أوراش على الشاشات وفراغ في الميدان.. النظام الجزائري يدير البلاد بالصورة المفبركة

يقوم فنيون يرتدون ملابس واقية بنشر أجهزة قياس وطائرة بدون طيار في موقع «إن إيكر» خلال عملية وُصفت بأنها «إزالة التلوث» من موقع التجربة النووية الفرنسية «بيريل» في «إن إيكر».

في 02/11/2026 على الساعة 11:38

عرض التلفزيون الدولي الجزائري، في فاتح نونبر، شريطا مصورا يزعم انطلاق «تطهير» موقع التجربة النووية الفرنسية «بيريل» في إن إيكر. لافتة دعائية، استعراض بأزياء بيضاء، رافعات متوقفة عن العمل، وغياب تام لأي أثر لتطهير حقيقي على الأرض. مشهد يعيد إنتاج وصفة دعائية مألوفة منحت الحياة الافتراضية، منذ سنوات، لمنجم غار جبيلات دون أن يشهد أحد دورانه الفعلي. والأدهى أن الشريط يخفي الحقيقة المركزية: غالبية التجارب النووية الفرنسية بالصحراء نُفذت بعد الاستقلال، وبمباركة صريحة من حكام قصر المرادية.

وبثت قناة «AL24 News» الحكومية المقطع في يوم العيد الوطني الجزائري، حيث استغرقت المادة دقيقتين واثنتين وعشرين ثانية تحت عنوان «إطلاق العملية الثانية لتطهير موقع نفق بيريل E2». الشريط يكاد يكون صامتا بالكامل، تتخلله موسيقى ومشاهد جوية لكتلة تاوريرت تان أفيلا، ولوحات تحذيرية تحمل كلمة «خطر»، يتبعها طابور من التقنيين يرتدون أزياء واقية ويسيرون بمحاذاة سياج الموقع. تلا ذلك التقاط صورة جماعية أمام بوابة المنشأة خلف لافتة كُتب عليها: «إطلاق حملة تطهير موقع التجارب النووية الفرنسية بيريل E2، إن إيكر، تمنراست، 1 نونبر 2026».

واقتصر الصوت في العرض على تصريح وحيد استغرق قرابة أربعين ثانية، ظهر فيه باحث من مركز البحث النووي بالدرارية مرتديا قناعا وغطاء رأس داخل شاحنة مختبر متنقلة. وأكد المتحدث انطلاق العملية «عقب استكمال كافة الترتيبات التقنية»، وفق «منهجية علمية» وتدابير سلامة إشعاعية تتطابق مع «المعايير الوطنية والدولية»، وبالاعتماد على «الكفاءات الوطنية». بيد أن التصريح أغفل تقديم أي مؤشرات رقمية؛ فلا مساحات محددة للتدخل، ولا تقديرات لحجم النفايات، ولا جدول زمني للأشغال.

وكشفت التفاصيل المصورة مفارقة صارخة مع الشعارات المرفوعة. إذ ينحصر عمل الفريق في تثبيت ألواح شمسية، وفتح حقائب تضم أجهزة تقنية، وتفحص حواسيب، ثم وضع طائرة مسيرة صغيرة على الأرض. وتندرج هذه التجهيزات ضمن أدوات القياس والرسم الخرائطي، لا آليات التطهير والردم الإشعاعي. وظلت الآليات الثقيلة، ممثلة في رافعتين وجرافة وشاحنة نقل عسكرية، متوقفة عن الحركة من بداية التسجيل حتى نهايته، دون جرف شبر من التراب أو تعبئة حاوية نفايات واحدة. وبذلك، وثق الشريط مجرد حملة رصد تقنية، مقدما إياها للجمهور كعملية تطهير مكتملة الأركان.

ويطرح توقيت البث إشكالات إضافية حول صدقية المادة. ففي حين تعلن اللافتة عن إطلاق العملية في «1 نونبر 2026»، أُتيح الشريط بتركيبه ومؤثراته الصوتية وترجمته على المنصات الرقمية في وقت مبكر من بعد زوال اليوم ذاته. وتظهر في المشاهد تقلبات مناخية واضحة بين سماء غائمة وأخرى صحوة، ما يبرهن على تصوير المادة مسبقا لتواكب ذكرى ثورة التحرير لسنة 1954. وتتكرر هذه السيناريوهات للمرة الثانية؛ إذ بثت وزارة الدفاع، في فبراير الماضي، وثائقيا يروج لما سمته «عملية جزئية أولى للتطهير» بالموقع ذاته، بحسب ما أوردته منصة «Algérie360»، قبل أن تعود اللافتة مجددا بعد تسعة أشهر لتعلن «انطلاقا» ثانيا للأشغال ذاتها.

وعلى المنوال نفسه، نُسجت الرواية الرسمية لمشروع غار جبيلات. فقد دشن الرئيس تبون، في 31 يناير 2026 ببشار، الخط السككي الرابط بين المنجم وبشار عبر تندوف على مسافة 950 كيلومترا. واحتفى تبون، بحسب موقع «كاب ديزاد»، بوصول أول قطار مسافرين قادم من تندوف، وشاهد وثائقيا أعده التلفزيون الرسمي بتوجيه من مديرية الاتصال بالرئاسة، بالتزامن مع إعلان وكالة الأنباء الرسمية إعطاء إشارة انطلاق أولى قوافل نقل خام الحديد، دون الكشف عن أي حمولة محددة.

وتلاشت تلك الإعلانات أمام غياب أي أثر ملموس للمنجم على الأرض. فبعد انقضاء تسعة أشهر على حفل التدشين، امتنعت السلطات عن نشر أدنى معطى رسمي حول الأطنان المستخرجة، أو الكميات المنقولة، أو وتيرة الإنتاج. واقتصرت المشاهد الملتقطة خارج التغطيات الموجهة على ما وثقه الدراج القطري خالد الجابر مطلع يونيو، خلال جولة حظيت بإشادة قناة «الشروق نيوز» نفسها؛ حيث أظهرت العدسة فوهة منجمية جرداء تخلو من أي عامل أو آلية. وفي المقابل، واجه الأكاديمي جلول سلامة حكما بالسجن لأربع سنوات نافذة صدر في 15 أكتوبر، لا لشيء سوى لطرحه تساؤلا تلفزيونيا حول الجدوى الاقتصادية للمشروع.

ويعكس هذا التضارب سياسة إعلامية تتجاوز الترويج الشكلي إلى التضليل الممنهج. ففي غار جبيلات، اختُزل المنجم في مشهد قطار استعراضي، وفي إن إيكر، تحولت الآليات المعطلة إلى واجهة لعملية تطهير وهمية. وفي كلا المشهدين، حلت البروباغندا محل أوراش البناء، بينما ينتظر السجن كل من يكسر الصمت بطرح الأسئلة.

وتجاهل تقرير القناة الرسمية حقيقة تاريخية ثابتة؛ إذ نفذت باريس سبع عشرة تجربة نووية بالصحراء، ضمت أربعة تفجيرات جوية في رقان وثلاثة عشر تفجيرا باطنيا في إن إيكر، جرى أحد عشر منها بعد نيل الجزائر استقلالها، بين مارس 1963 وفبراير 1966. وكانت مجلة «لو نوفيل أوبسرفاتور» سباقة، في أكتوبر 1997، لكشف بنود الاتفاقيات السرية التي رخصت لفرنسا مواصلة تفجيراتها فوق تراب الجزائر المستقلة، في تحقيق للصحافي فنسان جوفير، وهو ما تناولته منصة Le360 بتفصيل موسع.

وظلت السلطة الجزائرية ترعى تلك التجارب فوق ترابها الوطني لقرابة أربع سنوات. ولم يقف التعاون العسكري عند هذا الحد؛ إذ كشف الجنرال المتقاعد رشيد بن يلس، عبر منصة «مغرب إيمرجنت»، عن قبول هواري بومدين تمديد الوجود الفرنسي في قاعدة التجارب الكيميائية والبيولوجية «B2-ناموس» قرب بشار، مقابل الإخلاء المبكر لقاعدة المرسى الكبير، ولم تغادر آخر الفرق الفرنسية الموقع إلا بحلول عام 1986.

وترفع السلطات الجزائرية اليوم سقف مطالبها لباريس بتسليم خرائط المواقع الملوثة وإزالة آثار الإشعاع، في مسعى يفتقد المصداقية ما لم تقر الدولة بحصتها من المسؤولية؛ لكون أحد عشر تفجيرا نُفذ بموافقتها الكاملة وهي في كامل سيادتها. وإن كان النظام يبحث عن متورطين، فالأجدر به مراجعة أرشيفه الخاص بدل إنتاج مقاطع استعراضية للتغطية على الوقائع.

وهكذا، يُدار التطهير في إن إيكر بعدسات الكاميرا، ويُستخرج الحديد في غار جبيلات بأشرطة المونتاج، في مشهد يكرس نهج سلطة عاجزة عن تدبير الواقع، وتكتفي بإخراجه سينمائيا.

تحرير من طرف محمد ولد البواه
في 02/11/2026 على الساعة 11:38