سبتة: فشل ذريع لمناورة الحزب الشعبي و«فوكس» المناهضة للمغرب في البرلمان الأوروبي

البرلمان الأوروبي. AFP or licensors

في 19/09/2026 على الساعة 09:40

أجهضت الصيغة النهائية لقرار البرلمان الأوروبي، المصادق عليه في 17 شتنبر، مساعي الحزب الشعبي الإسباني وغريمه اليميني المتطرف «فوكس»، بعدما راهن الطرفان على تحويل قبة ستراسبورغ إلى محكمة تفتيش ضد المغرب.

وتحولت المناورة الحزبية الإسبانية داخل الهيئة التشريعية الأوروبية إلى نكسة سياسية لعرابيها، إثر إفراغ النص من مضامينه التصعيدية ومحاصرة أهدافه العدائية.

وكان نواب الحزب الشعبي الإسباني داخل كتلة الحزب الشعبي الأوروبي (PPE)، بالتنسيق مع نواب «فوكس»، قد قادوا حملة ضغط مكثفة لتمرير القرار تحت عنوان فضفاض: «الهجمات الهجينة الأخيرة وتوظيف المهاجرين في سبتة».

غير أن مخرجات التصويت كشفت عن وثيقة شكلية تفتقر إلى أي أثر قانوني ملزم، لتعري حجم التراجع السياسي لليمين الإسباني الراديكالي الذي اندفع وراء خطاب شعبوي يصطدم بالمصالح الاستراتيجية المشتركة.

انحسار التعبئة وسقوط الرهان العدائي

أخفق الحزبان الإسبانيان في حشد الدعم الكاسح الذي وعدا به لتوجيه رسالة تصعيدية إلى الرباط، إذ لم تتعد حصيلة المؤيدين للقرار 339 صوتا من أصل 720 نائبا، وهي نسبة تقل عن نصف مقاعد البرلمان الأوروبي.

ويعكس هذا الرقم المتواضع هشاشة التحالف غير المتجانس المشكل من تيار الحزب الشعبي الأوروبي والقوميين المتطرفين واليمين الشعبوي، في وقت رفضت فيه قرابة نصف القاعة الانسياق خلف هذا الطرح.

وفي المقابل، أعلن تحالف الاشتراكيين والديمقراطيين (S&D)، وجزء وازن من الليبراليين، وحزب الخضر، وتيار اليسار، معارضتهم الصريحة للنص، منددين بمحاولة استهداف شريك استراتيجي والنيل من مصداقيته.

وعكست عملية التصويت حدة الاستقطاب الداخلي الإسباني ونقله إلى المشهد الأوروبي، حيث انقسم نواب إسبانيا إلى معسكرين؛ إذ صوت نواب الحزب الشعبي و«فوكس» (30 صوتا) لصالح القرار، بينما اصطف الاشتراكيون وممثلو اليسار والخضر (26 صوتا) ضده، في تكرار حرفي للمواجهة السياسية المحتدمة بين حكومة بيدرو سانشيز ومعارضيها في مدريد استعدادا لانتخابات 2027.

وسارت الوفود الأوروبية الأخرى على النهج ذاته، إذ صوت اليمين الإيطالي بقيادة «إخوة إيطاليا» والرابطة و«فورزا إيطاليا» (34 صوتا) لصالح النص، بينما عارضه الحزب الديمقراطي وحركة خمس نجوم (29 صوتا).

وشهد الوفد الألماني الانقسام الأبرز داخل القاعة بـ 43 صوتا مؤيدا مقابل 33 صوتا معارضا، مع تسجيل امتناع ملحوظ وغياب قرابة عشرة نواب من تحالف الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاجتماعي المسيحي، ما يترجم تردد قوى الوسط الألمانية إزاء التوجهات الراديكالية لليمين الإسباني.

وتحمل هذه الخريطة دلالات إيجابية للمغرب، لكونها جردت الخلاف من بعده الأوروبي الشامل وأعادته إلى حجمه الطبيعي كنزاع حزبي إسباني داخلي، كما حرمت التحالف المبادر من أغلبية حاسمة تتيح له ممارسة أي ضغط فعلي على المملكة.

وهكذا تمخضت مناورة الحزب الشعبي عن نتائج هامشية لا ترقى إلى مستوى الزخم الدعائي الذي سبقها.

إسقاط التعديلات وتبرئة الرباط

طالب حزب «فوكس»، عبر ممثله خورخي بوكسادي، بتعليق فوري لكافة أشكال التمويل الأوروبي الموجه للمغرب، وإعادة النظر في اتفاقية الشراكة الثنائية، وفرض عقوبات اقتصادية، وسار الحزب الشعبي على الخطى نفسها بالنفخ في رماد «حرب هجينة» مفترضة.

وجاءت بنود القرار المصادق عليه خالية تماما من هذه المطالب، إذ غابت أي إشارة لتعليق اتفاقية الشراكة أو تفعيل عقوبات، واكتفى النص بإشارات عامة تهم شروط ولوج السوق الأوروبية وضوابط صرف التمويلات، وهي آليات مدرجة مسبقا ضمن الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء.

كما أسقطت الجلسة العامة 12 تعديلا صاغتها أطراف مناوئة، لتتسع الهوة بين ما كان مدبرا ضد المغرب وبين الصيغة النهائية المقرة.

ولم يتضمن القرار أي إدانة للرباط، بعدما أسقط البرلمان التعديل الذي قدمه خورخي بوكسادي لتجميد المساعدات المالية، بفضل تصدي مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين (ECR).

ولقي المصير نفسه مقترح كتلة اليسار الساعي لتحميل السلطات المغربية مسؤولية التحريض على تدفقات المهاجرين، إلى جانب حذف الديباجات التمهيدية التي حاولت توريط الجانب المغربي.

وفضلا عن ذلك، برأ النص المغرب من أي مسؤولية مباشرة في أحداث سبتة، وركز في المقابل على شجب شبكات تهريب البشر واستغلالها لملف الهجرة، وهو الطرح ذاته الذي ما فتئت الرباط تؤكده في مختلف المحافل.

تثبيت مكانة المغرب شريكا استراتيجيا

وصفت الوثيقة البرلمانية المغرب صراحة بأنه «شريك رئيسي» للاتحاد الأوروبي، في تأكيد لافت لمركزية المملكة وتفنيد للرواية العدائية الموروثة عن الفكر الفرانكاوي لدى أطياف اليمين الإسباني.

وعوض حصار الرباط، شدد القرار على متانة الشراكة الاستراتيجية بين الضفتين، لينقلب مسعى التضييق إلى اعتراف صريح بالدور الحيوي الذي يضطلع به المغرب في ضمان استقرار المنطقة.

وتفتقر الوثيقة المعتمدة إلى أية قوة إلزامية على المستوى القانوني، لكونها لا تعدو كونها موقفا سياسيا غير ملزم للجهاز التنفيذي الأوروبي، في وقت يجمع فيه مسؤولو المفوضية الأوروبية على الإشادة بمستوى التعاون الميداني مع السلطات المغربية وتثمين حصيلته.

وعلى الصعيد المؤسساتي، تتسم الأغلبية الهشة التي مررت النص بغياب التجانس وصعوبة التكرار في ملفات مصيرية أخرى، بالتزامن مع تفريغ النص من كل إجراء يمس المصالح المغربية.

حسابات مدريد الضيقة وعزلة اليمين الإسباني

وقع الحزب الشعبي بقيادة ألبيرتو نونييز فيخو في فخ الأجندة الراديكالية لليمين المتطرف، مرتكبا خطأ استراتيجيا يرهن مصالحه المستقبلية.

ويشكل المغرب فاعلا رئيسيا لإسبانيا في المبادلات الاقتصادية والتجارية، إلى جانب أدواره المحورية في محاربة شبكات الهجرة غير النظامية، وحفظ الأمن، وتطوير الشراكات الطاقية.

ويؤدي الانسياق وراء طروحات «فوكس» إلى إشعال الخلاف مع شريك حدودي استراتيجي سيجد الحزب الشعبي نفسه ملزما بالتعامل والتنسيق معه عاجلا أو آجلا، ما يقود إلى عزل إسبانيا وإضعاف موقعها التفاوضي.

واستقرت المؤسسات الأوروبية في المحصلة على تبني الواقعية السياسية، رافضة تحويل إشكالات الهجرة إلى مواجهة دبلوماسية، في انسجام تام مع تصريحات كبار المسؤولين الأوروبيين المؤكدة على محورية دور الرباط في حماية أمن الجوار الأوروبي.

تحرير من طرف هاجر خروبي
في 19/09/2026 على الساعة 09:40