لا يلفظ لسان في قصر المرادية اسم «فرنسا» دون إلحاقه بنعت «النيوكولونيالية». تهاجم الجزائر وجود باريس في منطقة الساحل، وتهلل لرحيلها، وتتهمها بالوقوف وراء كل حريق يندلع، وكل احتجاج يشتعل، وحتى خلف نشاط صانعي المحتوى على الإنترنت. لكن المفارقة تبرز فجأة، إذ كشفت مجلة «جون أفريك»، نقلا عن موقع «زون ميليتير» المتخصص، أن الجيش الوطني الشعبي يستعد للتمركز في «ماداما» شمال النيجر، على بعد نحو مائة كيلومتر من حدود ليبيا، وهي قاعدة متقدمة شيدتها القوات الفرنسية سابقا. قضى النظام عقودا يطالب برحيل فرنسا عن الساحل، دون أن يوضح للرأي العام أنه يطمح ببساطة إلى وراثة المقر.
يسهل تخيل مشهد التسليم وتفقد الموقع. المنشآت الجاهزة ما تزال قائمة، والمولدات الكهربائية تدور في مكانها، وربما بقيت لافتة «ممنوع التدخين» باللغة الفرنسية معلقة على الجدار. يطوف القائد الجزائري بالمكان كما يفعل مشتري العقار، ويدون في تقريره الميداني: قاعدة العدو السابق، الحالة العامة جيدة، ولا أثر لأي اعتذار تاريخي. تتبدل نوبات الحراسة وتبقى الثكنة، بينما تمارس «السيادة» طقوسها بين جدران كانت تشجبها بالأمس.
يطرح الهدف من هذا الانتشار العسكري تساؤلات حاسمة حول طبيعة ما يُراد حمايته هناك. رفعت «برخان» الفرنسية على الأقل ذريعة محاربة الإرهاب، بينما لم يكلف الجيش الجزائري نفسه عناء البحث عن غطاء مماثل. تفيد الصحافة الجزائرية بأن المهمة تنحصر في «حماية البنيات التحتية الطاقية دون خوض مواجهات مسلحة».
وكان رؤساء الفرق البرلمانية أكثر وضوحا حين أكدوا أن الأمر يتعلق بحماية المصالح النفطية لشركة «سوناطراك»، الناشطة في حقل كفرا وتضع عينها على حقل بيلما. طالما وجهت الانتقادات لباريس لإرسالها جنودا لحراسة يورانيوم شركة «أورانو»، وها هي الجزائر تسير على الأثر ذاته لحماية آبار «سوناطراك»، حيث لا يكمن الفارق الوحيد سوى في لون العلم المرفوع فوق منصة الحفر.
تصلح هذه الواقعة لتكون مادة للدراسة في معاهد العلوم السياسية تحت تصنيف «الديمقراطية الخاطفة». جرى توقيع الاتفاقية الدفاعية يوم 21 أكتوبر، وأخطر الرئيس البرلمان يوم 22، ليتلقى النواب استدعاءاتهم عبر رسائل نصية قصيرة على الهواتف. تم التصويت يوم 25 في جلسة مغلقة بالمجلس الشعبي الوطني وبإجماع مطلق في مجلس الأمة، مع تحديد عشرين دقيقة فقط لكل فريق للحديث، لتعلن الرئاسة قرار نشر القوات في 26 من الشهر ذاته.
لا أحد يعلم عدد الجنود، ولا المدى الزمني للانتشار، ولا تكلفته المالية، حيث جرت تصفية عقيدة عدم التدخل الخارجي الممتدة لثلاثة وخمسين عاما بسرعة تفوق استخراج بطاقة رمادية لسيارة.
ألمح الرئيس الجزائري إلى هذا التوجه مطلع أكتوبر معلنا: «سنحمي النيجر مهما كلف الثمن». وسبق له أن أرسل نهاية غشت أربع مقاتلات من طراز «سوخوي 30» إلى نيامي لحماية نظام عبد الرحمن تياني من محاولة تمرد.
يأتي هذا التحرك في وقت تتآكل فيه التحالفات الإقليمية للبلاد، فالماليون يتهمون الجزائر بالتدخل في شؤونهم، والعلاقات مع الرباط مقطوعة منذ 2021 ومع أبوظبي منذ شتنبر، فضلا عن تأجيل إسبانيا قمتها الثنائية إلى أجل غير مسمى. وعندما تشتعل الخلافات مع كامل المحيط المغاربي والإقليمي، يبدو التحرك محاولة يائسة لتفادي عزلة شاملة.
ظل دافع الضرائب الجزائري غائبا عن المشهد ولم تصله حتى رسالة هاتفية. سيكتشف المواطن تمويله لهذه المغامرة العسكرية من خلال ميزانية 2027، التي ترصد إنفاق دينارين مقابل كل دينار من الإيرادات، وتتصدر نفقات الدفاع بنودها.
وسيدفع المستهلك الثمن مباشرة من أسواق بلغت فيها الزيادة في أسعار الدواجن 40 في المائة خلال شهر واحد، وتُكلَف فيها أجهزة مكافحة الجريمة المنظمة بملاحقة مضاربي الطماطم. تتدفق الأموال بسخاء لحراسة آبار «سوناطراك» في صحراء النيجر، وتغيب حين يتعلق الأمر بضبط أسعار البطاطس في أسواق العاصمة.
تلك هي الحصيلة بعد ستين عاما من معاداة فرنسا في العلن. حول النظام الذاكرة الاستعمارية إلى ريع سياسي يستدعيه مع كل مأزق داخلي، فيطالب باعتذار رسمي عند كل ذكرى، ويلقي باللائمة على باريس إثر كل حريق. لكنه يعود عند الاختبار الميداني ليمارس النهج ذاته، مستعيدا في منطقة الساحل دور الدركي الذي طالما انتقده، ومستندا إلى منطق «المصالح» نفسه، لينتهي به المطاف مقيما في نفس الثكنة.
رحلت فرنسا عن قاعدة «ماداما»، لكنها لم تغادر عقول من يهاجمونها، فبدل التحرر من سطوة المستعمر السابق، سار النظام على خطاه وتحول إلى مجرد ظل له.
