الصحراء: كيف تحولت حركة «صحراويون من أجل السلام» إلى قوة وازنة تربك حسابات البوليساريو والجزائر؟

السفير الأمريكي مايك والتز يستقبل وفدا من حركة «صحراويون من أجل السلام» بمقر البعثة الأمريكية بنيويورك في 30 يونيو 2026

في 25/10/2026 على الساعة 11:00

تترقب الأوساط الدبلوماسية جلسة مجلس الأمن المقررة في 31 أكتوبر 2026، وسط مؤشرات متطابقة تفيد بتأسيس مسودة القرار المرتقب لقطيعة تامة مع المقاربات البائدة، من خلال طي صفحة الاستفتاء نهائيا وتكريس مبادرة الحكم الذاتي أرضية وحيدة للتسوية، بالتزامن مع فتح الباب أمام ديناميات مدنية وسياسية جديدة. وتتصدر حركة «صحراويون من أجل السلام» هذا المشهد المتحول كقوة وازنة تعيد تشكيل التمثيلية الصحراوية، مقترحة خيارا ديمقراطيا يكسر احتكار جبهة البوليساريو للصوت الواحد.

أكد رحال السالك، الناطق الرسمي باسم حركة «صحراويون من أجل السلام»، أن مضامين المسودة الصفرية لقرار مجلس الأمن لا تقف عند حدود عكس نضج الرؤية الدولية، بل تجسد ثمرة عمل ميداني متواصل لإعلاء ما وصفه بـ«صوت الحكمة».

وأوضح السالك، في تصريح لـLe360، قائلا: «نشتغل -كحركة سياسية مستقلة- منذ مدة مع المجتمع الدولي لإسماع صوت الحكمة وفرض تعددية الآراء في ملف الصحراء، ونثمن عاليا رصد ذلك في المسودة الصفرية للقرار المرتقب، إضافة إلى الإشارات القوية الصادرة عن الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي مطلع هذا الشهر»، معتبرا ذلك «اعترافا دوليا بنهاية حقبة الهيمنة الأحادية».

ويضع الناطق باسم حركة MSP خندقا فاصلا بين مسارين متناقضين، مؤكدا أنه إذا كانت البوليساريو تتوهم أن البندقية وسيلة لنيل الحرية، فإن صحراويين حقيقيين يختارون السلام طريقا أوحد لإنهاء النزاع.

وينسف المتحدث مزاعم التمثيل الأوحد، الذي تزعمه جبهة بوليساريو، موضحا أن «الصحراويين لا يمكن اختزالهم في فصيل سياسي وحيد يتعارض وجوده الاحتكاري مع أبسط قواعد الديمقراطية«، قبل أن يستطرد واصفا ادعاءات الجبهة الانفصالية بتمثيل الصحراويين بأنها «مجرد هراء وخيالات عقيمة لا نجدها إلا في كنف الأنظمة الدكتاتورية والنازية».

مسار تصحيحي يخرج من رحم المعاناة

انطلقت تجربة حركة «صحراويون من أجل السلام» في 22 أبريل 2020 عبر مؤتمر تأسيسي عن بعد، بقيادة نخبة من الكفاءات والدبلوماسيين المنشقين عن الجبهة، إلى جانب فعاليات حقوقية وأكاديمية وضعت ثقتها في الدبلوماسي السابق الحاج أحمد بريك الله أمينا أول.

وفي شتنبر 2020، اعتمدت MSP نظامها الأساسي وهياكلها التنظيمية خلال مؤتمرها المنعقد في العاصمة الإسبانية مدريد، التي اتخذتها منصة دولية لتحركاتها، مع بناء شبكات ولجان تمثيلية نشطة داخل الأقاليم الجنوبية للمملكة وفي موريتانيا وعواصم الشتات الأوروبي.

وتوجت هذه الدينامية باختراقات دبلوماسية وازنة، برزت ملامحها في مشاركة وفد الحركة بأشغال اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة خلال أكتوبر 2026 لطرح بديل التعددية السياسية، وذلك في أعقاب اللقاء الذي جمع قيادتها بالسفير الأمريكي مايك والتز بمقر البعثة الأمريكية بنيويورك في 30 يونيو المنصرم.

كما استقطب خطاب الحركة المعتدل دعما أوروبيا صريحا، تجسد في إشادة رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسي لويس رودريغيث ثاباتيرو، الذي نوه بجرأة الحركة ونضجها السياسي لطي صفحة النزاع.

ويقارب الباحث المتخصص في شؤون الصحراء، الدكتور عبد القادر الحافظ بريهما، هذه الدينامية بتساؤل جوهري: «هل يمكن لسلام منقوص أن يكون أفضل من حرب دائمة؟»، موضحا أن الحركة كسرت طوق الركود وتباين الرؤى الناجم عن انسداد الأفق الأممي، لتستقطب عشرات الكوادر والفاعلين الميدانيين إيمانا بأن كرامة الإنسان الصحراوي ومستقبل أبنائه يعلوان على الحسابات الصدامية.

مبادرة الحكم الذاتي.. ركيزة عملية لجمع الشتات الصحراوي

تنطلق رؤية الحركة للتسوية من قراءة براغماتية للواقع الإقليمي، حيث يؤكد السالك أن مقترح الحكم الذاتي الموسع تحت السيادة المغربية يشكل الحل الأقرب والأجدى للتطبيق الفعلي.

وينبع هذا الموقف، وفق الناطق الرسمي، من غايتين ملحتين: «أولاهما تخفيف وطأة المعاناة القاسية عن أبناء العمومة المحتجزين في مخيمات تندوف، وثانيهما جمع شتات الصحراويين الموزعين قسرا بين الجزائر ومخيمات تندوف وموريتانيا وأوروبا، ضمن إطار مؤسساتي يمنح أبناء المنطقة صلاحيات سياسية وإدارية واقتصادية واجتماعية واسعة تكفل تدبير شؤونهم في كنف السيادة المغربية».

وتتقاطع هذه القراءة مع التحليل الذي يقدمه بريهما الباحث في قضية الصحراء، حيث يسجل أن هذا الطرح يلخص جوهر التحول الذي تقوده الحركة، بعدما راكمت منذ نشأتها قاعدة اجتماعية صلبة تضم عشرات الأطر والكوادر والقيادات الميدانية، لتثبت جاهزيتها الكاملة للمساهمة في تنزيل مشروع الحكم الذاتي، وتجاوز منطق الصراع المسلح الذي أرهق الإنسان الصحراوي على مدى خمسة عقود.

وتعتبر الحركة مخرجات القرار الأممي 2797 والقرارات اللاحقة «فرصة مفصلية تفرض نفسها على الجميع»، مبرزة جاهزيتها التنظيمية للمساهمة بخبراتها ونخبها في أجرأة المبادرة ميدانيا.

اختراق دبلوماسي يربك تندوف والجزائر

تجاوز حضور MSP السجال النظري نحو تحقيق مكاسب دبلوماسية بارزة، ظهرت جليا في أكتوبر 2026 عبر مداخلاتها في اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، مرافعة لصالح تحرير التمثيلية الصحراوية من هيمنة دامت خمسة عقود.

وتزامن هذا الاختراق مع محادثات استراتيجية لوفد الحركة مع السفير الأمريكي مايك والتز، مدعوما بمواقف أطراف أوروبية وازنة، تقدمها رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، الذي أشاد بشجاعة الحركة ونهجها البراغماتي.

وأثار هذا الاختراق السياسي المتلاحق حفيظة قيادة تندوف وحلفائها في الجزائر، فلجأت الميليشيا إلى سلاحها التقليدي القائم على التخوين وتوزيع تهم التبعية والموالاة للرباط، في محاولة يائسة لمحاصرة أي صوت يفضح تهاوي أطروحة التمثيل الأحادي.

وترد حركة «صحراويون من أجل السلام» على هذه الحملات بدحض قاطع، مشددة على أن ميلادها يمثل حراكا تصحيحيا نابعا من عمق المعاناة اليومية لساكنة المخيمات، لكسر احتكار شمولي ظل يتاجر بآلام المحتجزين ويزج بهم في مغامرات عسكرية محكومة بالفشل وتكريس الفقر والشتات.

ويشكل هذا المسار المدني قطيعة صريحة مع عقود ترويج الأوهام، واضعا مصلحة الإنسان الصحراوي فوق كل اعتبار، عبر تبني خيار التسوية السياسية الواقعية التي تنقل الفضاء المغاربي برمته من نفق النزاع المفتعل نحو آفاق الاستقرار، والتنمية، والعيش المشترك.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 25/10/2026 على الساعة 11:00