غير أن قراءة متأنية لمضامين هذا المقال، تكشف بوضوح عن غياب الموضوعية والوقوع في شرك «المركزية الأوروبية» التي تأبى الاعتراف بتغير موازين القوى، فالنص يفيض بتناقضات صارخة ونقاط ضعف منهجية، تجعله أقرب إلى مرافعة دفاعية عن الإخفاقات السياسية الإسبانية منه إلى تحليل جيوسياسي رصين، حيث يحاول كاتبه شيطنة نشاط الدبلوماسية المغربية من أجل التغطية على العجز الأوروبي في صياغة استراتيجية متكافئة للتعامل مع دول الجنوب، التي بدأت تستعيد زمام المبادرة وتدافع عن مصالحها الحيوية بشراسة وندية.
ولعل أولى التناقضات الصارخة التي يسقط فيها هذا المقال تتجلى في مقاربته للوضع الأمني في سبتة ومليلية، فهو يعترف بصراحة أن فكرة عسكرة أو تحصين حدود هذين الجيبين المحتلين تمثل استجابة سطحية ومضللة، ولن تفلح في صد موجات الهجرة المستقبلية، نظرا للتعقيدات الجيوسياسية المحيطة بهما. لكنه، وفي مفارقة عجيبة، يعود ليطالب بتدخل استراتيجي شامل للاتحاد الأوروبي لحمايتهما، متجاهلا أن الفشل الأمني الإسباني لا يمكن حله بمجرد «أوربة» الأزمة، وأن محاولة إقحام بروكسل في ملف ذي جذور تاريخية استعمارية هي رفض صريح للاعتراف بأن المقاربة الأمنية البحتة أثبتت عقمها أمام حقائق الجغرافيا والتاريخ.
يمتد التناقض ليطال مفهوم «السيادة» و«الارتهان» الذي بنى عليه الكاتب أطروحته، فبينما يصور إسبانيا وأوروبا كـ«رهائن» في يد المغرب، يعترف في الوقت ذاته بأن الرباط تستغل الهشاشة والانقسامات السياسية الداخلية في إسبانيا، وهنا يبرز سؤال جوهري: هل الخلل في الدبلوماسية المغربية التي تحسن قراءة نقاط ضعف شركائها، أم في النخب السياسية الإسبانية العاجزة عن توحيد صفوفها؟ إن تصوير الضعف الداخلي الإسباني على أنه مكيدة مغربية هو استجداء سياسي يتناقض كليا مع صورة «أوروبا القوية» التي يحاول المقال التسويق لها.
وبالانتقال إلى نقاط الضعف الاستراتيجية في المقال، تبرز «أسطورة الابتزاز بملف الهجرة» كواحدة من أكثر المغالطات فجاجة، حيث يختزل كاتب المقال ظاهرة الهجرة المعقدة في مجرد ورقة ضغط سياسي، متناسيا أن المغرب نفسه تحول من دولة عبور إلى دولة استقرار، ويتحمل ضغوطا ديموغرافية وأمنية هائلة جراء التدفقات القادمة من دول جنوب الصحراء، فضلا عن كون الرباط تخصص سنويا موارد ضخمة للعب دور «الدركي» الذي تحاول أوروبا التملص من تكلفته. وعوض أن يوجه الكاتب نقده للأسباب الهيكلية للهجرة، يختار إلقاء اللوم على الشريك الذي يتحمل العبء الأكبر، في تجلٍ واضح لنظرة استعلائية وأبوية.
وتتجسد ذروة الضعف التحليلي في المقال من خلال «الاختزال الجيوسياسي» المخل، حيث يسلب الكاتب المغرب فاعليته واستقلالية قراره، زاعما أن القوة الدبلوماسية للمغرب تنبع حصرا من تحالفاته العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واضعا إياها ضمن خانة الصراع الأمريكي-الصيني للسيطرة على مضيق جبل طارق، وهو الطرح الذي يسطّح الواقع بشكل متعمد، ويصور المغرب كمجرد «بيدق» في رقعة شطرنج القوى الكبرى، متجاهلا أن الحضور المغربي الوازن اليوم هو ثمرة استراتيجية وطنية متكاملة ومستقلة، امتدت لعقود.
لقد تناسى الكاتب أن قوة الموقف المغربي تنبع في الأساس من الدينامية المتعلقة بقضية الصحراء المغربية، والتي تمثل المنظار الذي تقيس به الرباط صدق الصداقات ونجاعة الشراكات. كما يتجاهل التحليل العودة المؤسسية العميقة للمغرب إلى جذوره الإفريقية، سياسيا واقتصاديا وروحيا، وتنويعه الاستراتيجي الحقيقي لشركائه الدوليين.
إن اختزال الدعم الأمريكي في مجرد تكتيك ظرفي لمواجهة الصين يعكس جهلا بالعمق التاريخي للعلاقات المغربية الأمريكية ومكانة المغرب كقوة استقرار إقليمية.
وختاما، يمكن القول إن مقال «الكونفيدينسيال» ليس سوى صرخة ألم جيوسياسية تصدر عن عقلية أوروبية قديمة لم تستوعب بعد صعود قوى إقليمية واثقة في دول الجنوب، أما أوروبا، في حقيقة الأمر، فهي ليست «رهينة» للمغرب، بل هي رهينة لعقليتها الاستعمارية الجديدة التي تعتقد أن دول الجنوب يجب أن تخضع لها دون قيد أو شرط، فالمغرب لا يمارس الابتزاز، بل يمارس سيادته المشروعة ويطالب بالندية والاحترام المتبادل. وإذا كانت العواصم الأوروبية ترغب بصدق في ضمان استقرار المنطقة، فعليها أن تتخلى عن دور الضحية، وأن تؤسس لشراكات استراتيجية متكافئة تحترم المصالح الحيوية والسيادية لشركائها.
