قطار الجزائر - تمنراست: وهم السيادة يسير بالديون

Le président algérien Abdelmadjid Tebboune.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. AFP or licensors

في 30/10/2026 على الساعة 11:39

يكلف ربط العاصمة الجزائرية بمدينة تمنراست عبر السكة الحديدية مع متم سنة 2028 ما يقارب 1910 مليارات دينار، أي نحو 15 مليار دولار. ولتمويل هذا الورش الضخم، لجأ الرئيس عبد المجيد تبون، الذي كان يصف الاستدانة الخارجية بأنها «انتحار سياسي»، إلى الاقتراض من البنك الإفريقي للتنمية والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، لتصبح السيادة الجزائرية خاضعة لجدول سداد معلن.

وكشف وزير المالية الجزائري، محمد الأمين لبو، عن هذا الرقم أمام لجنة المالية بالمجلس الشعبي الوطني خلال دراسة مشروع قانون المالية لسنة 2027.

وأورد موقع «ألجيري إيكو» أن تكلفة الخط الحديدي الرابط بين الجزائر وتمنراست تناهز 1910 مليارات دينار، وهو أضخم المشاريع المدرجة ضمن الميزانية، بينما تكفلت وزارة الأشغال العمومية بكشف الجهة التي ستتحمل فاتورة الإنجاز.

وأفادت الوزارة، عبر بيان رسمي صدر في 22 أكتوبر، بتفاصيل هذا الترتيب المالي. وينقسم خط الأغواط وتمنراست إلى شطرين؛ يمتد الشطر الأول بين الأغواط وغرداية والمنيعة على طول 495 كيلومترا بتمويل من البنك الإفريقي للتنمية والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، بينما يغطي الشطر الثاني، الممتد بين المنيعة وعين صالح وتمنراست على مسافة 1080 كيلومترا، من ميزانية الدولة مباشرة، مع تواصل المباحثات مع البنك الإفريقي لتمويل مقاطع أخرى.

وتبدو الأرقام واضحة للعلن بعدما نشرتها المؤسسات المانحة نفسها؛ إذ وافق البنك الإفريقي للتنمية في دجنبر 2025 على قرض بقيمة 747.3 مليون يورو للمرحلة الأولى، قبل أن يعتمد في يوليوز 2026 تمويلا إضافيا قدره 878 مليون دولار لمقطع غرداية والمنيعة البالغ طوله 230 كيلومترا.

ومن جهته، أدرج البنك الآسيوي على موقعه مشروع قرض سيادي بقيمة 700 مليون دولار لفائدة «الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية» عبر وزارة المالية، لتصل المديونية الخارجية الإجمالية إلى زهاء 2.5 مليار دولار مقابل 495 كيلومترا من السكك فقط.

وتبدو كلمة «قرض» عادية في مختلف دول العالم، لكنها تظل من المحرمات داخل الخطاب الرسمي الجزائري. وكان تبون حاسما أمام مسؤولي وسائل الإعلام المحلية في أكتوبر 2021 حين صرح قائلا: «لن نذهب إلى الاستدانة، هذا مستحيل، ولن أقود بلادي إلى الانتحار السياسي».

وحول الرئيس هذا الرفض إلى وعد انتخابي خلال ولايته الثانية، وتشدد أكثر في ماي 2024 أمام ضباط سامين بوصفه اللجوء إلى الدين الخارجي بأنه «خيانة». وعاد في أبريل 2025 بمدينة بشار ليربط هذا الموقف بقضايا إقليمية، زاعما أن الدولة المدينة تفقد قدرتها على نصرة القضايا، وقال حينها: «لا يمكنني فعل كل شيء وإلا دخلت في فخ المديونية، ويوم تقترض تسكت تماما، فلا تبقى لك كلمة ولا فلسطين ولا صحراء غربية ولا أي شيء، بل تقف استعدادا وتنصاع، ولهذا السبب نرفض الاقتراض».

ويبدو أن رمال الصحراء تبتلع كل التعهدات السابقة، فالأمر لا يعد خرقا معزولا. وفي ماي 2025، كشف موقع Le360 أن رئيس البنك الإسلامي للتنمية أعلن بالجزائر عن اتفاقية بقيمة 3 مليارات دولار مخصصة للقطار نفسه، وسرعان ما تحول توصيف القرض إلى «وضع أموال تحت التصرف» والاستدانة إلى «شراكة استراتيجية» لتفادي الحرج، في محاولة لإيهام الرأي العام بأن النظام لا يقترض، بل يتلقى سيولة بفائدة.

ولم يعد تبون يأبه لتناقض وعوده؛ فبعدما كان الاقتراض الخارجي «مستحيلا» سنة 2021، أضحى «خيانة» عام 2024، ثم «صمتا وانصياعا» في أبريل 2025 ببشار، لتعلن المؤسسات الدولية بعد ذلك عن تدفق المليارات تباعا.

وجاء قرض البنك الإسلامي بقيمة 3 مليارات دولار، تلاه قرض البنك الإفريقي بنحو 747 مليون يورو في دجنبر 2025، ثم 878 مليون دولار إضافية في يوليوز 2026، بالتزامن مع تحضيرات البنك الآسيوي لضخ 700 مليون دولار. ويطلق الرئيس الوعود في المنابر، بينما يوقع وزير ماليته على القروض لدى المانحين، لتتبخر التعهدات بمجرد انتهاء الخطابات.

وتتحمل خزينة الدولة وحدها تمويل الشطر المتبقي بين المنيعة وتمنراست على مسافة 1080 كيلومترا، وهو الجزء الأصعب والأطول مسافة، في ظل ميزانية لسنة 2027 تتوقع إنفاق دينارين مقابل كل دينار من الإيرادات. وحدد تبون نهاية 2028 موعدا نهائيا لتسليم المشروع بالكامل، وأمر خلال مجلس الوزراء بالبدء الفوري في الأشغال، ليبقى أمامه نحو عامين فقط لمد أكثر من 1500 كيلومتر عبر الصحراء، وهو جدول زمني يرتبط بالبروباغندا السياسية أكثر من استناده إلى معايير الهندسة الحديدية، في بلد تتعثر فيه مشاريع حضرية محدودة لسنوات.

ويندرج قطار تمنراست ضمن إطار الحملات التسويقية التي تتيح للرئيس تدشين الأوراش واستعراض الخرائط وتسويق شعار «الجزائر الجديدة» نحو أقصى الجنوب. ويثير المشروع تساؤلات حارقة حول حجم الركاب وحمولة البضائع التي تبرر إنفاقا ضخما على مسافة ألفي كيلومتر، في غياب أي دراسة جدوى اقتصادية معلنة للعموم.

ويكرر هذا المشروع سيناريو منجم «غار جبيلات»، الذي روجه النظام لسنوات كبديل استراتيجي لمرحلة ما بعد النفط. ودشن تبون في فاتح فبراير 2026 خطا بطول 950 كيلومترا يربط المنجم بمدينة بشار معلنا انطلاق أول شحنة خام نحو وهران وسط وعود بإنتاج يصل إلى 50 مليون طن سنويا، غير أن الأشهر الموالية لم تشهد نشر أي حصيلة رقمية تثبت نقل الشحنات الموعودة، ليظل المنجم حبرا على ورق بيانات التدشين. وعوقب الخبير الاقتصادي جلول سلامة، الذي شكك في مردودية المشروع، بالحكم عليه في 15 أكتوبر بأربع سنوات حبسا نافذا بتهمتي «نشر معلومات كاذبة» و«عرقلة الاستثمار»، ليعيد قطار تمنراست النهج ذاته القائم على التدشين والاستعراض ثم الصمت، مع فارق وحيد يتمثل في أن الفاتورة هذه المرة مقومة بالعملة الصعبة.

وبالتوازي مع هذه المشاريع الاستعراضية، يقف المواطنون في طوابير طويلة لاقتناء الحليب المدعم في الجزائر ووهران وقسنطينة، ويكتوون بارتفاع أسعار الدواجن بنسبة 40 في المئة خلال شهر واحد، وسط انهيار مستمر للدينار في السوق الموازية. وتدفع هذه الأوضاع الشباب نحو قوارب الهجرة السرية باتجاه جزر البليار، بينما تستدين السلطة لبناء خط سكة حديدية وسط الفيافي، في مفارقة تعكس انفصال أولويات النظام الدعائية عن انشغالات المواطنين الحقيقية.

وتباهى النظام لسنوات بغياب الديون الخارجية وجعل منها ورقة مزايدة سياسية وإعلامية في مواجهة جيرانه، معتبرا إياها دليلا على سيادة مطلقة. ويكتشف النظام اليوم أن ريع المحروقات لم يعد كافيا لتمويل الاستعراض السياسي، حتى في ظل مستويات أسعار النفط المرتفعة.

وأكد تبون في بشار أن الجزائر إن اقترضت فستقف استعدادا وتنصاع للصمت، وها هي اليوم قد دخلت بوابة المديونية الخارجية، ولم يعد أمامها سوى الصمت.

تحرير من طرف محمد ولد البواه
في 30/10/2026 على الساعة 11:39