من سبتة إلى 9 غشت.. كيف حاولت الأجهزة العسكرية الجزائرية نقل الأزمة إلى الداخل المغربي؟

أحداث سبتة. Copyright 2026 The Associated Press. All rights reserved

في 09/08/2026 على الساعة 17:08

بعد موجة العبور الجماعي التي هزت مدينة سبتة، لم تتوقف التحركات الرقمية المرتبطة بالأزمة عند حدود الدعوة إلى «الحريك»، بل انتقلت إلى محاولة إعادة إنتاج التوتر داخل المغرب، عبر دعوات جديدة للاحتجاج يوم 9 غشت، وأخرى للعودة إلى محاولة اقتحام سبتة يوم 15 غشت. وبينما اختارت صفحات تنتحل الهوية البصرية لـ«GENZ212» أن تلعب دور واجهة لهذه الدعوات، تكشف المعطيات الواردة في «بوح الأحد»، الذي نشره أبو وائل الريفي على قناة «شوف تيفي» الإلكترونية، عن شبكة أوسع من المنصات الجزائرية والمؤثرين الجزائريين الذين تولوا إعادة نشرها وتوسيع نطاق انتشارها.

المعطى الهام الذي يطرحه البوح يتمثل في ظهور منشور يحمل الهوية البصرية لـ«GENZ212»، ويدعو إلى تنظيم احتجاجات داخل المغرب، قبل أن تختار الجهة التي تقف وراءه تاريخ 9 غشت موعدا للتحرك. غير أن المفارقة اللافتة أن الصفحات الأصلية المرتبطة بـ«GENZ212» سارعت إلى نفي أي علاقة لها بهذه الدعوات، مؤكدة أنها لم تصدر عنها.

هنا تبدأ قصة أخرى لا تقل أهمية عن قصة الإنزال البشري نحو سبتة: من يقف خلف الحساب الذي انتحل هوية «GENZ212»، ولماذا اختار هذه الهوية تحديدا؟

من انتحال الهوية إلى إعادة توزيع الدعوة

بحسب «بوح الأحد»، لم تبق الدعوة المنسوبة زورا إلى «GENZ212» محصورة في الحساب الذي نشرها، بل تولت منصات وحسابات أخرى إعادة توزيعها والدفع بها نحو جمهور أوسع. ويذكر أبو وائل الريفي بالاسم منصتي «هيئة الجزائر» و«صوت الجزائر»، إضافة إلى المؤثرين الجزائريين منصور قدور بنعطية وسمير دبقاوي.

كما تحدث أبو وائل الريفي عن أسماء منصات أخرى تعمل من الجزائر لزرع الفتنة داخل المغرب، منها «ALGERIA GATE» و«ALGERIA 24» و«MILITARY DZ» و«L’ARMÉE ÉLECTRONIQUE ALGÉRIENNE»، إلى جانب المؤثرين جمرة وألباسينو ومصطفى بونيف وحفصي أحمد المقيم بلندن، إضافة إلى مجموعة واتساب «HARGA CEUTA@MLILYA»، التي تديرها حسابات وهمية بأرقام مغربية غير مشغلة داخل المغرب.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن الأمر، وفق المعطيات نفسها، لم يعد يتعلق بمجرد منشور مجهول المصدر، وإنما بمنظومة إعادة نشر قادرة على منح المحتوى المجهول زخما وانتشارا أكبر، خصوصا عندما يتعلق الأمر بدعوات احتجاجية تستهدف الشارع المغربي.

لماذا 9 غشت؟

الدعوات الأولى كانت مرتبطة بيومي 7 و8 غشت، قبل الانتقال إلى دعوة أوسع للاحتجاج يوم 9 غشت.

هذا التدرج يمكن قراءته باعتباره محاولة لمنح الدعوة وقتا إضافيا للانتشار والتعبئة الرقمية. فالمعادلة بسيطة: كلما طال عمر المنشور على المنصات الاجتماعية، واتسعت دائرة الحسابات التي تعيد نشره، زادت فرص وصوله إلى فئة جديدة من المستخدمين.

«أوت» و«أغسطس» و«الولايات».. تفاصيل تكشف مصدر الخطاب؟

مثلما أثارت اللغة المستخدمة في الدعوات السابقة علامات استفهام حول مصادر بعض المحتويات الرقمية المرتبطة بأزمة سبتة، عادت مفردات بعينها إلى الواجهة في الدعوات الجديدة.

فاستعمال «أوت» أو «أغسطس» للإشارة إلى الشهر الثامن، إلى جانب مفردات مثل «الولايات»، لا ينسجم مع الاستعمال المغربي المعتاد. فالمغاربة يقولون «غشت»، كما أن التقسيم الإداري المغربي يقوم على «الجهات» و«الأقاليم» و«العمالات»، وليس «الولايات» بالمعنى المتداول في الجزائر.

إن تجميع هذه المؤشرات اللغوية مع طبيعة الهوية البصرية المستعملة، ومسار إعادة نشر المحتوى، والأسماء والمنصات التي يشير إليها المصدر، يجعلها عناصر تستحق التدقيق التقني عند التحقيق في مصدر هذه الدعوات.

وهنا تحديدا تظهر أهمية الأدلة الرقمية، لأن تحديد مصدر الحساب لا يتوقف على اللغة أو الاسم الظاهر فقط، وإنما يمكن أن يستند إلى معطيات تقنية مثل تاريخ إنشاء الحساب، وسجل تغيير أسمائه وهويته البصرية، والروابط التي نشرها، وشبكة الحسابات التي تتفاعل معه، فضلا عن البيانات التي يمكن للمنصات الاحتفاظ بها.

محاولة نقل المعركة إلى الداخل

الخطير في هذه المرحلة، بحسب الرواية التي يقدمها «بوح الأحد»، هو أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بتشجيع الهجرة غير النظامية نحو سبتة. فبعد محاولة دفع الشباب إلى «الحدود»، ظهرت محاولة لاستثمار تداعيات الحدث من أجل إنتاج توتر جديد داخل المغرب.

وبهذا المعنى، تصبح سبتة مجرد نقطة انطلاق لحملة أوسع: دفع الشباب نحو البحر من جهة، ثم محاولة دفعهم إلى الشارع من جهة أخرى.

هذا المسار، المرتبط بشكل وثيق بالأجهزة العسكرية الجزائرية، يطرح سؤالا أمنيا وسياسيا لا يمكن تجاهله: هل تحولت المنصات الرقمية إلى ساحة لمحاولة استهداف الاستقرار المغربي من خلال صناعة أزمات متتالية؟

المغرب أمام حرب مختلفة

ما تكشفه هذه الوقائع هو أن استهداف المغرب لم يعد يمر فقط عبر الحدود والمعابر، بل انتقل أيضا إلى الفضاء الرقمي، حيث تحولت حسابات ومنصات إلى أدوات للتعبئة والتضليل وانتحال الهويات، في محاولة لتحويل أزمة عابرة إلى ورقة ضغط تستهدف استقرار المملكة.

فالرسالة التي تظهر على شاشة هاتف قد تبدو في ظاهرها مجرد منشور عابر، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تكون جزءا من منظومة منظمة تتولى إنتاجها وإعادة نشرها وتوسيع نطاق انتشارها، خصوصا عندما تستهدف القاصرين والمراهقين والشباب في لحظة مشحونة، وتدفعهم إلى خوض مغامرات غير محسوبة أو الانخراط في احتجاجات لا يعرفون الجهات التي تقف وراءها ولا الأهداف الحقيقية التي تخدمها.

وفي ضوء المعطيات الواردة في هذا الملف، لا تبدو الجزائر مجرد متفرج على ما جرى. فالمعطيات المتقاطعة بشأن المنصات والحسابات والمؤثرين الذين تولوا الترويج لهذه الدعوات تضع الأجهزة العسكرية الجزائرية في قلب هذه المناورة الرقمية، بعدما حاولت استغلال أزمة سبتة لإرباك المغرب، قبل الانتقال إلى مرحلة ثانية تقوم على نقل التوتر من الحدود إلى الداخل المغربي.

وإذا كان مخطط الدفع نحو سبتة قد راهن على البحر وعلى اندفاع آلاف الشباب والقاصرين نحو الضفة الأخرى، فإن المخطط اللاحق راهن على الهاتف والشبكات الاجتماعية وعلى قابلية بعض الفئات للتأثر بالدعاية الرقمية. تغيرت الأدوات، لكن الهدف ظل واحدا: إرباك المغرب، استنزاف أجهزته، وضرب صورته الأمنية واستقراره الداخلي.

غير أن الحسابات الجزائرية اصطدمت بواقع مختلف. فالمغرب لم يكتفِ بتطويق تداعيات أزمة سبتة، بل تمكن أيضا من كشف جوانب من المنظومة الرقمية التي اشتغلت على تضخيمها، بدءا من الحسابات المنتحلة للهوية المغربية، وصولا إلى المنصات والمؤثرين الذين تكفلوا بإعادة توزيع الدعوات. كما أن استعمال مفردات لا تنتمي إلى التداول المغربي، مثل «أوت» و«أغسطس» و«الولايات»، شكل بدوره مؤشرا إضافيا على طبيعة الخطاب ومصدره، في وقت كان فيه أصحاب تلك الحسابات يحاولون تقديم أنفسهم للرأي العام المغربي باعتبارهم جزءا منه.

وهنا تتضح المفارقة: الذين حاولوا اختراق المغرب من داخل فضائه الرقمي تركوا وراءهم ما يكفي من الخيوط لكشف طبيعة حملتهم. فالهوية المنتحلة يمكن أن تختفي، والحساب يمكن أن يحذف، والمنشور يمكن أن يمحى، لكن شبكة التفاعل وإعادة النشر والآثار الرقمية لا تختفي بالسهولة نفسها.

لقد أخطأت الأجهزة العسكرية الجزائرية في تقدير قدرة المغرب على رصد هذه التحركات وفهم خلفياتها. وما كان يراد له أن يتحول إلى موجة احتجاجية جديدة اصطدم بوعي مجتمعي وبمؤسسات أمنية تعرف جيدا أن استقرار البلاد ليس مجالا للمناورة، وأن استغلال هشاشة بعض الشباب ودفعهم إلى المغامرة أو الاحتجاج لا يمكن أن يقدم نفسه باعتباره فعلا عفويا أو بريئا متى ظهرت خلفه منظومة منظمة من الحسابات والمنصات.

ومن سبتة إلى الدعوات اللاحقة، تتأكد حقيقة واحدة: المعركة لم تعد تدور فقط عند الحدود، وإنما انتقلت إلى الفضاء الذي يحمل كل مغربي هاتفه داخله. ولذلك فإن حماية الأمن القومي المغربي تقتضي اليوم التصدي لمن يحاول تحويل المنصات الرقمية إلى أدوات للتحريض والتضليل، أيا كانت الأسماء المستعملة أو الهويات التي تختبئ خلفها.

أما المغرب، فقد أثبت أن استقراره ليس رهينا بمنشور على «فيسبوك» ولا بدعوة مجهولة المصدر، وأن محاولات الأجهزة العسكرية الجزائرية استغلال الأزمات أو صناعة أزمات جديدة داخل المملكة لن تغير شيئا من حقيقة أساسية: المغرب يعرف كيف يحمي حدوده، ويعرف أيضا كيف يحمي فضاءه الرقمي، والأهم أنه يعرف كيف يميز بين التعبير المشروع وبين الحملات التي تستهدف أمنه وسلامة مواطنيه.

تحرير من طرف هيئة التحرير
في 09/08/2026 على الساعة 17:08