إنها الشجرة الإعلامية الضخمة التي تخفي واقعا مريرا. فمن جهة، تبث صور مروعة للاقتحامات المكثفة على سبتة بسرعة وبشكل متواصل، يتبعها عودة جميع المشاركين تقريبا. ومن جهة أخرى، هناك مرور خفي لعشرات القوارب الصغيرة والزوارق السريعة الأخرى التي تبحر بعيدا عن الأنظار نحو جزر البليار أو أليكانتي، محملة بشباب جزائريين لن يعودوا أبدا. كشفت الإحصائيات التي نشرتها المنظمة الدولية للهجرة يوم 12 غشت عن اعتقاد سائد منذ زمنٍ طويل: ففي غرب البحر الأبيض المتوسط، لم تعد موجة الهجرة الحقيقية تنطلق من المغرب، بل من الجزائر.
ويظهر تحليل دقيق للمعطيات المنشورة واقعا جيوسياسيا هاما: فالجزائر الآن هي المصدر الرئيسي للهجرة غير النظامية في غرب البحر الأبيض المتوسط، متجاوزة المغرب بفارق كبير، على الرغم من أنه لا يفصله عن إسبانيا سوى 14 كيلومترا. وبينما لا تزال أنظار وسائل الإعلام الأوروبية متجهة نحو عمليات العبور البري، التي هي في الحقيقة مثيرة إلا أنها مؤقتة، فإن الحقيقة تكمن في مكان آخر.
وتؤكد معطيات المنظمة الدولية للهجرة تحولا عميقا وبنيويا: فخلال الفترة المدروسة، شكلت الجزائر وحدها 42 % من إجمالي 5647 وافدا مسجلا في إسبانيا، لتصبح رسميا « البلد الأصلي الأول » في هذا المحور. وبالمقابل، بلغت نسبة المغرب 22 %، أي ما يقارب نصف الوافدين الجزائريين. كما يؤكد تقرير المنظمة الدولية للهجرة، فإنه على الرغم من أن غالبية عمليات العبور كانت تاريخيا تنطلق من المغرب، إلا أن هذا الاتجاه انعكس بشكل جذري في عام 2025، وتأكد ذلك بشكل كبير في عام 2026، حيث يغادر معظم المهاجرين المحتملين الآن من الجزائر.
تدفق ممنهج ومستمر
يكشف تحليل مقارن للأساليب المستخدمة عن نمطين مختلفين جذريا للهجرة. فمن الجانب المغربي، يسلط التقرير الضوء على المعابر البرية في سبتة ومليلية (2164 وافدا). وتتميز هذه المحاولات بطبيعتها المتقطعة: اقتحامات تشنها مجموعات كبيرة خلال فترة وجيزة جدا.
ومع ذلك، يظهر الواقع على الأرض وتتبع المعطيات أن هذه الحوادث لا تفضي إلى استقرار دائم. وكما هو الحال في الأحداث الأخيرة، يعود جميع المشاركين تقريبا في هذه الاقتحامات إلى بلدهم. وتعزو المنظمة الدولية للهجرة السيطرة النسبية على نقاط الدخول هذه إلى تعزيز التعاون بين الرباط ومدريد، والذي يتجلى في التدبير المشتركة للمعابر.
وبالمقابل، تخضع الهجرة الجزائرية لمنطق ممنهج مغاير. إذ تستخدم القوارب القادمة من الجزائر، والتي تنظمها مافيات التهريب، تكتيكا للتشتيت على نطاق واسع، فتتدفق بشكل عشوائي على طول الساحل الإسباني بأكمله، من جزر البليار إلى شواطئ ألميريا ومورسيا وأليكانتي.
وبحكم تحررها من قيود نقطة عبور واحدة، تستغل هذه الشبكات تحسن الأحوال الجوية لإرسال مجموعات إلى البحر، تعمل في صمت شبه تام يتناقض بشدة مع قسوة العمليات. وهكذا، يرسخ هذا اللوجستيك البحري دينامية اللاعودة: فعلى عكس الاقتحامات البرية حيث يتم اعتراض المهاجرين بشكل متكرر، فإن أولئك الذين ينطلقون من السواحل الجزائرية يشرعون في عبور دائم، مما يغذي تدفقا مستمرا أحادي الجانب لا يبدو أن هناك ما يمكن إيقافه حاليا.
الهجرة كـ« صمام أمان »
من أبرز نتائج التقرير ما يتعلق بنشاط مراقبة الحدود. فبينما يصل ضغط الهجرة الجزائرية إلى مستويات قياسية، انخفضت عمليات الاعتراض التي نفذتها القوات البحرية الجزائرية بنسبة 37 % على أساس سنوي (1002 عملية اعتراض فقط بين يناير وأبريل 2026).
يثير هذا التغاضي الأمني تساؤلات حول مسؤولية السلطات الجزائرية. فالجزائر، بلد غني بالمحروقات، يواجه توترات اجتماعية واقتصادية داخلية كبيرة، وشبابا بلا آفاق.
يبدو أن النظام يستخدم هذه الهجرة غير النظامية كصمام أمان سياسي. فسماحه للشباب المحبطين بالرحيل يمكنه من تخفيف الضغط الاجتماعي الداخلي ومنع أي خطر لانتفاضة شعبية أو احتجاج سياسي. كما أن تقليص جهود الدوريات البحرية يسمح له بنقل التكلفة الأمنية والبشرية لأزمته الاجتماعية والاقتصادية إلى الشواطئ الأوروبية.
مع ذلك، فإن القراءة المتأنية للمعطيات الرسمية تخفي حقيقة جغرافية أكثر تعقيدا: فبينما تسجل إحصائيات المنظمة الدولية للهجرة بدقة وصول المهاجرين إلى السواحل الإسبانية كبوابة إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أنها لا تعكس الوجهة النهائية الحقيقية لهذا التدفق السري: فرنسا. بالنسبة للغالبية العظمى من هؤلاء المهاجرين من الجزائر، تعد شبه الجزيرة الأيبيرية مجرد مرحلة تقنية، نقطة عبور يتم تجاوزها بسرعة بفضل شبكاتهم المجتمعية القوية.
تجذبهم شبكاتهم العائلية القائمة، والتقارب اللغوي الواضح، وتاريخهم العريق في الهجرة، مما يجعل فرنسا هدفهم الرئيسي. يحدث هذا التحول أثرا إحصائيا يستهان به إلى حد كبير: إذ ينزل مسافرو الظل بأعداد غفيرة في مرسية أو أليكانتي أو جزر البليار، ثم يختفون على الفور تقريبا داخل منطقة شينغن للوصول إلى الأراضي الفرنسية، وبالتالي يفلتون من تقييم أثرهم الحقيقي على البلد المضيف النهائي.
استنادا إلى تحليل إحصائي دقيق، فإن النتيجة واضحة لا ريب فيها: نزوح جماعي مطرد وصامت يجري من الجزائر إلى فرنسا عبر إسبانيا، يتخفى وراء تركيز وسائل الإعلام على بؤر أخرى في البحر الأبيض المتوسط. ويصحح تقرير المنظمة الدولية للهجرة الصادر في غشت 2026 هذا التصور، مبينا أن صورة المغرب كـ« بوابة إلى أوروبا » تخفي الواقع البنيوي الحقيقي لغرب المتوسط: التغاضي الأمني في الجزائر يؤدي إلى تدفق مستمر لمواطنيها نحو أوروبا.
