ونقلت وكالة «فرانس برس» أن هينا فيركونن، المفوضة الأوروبية المكلفة بالسيادة التكنولوجية والأمن والديمقراطية، دعت المنصات الرقمية إلى «التحرك بحزم» للحد من المعلومات المضللة خلال الأزمات، مؤكدة ضرورة تكثيف عمليات الرصد وتعزيز التعاون مع مدققي الحقائق. كما أشارت الوكالة إلى أن منشورات ومعلومات مضللة على وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا رئيسيا في دفع عشرات الآلاف إلى محاولة الوصول إلى سبتة، وسط انتشار شائعة تفيد بأن «الحدود» أصبحت مفتوحة.
وإذا كانت بروكسيل قد اختارت وضع المنصات الرقمية تحت المجهر، فإن المعطيات التي أوردها «بوح الأحد» لأبو وائل الريفي، عبر قناة «شوف تيفي» الإلكترونية، ترسم مسارا للحملة الرقمية التي استهدفت تعبئة الشباب ودفعهم نحو «الحريك»، مستغلة حالة من الالتباس حول الوضع القانوني لإعادة المهاجرين غير النظاميين.
من التحريض الرقمي إلى موجة الإنزال البشري
وفق المعطيات الواردة في «بوح الأحد»، لم تكن موجة العبور الجماعي وليدة قرار فردي اتخذه آلاف الأشخاص في لحظة واحدة، وإنما سبقتها حملة رقمية واسعة عملت على تضخيم رسائل تتحدث عن سهولة الوصول إلى سبتة، بل وعن إمكانية الاستفادة من الإقامة والعمل في إسبانيا.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة، لأن الفئات التي استهدفتها هذه الرسائل لم تكن في وضع يسمح لها بالتحقق بسهولة من حقيقة ما يروج لها. فالأمر يتعلق بقاصرين ومراهقين وشباب عاطلين عن العمل وفئات تعيش أوضاعا اجتماعية هشة، وجدوا أنفسهم أمام وعود رقمية سرعان ما تحولت إلى تحرك جماعي على الأرض.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن أجهزة جزائرية، وعلى رأسها الأجهزة العسكرية الجزائرية، كانت وراء منظومة من الحسابات والمنصات التي تولت تضخيم هذه الرسائل والترويج لها، مستغلة منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها أسرع وسيلة للوصول إلى الفئات المستهدفة.
وفي هذا السياق، يذكر «بوح الأحد» بالاسم عددا من المنصات التي شاركت في تضخيم رسائل «الحريك»، من بينها «ALGERIA GATE» و«ALGERIA 24» و«MILITARY DZ» و«L’ARMÉE ÉLECTRONIQUE ALGÉRIENNE»، إلى جانب المؤثرين «JAMRA» و«ALPASINO» و«MUSTAPHA BOUNIF» و«HAFSI AHMED» المقيم بلندن، إضافة إلى مجموعة واتساب «HARGA CEUTA@MLILYA»، التي تديرها حسابات وهمية بأرقام مغربية غير مشغلة داخل المغرب.
ولا تقف خطورة هذه المنظومة عند حدود نشر الأخبار أو إعادة تداولها، وإنما تكمن في قدرتها على تحويل التضليل الرقمي إلى سلوك جماعي، وهو ما جعل آلاف الأشخاص يندفعون نحو سبتة في مغامرة انتهت بمأساة إنسانية.
عندما يصبح الهاتف أداة للتحريض
ما تكشفه أزمة سبتة هو أن «الحدود» لم تعد تبدأ عند البحر أو السياج الحدودي، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير داخل شاشة الهاتف. فمنشور واحد يمكن أن ينتشر خلال دقائق، ومقطع فيديو مضلل قادر على الوصول إلى آلاف الأشخاص، ورسالة مجهولة المصدر يمكن أن تتحول في ظرف وجيز إلى دعوة جماعية للتحرك.
وهذا تحديدا ما يجعل الدور الذي قامت به المنصات والحسابات الجزائرية في هذه القضية أكثر خطورة. فحين يتم استهداف فئات هشة برسائل تتحدث عن فرص وهمية في الضفة الأخرى، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد حرب إعلامية بين دولتين، وإنما باستغلال مباشر لطموحات شباب وقاصرين وتعريض حياتهم للخطر.
ومن هذه الزاوية، يصبح الدفاع عن أمن المغرب وسلامة مواطنيه جزءا لا يتجزأ من مواجهة هذه الحملات. فالمغرب لم يكن أمام مجرد موجة هجرة عفوية، وإنما أمام واقع ميداني سبقه، وفق المعطيات المتداولة، نشاط رقمي مكثف سعى إلى دفع مزيد من الأشخاص نحو المخاطرة بحياتهم.
بروكسيل تلتقط الخيط
اللافت أن التحرك الأوروبي جاء في الاتجاه نفسه. فالاتحاد الأوروبي لم يكتف بمتابعة الجانب الأمني والإنساني للأزمة، بل توجه مباشرة إلى المنصات التي كانت مسرحا لانتشار المعلومات المضللة.
وبحسب «فرانس برس»، فإن المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر تحدث عن عمليات عبور كانت مدفوعة بشبكات تهريب إجرامية، وكذلك بحملات تضليل، داعيا الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز قدرته على رصد اتجاهات التضليل على وسائل التواصل الاجتماعي بالتعاون مع «يوروبول» وباقي وكالات الاتحاد. وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن تحديد الجهة التي تقف وراء استغلال الوضع عبر الإنترنت لا يزال يحتاج إلى مزيد من البحث.
وهنا تلتقي المعطيات الأوروبية مع ما كشفته المعطيات المغربية: الفضاء الرقمي كان عنصرا مركزيا في صناعة مناخ الأزمة.
فالحديث الأوروبي عن حملات التضليل، ودعوة «ميتا» و«تيك توك» إلى تشديد المراقبة، يطرح السؤال الذي لا يمكن القفز عليه: من أطلق تلك الحملات؟ ومن ضخم رسائلها؟ ومن دفعها إلى الفئات الأكثر هشاشة؟ ومن استفاد من تحويل منشورات على مواقع التواصل إلى موجة بشرية على الأرض؟
الجزائر.. من حرب المنصات إلى استهداف الاستقرار المغربي
بالنسبة للمغرب، لا يمكن فصل هذه الأسئلة عن المعطيات التي تشير إلى تورط منصات وحسابات مرتبطة بالجزائر في عملية التعبئة. فالأمر، وفق ما أورده «بوح الأحد»، لم يكن مجرد تداول عابر لمعلومات مضللة، وإنما منظومة رقمية شاركت فيها منصات ومؤثرون وحسابات بأسماء وهويات مختلفة.
والأكثر دلالة هو أن النشاط الرقمي لم يتوقف عند حد سبتة. فالمعطيات نفسها تتحدث عن انتقال الحملة إلى محاولة نقل التوتر إلى الداخل المغربي، من خلال دعوات جديدة إلى الاحتجاج، وهو ما يكشف أن الهدف لم يكن فقط دفع الشباب إلى الهجرة، وإنما توظيف حالة الغضب والإحباط لضرب الاستقرار الداخلي للمملكة.
وتزداد دلالة هذه المعطيات مع ما أثير بشأن الحسابات التي استعملت أسماء أو هويات بصرية مغربية، في محاولة لإضفاء شرعية محلية على رسائل مصدرها الحقيقي خارج المغرب. ومن بين المؤشرات التي تم تداولها في هذا السياق استعمال تسميات ومفردات لا تنتمي إلى الاستعمال المغربي، مثل «أوت» و«أغسطس»، فضلا عن استعمال «الولايات» في سياق إداري، وهي مؤشرات بمثابة قرائن على مصدر غير مغربي لهذه الحسابات.
التحقيق الرقمي قد يكشف أكثر مما تكشفه المنشورات
لكن ما يجعل هذا الملف قابلا للتدقيق أكثر من أي وقت مضى هو أن حذف الحسابات أو المنشورات لا يعني بالضرورة اختفاء آثارها. فالحملات الرقمية تترك وراءها سجلات وعمليات إعادة نشر وروابط ولقطات شاشة وبيانات تقنية يمكن أن تساعد التحقيقات المتخصصة على إعادة بناء مسار المحتوى، من لحظة نشره الأولى إلى لحظة تحوله إلى حملة واسعة.
وهنا تكتسب دعوة المفوضية الأوروبية إلى تشديد مراقبة «ميتا» و«تيك توك» أهمية خاصة، لأنها تضع المنصات نفسها أمام مسؤولية التعامل مع التضليل الذي يمكن أن تكون له نتائج مباشرة على الأرض.
وفي نهاية المطاف، فإن ما جرى في سبتة يضع أمام المغرب وأوروبا معا تحديا جديدا: حماية الحدود لم تعد مهمة أمنية ميدانية فقط، بل أصبحت أيضا معركة ضد شبكات رقمية قادرة على صناعة الوهم وتحويله إلى واقع.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن حماية شبابه وقاصريه من حملات التحريض والتضليل ليست مسألة ظرفية، وإنما جزء من الدفاع عن أمنه القومي وسلامة مواطنيه. أما الجهات التي تستعمل الفضاء الرقمي لدفع المغاربة إلى المخاطرة بحياتهم أو لزعزعة استقرار المملكة، فإن انتقال الملف إلى مستوى التدقيق الأوروبي يفتح الباب أمام كشف مزيد من الخيوط وتحديد المسؤوليات.
فما بدأ برسائل ومنشورات على الهواتف انتهى بأزمة إنسانية وأمنية على الأرض، وما ستكشفه التحقيقات الرقمية قد يثبت أن معركة سبتة لم تكن فقط معركة على «الحدود»، بل كانت أيضا حربا إلكترونية استُعمل فيها الإنسان المغربي وقودا لمخططات تستهدف المغرب وأمنه واستقراره.
