«السلم الضريبي الجديد طموح للغاية، بل وتاريخي. لم نكن لنحلم يوما بوجود سلم كهذا». بهذه العبارات وصفت مصادرنا إصلاح الضريبة على الدخل الذي تعتزم حكومة المنصوري اتخاذه. ويعد هذا الإصلاح تغييرا جوهريا في نظام فرض الضرائب على الأجور، مع تدابير من شأنها أن تؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية لملايين الأجراء.
ففي برنامجها الحكومي المفصل، الذي كُشف عنه يوم الثلاثاء 20 أكتوبر، أعلنت الحكومة عن نيتها رفع سقف الدخل الصافي السنوي المعفى من الضريبة من 40.000 إلى 60.000 درهم، مع خفض الحد الأقصى للمعدل الهامشي من 37% إلى 30%. كما سيتم تقليص عدد الشرائح الضريبية من ست شرائح إلى ثلاث فقط، بمعدلات تبلغ 10% و20% و30%. ينبغي أن يندرج الإصلاح ضمن مسار يمتد لعدة سنوات، من عام 2027 إلى عام 2031.
هذه هي التوجهات التي تم الإعلان عنها، في حين لم تتضح بعد كافة التفاصيل الدقيقة المتعلقة بسلم الضرائب الذي سيطبق بدءا من عام 2027. ومن المقرر عرض مشروع قانون المالية لعام 2027 على البرلمان يوم الجمعة المقبل، غداة الجلسة المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي والتصويت عليه. وفي هذا السياق، سيتم تحديد التدابير الضريبية الأولى ضمن هذا المسار الجديد.
وبحسب المعلومات التي حصل عليها Le360 من مصدر موثوق، تعتزم الحكومة توجيه إشارة اجتماعية قوية منذ السنة الأولى. ولذلك لن يكون من الضروري الانتظار حتى عام 2031 لرؤية الآثار الأولية للإصلاح. إذ ينتظر تطبيق إجراءين بشكل فوري اعتبارا من يناير 2027، وهما رفع الحد السنوي المعفى من الضريبة من 40.000 إلى 60.000 درهم، وزيادة نسبة الخصم المخصص للمصاريف المهنية من 25% إلى 45%.
ويمثل السلم الضريبي الذي أعلنت عنه الحكومة هدفا يراد بلوغه بحلول عام 2031. وستتطور معاييره تدريجيا على مدى السنوات الخمس المقبلة. ومع ذلك، وبهدف إرسال إشارة سياسية واجتماعية قوية منذ السنة الأولى، قررت الحكومة تنفيذ هذين الإجراءين الرئيسيين بشكل فوري بدءا من يناير 2027، وهما رفع حد الإعفاء الضريبي وزيادة نسبة الخصم عن المصاريف المهنية. والغاية من ذلك هي توجيه رسالة واضحة للأجراء، من خلال جعل تخفيف الضريبة على الدخل أداة لدعم القدرة الشرائية، دون انتظار اكتمال الإصلاح بشكل نهائي.
وتكمن أهمية هذين الإجراءين في الجمع بينهما. ولفهم تأثيرهما، لا بد من التمييز بين الأجر الذي يتقاضاه الأجير فعليا، وبين الوعاء الذي تحتسب على أساسه الضريبة.
تتيح الخصومات على المصاريف المهنية اقتطاع جزء من الدخل المرجعي قبل تطبيق سلم الضريبة على الدخل. ومن خلال رفع نسبة هذا الخصم من 25% إلى 45%، تهدف الحكومة إلى تقليص الوعاء الضريبي بشكل ملموس. كما أن الرفع المتزامن للحد الأدنى السنوي المعفى من الضريبة يعزز هذا الأثر.
لنأخذ مثالا مبسطا: إذا كان الدخل المرجعي 10.000 درهم، فإن خصما بنسبة 25% يعادل 2500 درهم، ما يترك وعاء ضريبيا قدره 7500 درهم. أما في حال تطبيق خصم بنسبة 45%، فسينخفض الوعاء الضريبي إلى 5500 درهم. وهذا يعني فارقا قدره 2000 درهم في الوعاء الخاضع للضريبة. ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة تحقيق توفير ضريبي بنفس القيمة. فالمكسب الفعلي يعتمد على السلم الضريبي المطبق، وعلى أي خصومات أخرى محتملة، وطرق الاحتساب المعتمدة.
ووفقا لمعلوماتنا، فإن الجمع بين رفع الحد الأدنى المعفى من الضريبة وزيادة نسبة الخصم المهني قد يؤدي إلى رفع سقف الراتب الشهري المعفى من الضريبة على الدخل إلى ما يقرب من 10.000 درهم، مقارنة بنحو 6000 درهم حاليا.
وقد يكون لهذا الإجراء أثر ملموس أيضا على فئات الدخل المتوسطة. إذ يمكن لأجير يتقاضى حاليا 20.000 درهم شهريا أن يستفيد من زيادة في راتبه الصافي تتراوح بين 2000 و2500 درهم شهريا.
وبالتالي، فإن الرهان يتجاوز مجرد خفض الحد الأقصى لمعدل الضريبة، إذ يتعلق الأمر بالتدخل بشكل متزامن في الوعاء الضريبي، والحد الأدنى للدخل الخاضع للضريبة، ومعدلات الضريبة المطبقة على مختلف فئات الدخول.
ثلاث شرائح وسقف أقصى يبلغ 30%
تعتزم الحكومة تقليص عدد الشرائح الخاضعة للضريبة من ست شرائح إلى ثلاث، بمعدلات ضريبية تبلغ 10% و20% و30%. وبذلك، سينخفض الحد الأقصى للمعدل الهامشي من 37% إلى 30% بحلول عام 2031.
وبحسب معلوماتنا، قد تنطبق الشريحة الخاضعة للحد الأقصى (30%) على الدخل السنوي الصافي الخاضع للضريبة الذي يتجاوز 500.000 درهم، وذلك بعد خصم المصاريف المهنية. وتمثل هذه الفئة أقل من 1% من مجموع الأجراء.
ولا تزال هذه المعايير بانتظار التأكيد في النصوص التفصيلية. ويتعين تحديد الحدود الدقيقة لكل شريحة، بالإضافة إلى المعدلات الضريبية التي ستطبق في كل مرحلة خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031.
ولا ينبغي الاكتفاء بتحليل شكلي للسلم الضريبي. بل يجب دراسة كل مستوى من مستويات الدخل على حدة. وهنا تكمن أهمية الإصلاح المعلن عنه. فأجيران يخضعان حاليا لنفس المعدل الهامشي قد يحصلان على تخفيفات ضريبية متفاوتة، وذلك بناء على مستوى دخلهما، ووعائهما الضريبي، والشرائح التي سيشملها التخفيض الضريبي فعليا.
ومن الضروري التمييز بين المعدل الهامشي والمعدل المتوسط. فالمعدل الهامشي يطبق على الجزء الأخير من الدخل الخاضع للضريبة، بينما يمثل المعدل المتوسط نسبة إجمالي الضريبة المدفوعة إلى الدخل المعني. وفي نظام الضريبة التصاعدية، لا يطبق الحد الأقصى تلقائيا على كامل الدخل.
لنفترض، على سبيل المثال، سلما ضريبيا افتراضيا تكون فيه الدخول معفاة من الضريبة حتى مبلغ 10.000 درهم، بينما يخضع الجزء الذي يتجاوز هذا المبلغ لضريبة بنسبة 10%. في هذه الحالة، إذا ارتفع دخل المكلف من 10.000 إلى 10,001 درهم، فإنه سيدفع ضريبة إضافية قدرها سنتيم واحد فقط، وذلك لأن المعدل الضريبي لا يطبق إلا على الدرهم الذي يتجاوز حد الإعفاء. أما إذا طبق معدل 10% على الدخل الإجمالي بمجرد تجاوز هذا الحد، فستصل الضريبة إلى 1000,10 درهم.
يوضح هذا المثال لماذا تعد العتبات، وحدود الشرائح، وطرق الاحتساب ذات أهمية تضاهي أهمية المعدلات المعلنة. لذلك، ولتقييم آثار الإصلاح بشكل صحيح، ينبغي فحص قيمة الضريبة قبل الإصلاح وبعده لمستويات مختلفة من الأجور، بدلا من الاكتفاء بالنظر فقط إلى خفض الحد الأقصى.
كما ينبغي وضع الإصلاح الذي أعلنته الحكومة في سياق المقترح الضريبي الذي قدمه حزب الأصالة والمعاصرة ضمن برنامجه الانتخابي.
فقد وعد الحزب بتقليص عدد الشرائح الضريبية من ست إلى ثلاث، وخفض الحد الأقصى إلى 20%. واقترح الحزب، على وجه الخصوص، إعفاء تاما للأجور الإجمالية التي تقل عن 15.000 درهم شهريا، أي ما يعادل حوالي 12.500 درهم صافية وفقاً لتقديراته، مع تطبيق معدل 10% على الشريحة ما بين 15.000 و46.000 درهم صافية، ومعدل 20% على ما يتجاوز ذلك.
ولا يقتصر الاختلاف على عتبات الإعفاء أو الحد الأقصى المعلن فحسب، بل يمتد ليشمل البنية الجوهرية للآليات المقترحة. فحكومة المنصوري تفضل السلم التصاعدي، بينما كان التزام حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابي يقوم على نظام المعدلات النسبية المخصصة لفئات الدخول المختلفة.
في نظام السلم التصاعدي، يطبق كل معدل فقط على جزء الدخل الذي يقع ضمن الشريحة المقابلة له. أما في النظام النسبي، فيطبق معدل واحد على كامل الوعاء الضريبي المعني. ويعد هذا التمييز جوهريا لقياس قيمة الضريبة المستحقة فعليا بناء على مستوى الدخل.
لنأخذ مثالا افتراضيا لتوضيح هذا الاختلاف. لنفترض أن أجيرا لديه وعاء ضريبي قدره 20.000 درهم، وأن حد الإعفاء الضريبي محدد بـ10.000 درهم.
مع سلم ضريبي تصاعدي ينص على الإعفاء حتى مبلغ 10.000 درهم، مع تطبيق معدل ضريبي قدره 10% على الجزء الذي يتجاوز هذا المبلغ، فإن الضريبة المستحقة ستكون 1000 درهم. سيخضع للضريبة فقط ذلك الجزء البالغ 10.000 درهم والذي يتجاوز حد الإعفاء.
مع تطبيق معدل نسبي قدره 10% على إجمالي الدخل بمجرد تجاوز الحد الأدنى، ستصل الضريبة إلى 2000 درهم، مما يعني وجود فارق قدره 1000 درهم.
تكلفة تبلغ 20 مليار درهم على مدى خمس سنوات
من البديهي أن إصلاحا بهذا الحجم تترتب عنه تكلفة على الميزانية. ووفقا لمصادرنا، فإن هذه التكلفة قد تقارب 20 مليار درهم على مدى خمس سنوات، أي بمتوسط تقديري يبلغ 4 مليارات درهم سنويا.
وينبغي تقييم هذا المبلغ في ضوء الدينامية التي شهدتها المداخيل العامة مؤخرا. فقد شهد المغرب منذ عدة سنوات نموا ملحوظا في مداخيله الضريبية، بفضل توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين عمليات التحصيل، ومكافحة التهرب الضريبي. وتقدر المداخيل الضريبية الإضافية المتوقعة للفترة ما بين 2020 و2025 بنحو 129 مليار درهم.
وفي عام 2026 وحده، يتوقع أن تصل المداخيل الضريبية الإضافية إلى 30 مليار درهم، يضاف إليها زيادة بنحو 10 مليارات درهم في مداخيل الضرائب المحلية الخاصة بالجماعات الترابية.
وفي هذا الإطار، تبدو تكلفة إصلاح الضريبة على الدخل، التي تناهز 4 مليارات درهم سنويا، معتدلة نسبيا مقارنة بالمداخيل الإضافية التي تمكنت المالية العامة من تعبئتها. ويكمن الرهان في استغلال هذه الدينامية الضريبية كأداة لتخفيف عبء الضريبة على الدخل وتعزيز القدرة الشرائية للأجراء.
وباسثناء الضريبة على الدخل، لا تعتزم الحكومة إجراء أي إصلاحات جوهرية أخرى في النظام الضريبي. بعد الإصلاحات التي أطلقت في السنوات الأخيرة بشأن الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، تعتزم الحكومة تركيز جهودها على الضريبة على الدخل، بهدف تخفيف العبء الضريبي عن الأجراء.
وقد خضعت الضريبة على الشركات لإصلاح تدريجي في إطار القانون-الإطار المتعلق بالإصلاح الضريبي، مع التوجه نحو معدلات مستهدفة تختلف باختلاف فئات الشركات. كما شهدت الضريبة على القيمة المضافة إعادة تنظيم لمعدلاتها وتوسيعا لنطاق الإعفاءات لتشمل العديد من المنتجات والعمليات.
وفي ما يتعلق بالضريبة على الدخل، فقد رفع قانون المالية لعام 2025 الشريحة المعفاة من 30.000 إلى 40.000 درهم سنويا، مع توسيع بعض الشرائح وخفض الحد الأقصى للمعدل الهامشي من 38% إلى 37%. وقد ساهمت هذه التعديلات، التي جاءت في سياق الالتزامات الناتجة عن الحوار الاجتماعي، في تخفيف العبء الضريبي عن الأجراء والموظفين، لكنها لم تحدث تغييرا جذريا في هيكلية السلم الضريبي.
أما المرحلة الجديدة التي أعلنت عنها حكومة المنصوري، فتتسم بنطاق أوسع. إذ تتمحور حول رفع فوري للحد المعفى ليصل إلى 60.000 درهم، وزيادة نسبة خصم المصاريف المهنية إلى 45%، بالإضافة إلى التوجه نحو اعتماد سلم ضريبي يتكون من ثلاثة شرائح. ومع ذلك، سيعتمد الأثر الفعلي لهذا الإصلاح على المكسب الصافي الذي سيتحقق للأجراء، وعلى قدرة الدولة على تحمل تكلفة هذا التخفيف الضريبي دون الإخلال بتوازن ميزانيتها.
