صوت العقل في مدريد: سانشيز ينسف مزاعم اليمين ويثبت محورية الشراكة مع الرباط

بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة الإسبانية

بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة الإسبانية . DR

في 15/09/2026 على الساعة 11:52

في خضم حملة إعلامية وسياسية مقيتة، قادتها أطراف يمينية وأخرى يمينية متطرفة في إسبانيا، حاولت من خلالها تحويل ثغر سبتة المحتل إلى منصة لإطلاق الاتهامات المجانية ضد المملكة المغربية، جاءت التصريحات الأخيرة لرئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، لتمثل نقطة تحول حاسمة في التعاطي مع قضايا المغرب.

ففي مقابلته مع قناة «لاسيكستا» (La Sexta)، لم يقدم بيدرو سانشيز مجرد تبريرات لسياسة حكومته، بل قاد مرافعة سياسية وموضوعية دحضت، نقطة تلو الأخرى، السردية الاتهامية التي طالما روجت لها الأطراف المعادية للتقارب المغربي الإسباني.

وتكشف لنا القراءة المتأنية لمضامين هذا اللقاء الصحفي، بوضوح قائم على تغليب منطق العقل، كيف تبرز صورة المغرب كدولة مسؤولة، وشريك استراتيجي لا غنى عنه، في مواجهة معارضة إسبانية تفتقر إلى النضج السياسي وتُفضل اللعب بورقة الجوار لتحقيق مكاسب انتخابية ضيقة.

لقد كان من السهل على اليمين الإسباني، ممثلاً في الحزب الشعبي (PP) وحزب فوكس (Vox)، أن يروج لأسطوانته المشروخة المتمثلة في « التساهل المتعمد » للمغرب حيال تدفقات الهجرة خلال أحداث 30 و31 يوليوز، لكن سانشيز اختار من منطلق مسؤوليته السياسية أن يضع النقاط على الحروف، حينما كشف عن معطيات ميدانية تفند هذا الادعاء جملة وتفصيلاً.

فقد أوضح رئيس السلطة التنفيذية الإسبانية أن السلطات المغربية كانت هي المبادِرة بتنبيه نظيرتها الإسبانية، وأنها أدارت الأزمة بحكمة بالغة لتفادي مأساة إنسانية، بل ودفعت بتعزيزات أمنية غير مسبوقة قبل أن تضمن إعادة قبول شبه كاملة للأشخاص المعنيين. هذا الموقف الإسباني الرسمي لا يشكل فقط تبرئة للمغرب من تهمة « التواطؤ »، بل هو اعتراف صريح بفعالية المقاربة الأمنية والإنسانية المغربية، التي تتحمل عبئاً كبيراً في حماية الحدود الجنوبية لأوروبا، غالباً في ظروف إنسانية وأمنية بالغة التعقيد.

وعلى صعيد متصل، وجه سانشيز ضربة قاضية لـ « نظريات المؤامرة » التي طالما روجت لها المعارضة وبعض المنابر الإعلامية المحسوبة عليها، فقد وصف ادعاءات زعيم الحزب الشعبي، ألبرتو نونيز فيخو، ورئيس الحزب القومي الباسكي، أيتور إستيبان، حول قضايا التجسس والابتزاز المرتبطة ببرنامج « بيغاسوس »، بأنها « سيناريوهات تليق بمسلسلات نتفليكس »، وهو بالضبط التوصيف الساخر والذكي الذي يعكس مدى تهافت الخطاب المعادي للمغرب، الذي أصبح يستمد حُججه من الخيال المريض وليس من الواقع.

بيدرو سانشيز، بصفته رئيساً للسلطة التنفيذية والمؤتمن على أسرار الدولة وساكن « المونلكوا » الأول، أكد أنه لا يوجد أي دليل يثبت تورط الدولة المغربية في تنظيم أو تحريض أحداث الاقتحام، مُرجعاً السبب الحقيقي إلى شبكات التهريب التي استغلت قرار المحكمة العليا الصادر في 8 يوليوز لبث حملات تضليل واسعة. هذا التشخيص يبرئ ذمة الرباط ويضع الكرة في ملعب التعاون الأمني المشترك لمحاربة المافيات الدولية.

من جهة أخرى، شكلت هذه المقابلة الصحفية فرصة حقيقية لإعادة توجيه النقاش نحو مساره الصحيح: المسار الإنساني والهيكلي. لقد واجه سانشيز بشجاعة مصطلح « الغزو » و« الحرب الهجينة » الذي تلوكه ألسنة اليمين المتطرف، مستبدلاً إياه بتوصيف أكثر دقة وواقعية، وهو « الأزمة الإنسانية ».

إن الهجرة، كما أشار رئيس الحكومة الإسبانية، هي نتيجة حتمية للتفاوتات الاقتصادية البنيوية بين ضفتي المتوسط، وليست سلاحاً جيوسياسياً تلوح به الدول. وفي هذا السياق، برز الموقف المغربي النبيل والإيجابي، حيث أكد سانشيز على إبداء المغرب إرادة حقيقية وصادقة للتعاون من أجل حل معضلة القاصرين وتسهيل إجراءات التجمع العائلي. هذا الموقف يرسخ صورة المغرب كدولة تضع الاعتبارات الإنسانية في صلب سياساتها، وتتعامل مع ملف الهجرة بمنطق الشراكة لا بمنطق الابتزاز.

إلى جانب ذلك، عرّت تصريحات سانشيز النفاق السياسي الداخلي في إسبانيا، واضعة الأصبع على الجرح. فقد وجه انتقاداً لاذعاً لتغير موقف رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس (عن الحزب الشعبي)، معتبراً أن تراجعه عن التعاون لم يكن نابعاً من مصالح المدينة وساكنتها، بل كان رضوخاً للإملاءات والضغوط الصادرة عن القيادة المركزية لحزبه وحلفائه في حزب فوكس.

وهذا الفضح المباشر يؤكد ما كانت تقوله الرباط دائماً: إن الضجة المفتعلة ضد المغرب ليست سوى انعكاس لصراعات داخلية إسبانية، حيث يتم استعمال ورقة « الجوار المغربي » كمطية انتخابية رخيصة لتصفية الحسابات وإضعاف الحكومة المركزية قبيل أي استحقاقات سياسية. إن إدراك هذه الحقيقة من أعلى هرم السلطة في إسبانيا يسقط القناع عن خصوم المغرب، ويفرغ خطاباتهم من أي محتوى سياسي أو أخلاقي.

وفي الختام، لم تكن مقابلة بيدرو سانشيز مع « لاسيكستا » مجرد دفاع عن النفس، بل كانت وثيقة سياسية تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المقاربة المغربية في إدارة الأزمات المشتركة هي مقاربة مسؤولة، رصينة، وموثوقة، حيث أن تأكيد سانشيز على أن أي محاولة لقطع العلاقات أو التصادم مع المغرب هي « خطوة عبثية »، يعكس إيماناً راسخاً بأن الحوار والتعاون مع الرباط يمثلان ضرورة استراتيجية لا بديل عنها.

إن المغرب، بصبره الدبلوماسي وعمله الميداني الفعال، يثبت يوماً بعد يوم أنه حجر الزاوية في الاستقرار الإقليمي، وأن شراكته لا تخضع لمزاجية المعارضة ولا لحسابات الصناديق الانتخابية، بل تُبنى على الاحترام المتبادل والمصالح العليا المشتركة التي تجمع بين البلدين الجارين.

تحرير من طرف هيئة التحرير
في 15/09/2026 على الساعة 11:52