية تفرد لهن تغطيات متسلسلة؛ بل قاست أغلبهن قساوة المبيت في العراء ومخاوف الاستهداف وصعوبة تدبير لقمة العيش.

تستحق قصة وفاء عتيد التناول الإعلامي، بما في ذلك ما تدعيه من ضغوط أسرية، غير أن معالجتها تقتضي التحري الميداني الدقيق الواجب في كل نازلة. فالخرجات الهجومية لا تلغي التناقضات الصريحة، والصيغة المعدلة لـ«إلباييس» تظل عاجزة عن تبرير ما سقط من نسختها الأولى.

وفي خضم هذا الاستعراض الرقمي والتوظيف الإعلامي، طغت هذه الضجة المفتعلة على المعاناة الحقيقية لمئات المهاجرين العالقين في ظروف قاسية على شاطئ «إل ترامبولين» ومحيط مركز الإيواء بسبتة، والذين يواجهون مضايقات أمنية وتمييزا يوميا، بينهم نساء وضعن شكايات باعتداءات جنسية لدى القضاء، بعيدا عن عدسات التلميع والبطولات الافتراضية الزائفة.

تحرير من طرف فائزة غول
في 21/08/2026 على الساعة 18:45