برنارد لوغان: الأمم المتحدة.. حين يكرس الفيتو الروسي إذلال الجزائر وفقدانها لقرارها السيادي

المؤرخ الفرنسي برنارد لوغان

في 03/11/2026 على الساعة 12:00

مقال رأييرى المؤرخ المتخصص في الشأن الإفريقي، برنار لوغان، أن الفيتو الروسي المسجل في 30 أكتوبر لا يشكل انتصارا للجزائر، بل إيصال مخالصة تسدد به موسكو استحقاق ارتماء سياسي في أحضانها. فقد أوصد الكرملين في البداية أبواب مجموعة «بريكس» في وجه النظام الجزائري، ثم تركه يواجه مصيره منفردا عبر الامتناع عن التصويت على القرار 2797. وكان ذلك الإنذار كافيا لتعود الجزائر صاغرة إلى بيت الطاعة في منطقة الساحل، حتى وإن تطلب ذلك التضحية بحلفائها الطوارق. وعليه، فإن هذا الفيتو لا يقيس ثقل الجزائر ونفوذها، بل يعري عمق ارتهانها وتب Middleware

تتعدد القراءات لما دار ليلة الجمعة إلى السبت داخل أروقة مجلس الأمن الدولي، وتتبلور رؤيتي الخاصة في زاويتين:

أولا: لا يغير هذا النقض الروسي من الواقع شيئا أمام تأييد أحد عشر صوتا للمشروع الأمريكي، الأمر الذي يفضح بوضوح العزلة الدبلوماسية الخانقة التي تتخبط فيها الجزائر.

ثانيا: لم تكن خطوة روسيا بالفيتو سوى التفاتة شكر موجهة إلى «زبون» تمادى في «سوء السلوك»، قبل أن يعود مطأطئ الرأس وذليلا إلى كنف سيده.

طوال السنوات الأخيرة، بدت الدبلوماسية الجزائرية كسفينة تائهة دون بوصلة، بعدما نسيت أبجديات السياسة الدولية التي تفرض حسن اختيار الحلفاء والابتعاد عن اللعب على الحبلين. تلك القاعدة البسيطة هي ما لقنته موسكو للجزائر بحزم، لتبتلع الأخيرة مهانتها بالكامل وتعود صاغرة إلى الفلك الروسي عبر طعن «أصدقائها» في الساحل وخيانتهم، وتحديدا حركات الطوارق. وجاء سداد كلفة هذه الخيانة «نقدا» عبر بطاقة الفيتو يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 في مجلس الأمن.

وللتذكير، فقد وقفت روسيا موقفا مماثلا قبل سنة، وتحديدا في 31 أكتوبر 2025، حين امتنعت عن التصويت لتترك حليفها الجزائري التاريخي يواجه عزلته وحيدا. فما الذي استجد إذن لتدفع موسكو إلى تبديل خيارها؟ يستدعي الجواب نبشا في مسار الأحداث الميدانية.

«أضحت استقلالية الجزائر الدبلوماسية في المنطقة رهينة بالحدود والخطوط الحمر التي يمليها الكرملين أو يتفضل بالسماح بها»

—  برنارد لوغان

أحدث الدخول الروسي المباشر على خط أزمات الساحل زلزالا حقيقيا بعثر الأوراق الإقليمية للجزائر. فقد دأبت الأخيرة تاريخيا على تقديم دعم متفاوت ومباشر لحركات الطوارق، مما أفرز توترات حادة مع الأنظمة الجنوبية الرافضة للنزعات الانفصالية. غير أن غياب البصيرة وعجز الجزائر عن التقاط المتغيرات الميدانية المتسارعة رميا بها في شباك «ديناميات» إقليمية لم تعد تملك مفاتيح السيطرة عليها.

وفضلا عن ذلك، غاب عن إدراك صانع القرار في قصر المرادية أن إعادة روسيا لهندسة رقعة النفوذ بين المتوسط والصحراء والساحل تضع التقارب بين باماكو والجزائر كشرط حتمي، باعتبارهما حليفين على طرفي نقيض. وجاء المأزق الجزائري من التمادي في نهج الساحل التقليدي، مما أدى إلى الاصطدام المباشر مع الحليف الروسي الاستراتيجي والمحتكر شبه الحصري لصفقات تسليح الجيش الجزائري؛ فروسيا تتبنى بالكامل المجالس العسكرية الحاكمة في الجنوب ضد حركات التمرد في الشمال، بينما ظلت الجزائر تراهن على احتضان تلك الحركات المتمردة نفسها.

أمام هذا المعطى، حسم وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، موقفه بتوجيه رسالة قاطعة مفادها أن موعد «العودة إلى الحظيرة» قد حان، عبر مسار «إقناع» نفذ على واجهتين:

1- حرمان الجزائر من دخول نادي «بريكس»، حيث أوضح لافروف وقتها بلهجة لا لبس فيها أن معيار العضوية يرتكز على «تقارب الرؤى»، مفضلا الدول التي تجمعها بالكرملين «قراءة متطابقة للنظام الدولي».

2- الامتناع عن التصويت في 31 أكتوبر 2025 بخصوص قرار مجلس الأمن 2797 المتعلق بنزاع الصحراء، لتمتنع موسكو عمدا عن إشهار الفيتو، تاركة الجزائر تدفع ثمن عزلتها بمفردها.

التقطت الجزائر مغزى الرسالة الروسية المزدوجة بلا تأخير؛ ففضت يدها من الطوارق وهبت عسكريا لنجدة النظام القائم في النيجر. وانطلاقا من منطق الأخذ والعطاء، كافأتها موسكو هذه المرة بإشهار ورقة الفيتو في مجلس الأمن الدولي. واليوم، وبعدما تجرعت الجزائر كأس الخنوع وسارت في طريق التنازلات، أضحت استقلاليتها الدبلوماسية في المنطقة رهينة بالحدود والخطوط الحمر التي يمليها الكرملين أو يتفضل بالسماح بها.

ورغم كل ذلك، فإن لافروف، مهندس هذا الانقلاب في الموقف الجزائري، يمتلك من الحنكة والدراية الدقيقة بموازين القوى الإقليمية ما يمنعه تماما من الخلط بين رمال الساحل وملف الصحراء، وهو الملف الذي يحظى حل مبادرة الحكم الذاتي المغربية فيه بتأييد دولي واسع وحاسم. وبينما لا تملك روسيا أي مصلحة استراتيجية في الاصطدام الدبلوماسي دفاعا عن قضية خاسرة، فإن معضلتها الكبرى تكمن في صياغة تخريجة تضمن للجزائر حفظ ماء وجهها.

تحرير من طرف برنارد لوغان
في 03/11/2026 على الساعة 12:00