أزمة سبتة تنزلق نحو الفوضى.. مطاردات وإطلاق نار لتفريق المهاجرين في الشوارع

مهاجر مستلقي على الأرض تحت أنظار رجال الشرطة الإسبان، بينما ينتظر آخرون على الرصيف لتسجيلهم في حي لوما كولمينار، في سبتة، في 31 غشت 2026. AFP or licensors

في 31/08/2026 على الساعة 19:30

تدخلت عناصر الشرطة الإسبانية، اليوم الاثنين، لتفريق حشود المهاجرين المحتشدين أمام مركز الاستقبال «لوما كولمينار» عبر استخدام الهراوات وإطلاق عيارات تحذيرية في الهواء. وكان بعض هؤلاء يرابطون في المكان منذ عشرة أيام أملا في نيل مأوى، إثر طردهم من الشواطئ والمخيمات العشوائية.

وتأتي هذه التوترات الميدانية بعد أيام شهدت عرقلة توزيع المساعدات الإنسانية، وإحراق ملاجئ مؤقتة، وإلقاء أمتعة المهاجرين في مياه البحر، لتدخل الأزمة مرحلة جديدة من الفوضى.

تجاوزت التطورات الجارية في سبتة حدود الحوادث العارضة؛ إذ لجأت عناصر الشرطة الوطنية الإسبانية إلى القوة وإطلاق النار في الهواء لتفريق مهاجرين ظلوا يخيمون لأيام أمام مركز «لوما كولمينار»، بغية الظفر بمكان يضمن لهم سريرا ووجبة طعام وفرصة للاستحمام.

وانطلقت شرارة التدخل الأمني عقب نجاح أفراد في التسلل إلى داخل المنشأة؛ ما دفع العالقين في الخارج إلى محاولة التقدم، لتندلع اشتباكات وتدافعات وسط الحشود. وعلى إثر ذلك، استنفرت قوات الأمن تعزيزات مشددة فرضت طوقا على الموقع وأخلت محيط المركز بالكامل.

وجد هؤلاء الأشخاص، الذين قضى بعضهم ليلته في العراء ورابط آخرون في طوابير الانتظار قرابة عشرة أيام، أنفسهم مجددا في شوارع المدينة تائهين دون وجهة أو مأوى فور انتهاء التدخل الأمني.

وفي هذا السياق، تساءل أحمد، وهو شاب مغربي يبلغ 29 عاما، في تصريح أوردته صحيفة «إل موندو»: «طردونا من الشواطئ، والآن يطردوننا من هنا. إلى أين يريدوننا أن نذهب؟»، بينما يواصل البحث برفقة آخرين عن بقعة تأويهم.

آلاف المهاجرين في مواجهة طاقة استيعابية محدودة

أقيم مركز «لوما كولمينار» فوق ساحة مخصصة سابقا لتنظيم حركة العربات المتوجهة نحو المعبر الحدودي.

ورغم تجهيز الموقع بخيام عسكرية وأسرة مزدوجة ومساحات مظللة ومرافق صحية ليعمل كمركز إيواء مؤقت، فإن طاقته الاستيعابية تظل عاجزة كليا عن استيعاب التدفقات.

وكان المركز يأوي نحو 1300 شخص قبل أحداث الاثنين، في حين كان يبيت ما بين 4000 و4500 شخص في أزقة الحي، وفق تقديرات جمعية قاطني «لوما كولمينار».

وضمت الحشود قاصرين ونساء مرفوقات بأطفال، يفترش بعضهم الكرتون والأغطية والمراتب بمحاذاة السياج منذ أزيد من أسبوع خوفا من ضياع دورهم في الطابور.

ونصبت وحدات الجيش، يوم الاثنين، خيمة ضخمة إضافية مكنت من إدخال مئات الأفراد، غير أن الغالبية الساحقة ظلت عالقة في الخارج. وأدى فتح الأبواب بعد أيام من الترقب دون توضيحات رسمية إلى تصاعد حدة الاحتقان.

وتزامنت خيبة الأمل هذه مع سريان شائعة مضللة تفيد بأن ولوج المركز يسرع تسوية الوثائق القانونية للإقامة في أوروبا، لتعمق بذلك حالة التضليل التي أشعلت الأزمة أساسا عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

مطاردات مستمرة من مخيم إلى آخر

لم تسفر عملية إخلاء محيط «لوما كولمينار» سوى عن ترحيل الإشكال ونقله جغرافيا. فعلى مدى شهر كامل، أُجبر آلاف المهاجرين على مغادرة الشواطئ، والأراضي الخلاء، ومحيط المستشفى، وفضاءات عمومية أخرى، دون أن تنجح السلطات الإسبانية في توفير بدائل إيواء كافية.

وكانت السلطات قد أجلت، في 20 غشت، أزيد من 1200 شخص من شاطئ «إل ترامبولين» بعدما أقاموا قرابة ثلاثة أسابيع فوق الرمال، حيث جرى توجيه جزء منهم إلى «لوما مارغاريتا» والباقي إلى مركز «لوما كولمينار».

وأمام غياب الأماكن الشاغرة، واصلت أعداد كبيرة المبيت في الشوارع، والحدائق، ومداخل العمارات، والأراضي المهجورة، والمستودعات غير المستعملة، وحتى بجوار قنوات الصرف الصحي.

وظل ما يربو على 3000 شخص يقضون لياليهم على شاطئ «تاراخال» خلال عطلة نهاية الأسبوع تحت أغطية بلاستيكية وفي أكواخ هشة.

وبالموازاة مع ذلك، شكل سكان أحياء أخرى دوريات حراسة عبر مجموعات تطبيق «واتساب»، مسلحين بالعصي لـ«طرد» المهاجرين، حيث أكد شبان تعرضهم للضرب وسلب هواتفهم وأموالهم.

وبينما يبدو استياء الساكنة مفهوما، فإن مظاهر الجوع والإنهاك والتشرد التي تحاصر آلاف العالقين منذ شهر تفرض ثقلها هي الأخرى؛ الأمر الذي يهدد استقرار المدينة ويدفعها نحو صدام اجتماعي مفتوح.

تحويل الطوارئ الإنسانية إلى مقاربة أمنية صرفة

تزامنت أحداث الاثنين مع وقائع سابقة بالغة الخطورة، بعدما اعترض محتجون مركبات تابعة لمنظمة الصليب الأحمر محملة بالمؤن ومياه الشرب ومنعوها من الوصول إلى المهاجرين؛ ما دفع المنظمة إلى إلغاء عمليات التوزيع. كما طالت الحرائق ملاجئ عشوائية، وأُلقيت أفرشة وأمتعة خاصة في مياه البحر.

وطالت الهراوات والرصاص التحذيري هذه المرة مهاجرين ينشدون مجرد مكان للنوم، لا لشيء سوى لإخلاء محيط منشأة تعاني أصلا من الاكتظاظ الشديد، دون تأمين أي مأوى بديل.

وتزداد المشاهد قتامة بالنظر إلى إعلان الحكومة الإسبانية، في 25 غشت، تفعيل حالة «المصلحة المرتبطة بالأمن القومي»، حيث أقر المرسوم بعجز الطاقات الاعتيادية للاستقبال والإغاثة وحفظ النظام.

ونص التدبير على تعبئة موارد استثنائية لضمان المأوى والإطعام وتغطية الحاجات الأساسية، إلى جانب حصر عقارات ومنشآت عسكرية ومرافق رياضية صالحة للإيواء.

ورغم مرور ستة أيام على هذا القرار، ما يزال الآلاف يفترشون العراء، وتقتصر الاستجابة الاستعجالية للسلطات على ملاحقتهم وطردهم من نقاط تجمعهم.

دخلت سبتة في دوامة أمنية بالغة الخطورة، إذ يُخلى المهاجرون من الشواطئ صوب مراكز عاجزة عن الاستيعاب، وحين يتجمعون أمام بواباتها أملا في الحصول على سرير، يُفرَّقون بالقوة، ليعودوا تائهين بين الأراضي الخلاء والأرصفة، بانتظار تحرك جديد للسكان أو عملية أمنية أخرى ترغمهم على النزوح مجددا.

ولم يعد الرهان مقتصرا على تدبير تدفقات هجرة استثنائية، بل بات يتمحور حول إنقاذ آلاف البشر من واقع التيه المستمر بين الجوع وعنف الشارع ومتاهة إدارة عاجزة، بعد شهر كامل من اندلاع الأزمة، عن توفير مجرد سقف يأويهم.

تحرير من طرف فائزة غول
في 31/08/2026 على الساعة 19:30