بوفاريك - موسكو عبر سماء «الناتو».. جسر جوي جزائري يثير قلق بولندا

طائرة من طراز لوكهيد C-130H هيركوليس قادمة من الجزائر

في 29/10/2026 على الساعة 13:18

تعبر طائرات شحن تابعة للقوات الجوية الجزائرية الأجواء البولندية، منذ مطلع شهر أكتوبر، لتحط في العاصمة الروسية موسكو. ولا يعلم أحد طبيعة ما تحمله هذه الطائرات في بطونها، وهو ما يؤجج المخاوف ويفجر التساؤلات، في وقت اختارت فيه الجزائر التنديد بما وصفته حملات تضليل عوض تقديم إيضاحات واضحة.

وتعود أولى عمليات الرصد إلى يوم الثلاثاء 6 أكتوبر، حين كشف نظام التتبع «بولند ميليتاري رادار» وموقع «ديفنس 24» المتخصص، عن إقلاع طائرة من طراز «لوكهيد سي-130 إتش-30 هيركوليز» تابعة لسلاح الجو الجزائري، مسجلة تحت رقم 7T-WHL، من قاعدة بوفاريك العسكرية جنوب العاصمة الجزائر.

وحلقت الطائرة فوق إيطاليا وكرواتيا وهنغاريا وسلوفاكيا، قبل أن تلج الأجواء البولندية من الجنوب، وتخرج باتجاه بيلاروسيا قرب بلدة «هاينوفكا»، لتهبط في نهاية المطاف بمطار «فنوكوفو» في موسكو.

ورصدت قناة «بولسات نيوز»، بعد أيام قليلة، رحلة في الاتجاه المعاكس سلكت المسار نفسه من موسكو نحو الجزائر عبر بيلاروسيا وبولندا. وفي 22 أكتوبر، كشف موقع «ديفنس 24» عن عبور طائرة ثانية من طراز «سي-130 جيه-30»، شقت سماء البلاد من «جيفيتس» نحو الحدود البيلاروسية، محلقة فوق كراكوف وكييلسي ورادوم.

وأمام توثيق ثلاث رحلات خلال شهر واحد، باتت الصحافة البولندية تتحدث صراحة عن خط جوي «منتظم». وأكدت منصة «فورسال» رصد طائرات أخرى، من طرازي «إليوشن-76 إم دي» و«إل إم-100 جيه»، قطعت مسارات مطابقة خلال الأسابيع المنصرمة، في تكرار لسيناريو ثابت: طائرات عسكرية لدولة لا تنتمي إلى حلف شمال الأطلسي «الناتو» تستبيح أجواء الحلف لتبلغ عاصمة بلد يخوض حربا ضد أوكرانيا، مرورا بحليفته بيلاروسيا.

وفي تصريح لموقع «دبليو بي»، اكتفى المتحدث باسم القيادة العملياتية للقوات المسلحة البولندية، المقدم جاسيك غوريزيفسكي، بتقديم الإفادة الرسمية الوحيدة المتاحة، مشيرا إلى أن الجانب الجزائري «لم يصرح بوجود مواد خطرة».

وقد تقدمت الممثلية الدبلوماسية الجزائرية بطلب تصريح العبور، ونالت الموافقة استنادا إلى ذلك، ما يعني أن بولندا سمحت بمرور الطائرة بناء على مجرد تصريح تفتقر إلى أي وسيلة للتحقق من صحته. وعلاوة على ذلك، أورد موقع «ديفنس 24» أن بعض الرحلات العسكرية الجزائرية معفاة، بحكم آليات تعاون ثنائي، من واجب تفصيل طبيعة الشحنات وحجمها.

واتخذ الملف في وارسو بعدا سياسيا متصاعدا؛ إذ دعا ألكسندر أوليتش، رئيس تحرير «ديفنس 24» والأستاذ في كلية الدفاع البلطيقية، عبر صفحات جريدة «جيشبوسبوليتا»، إلى تعليق منح هذه التراخيص بالتنسيق مع الحلفاء في «الناتو».

وتنطلق رؤيته من حقيقة قاطعة مفادها أن بولندا «ليست ملزمة» بفتح سمائها لهذه الطلعات، ومع غياب أي رقابة على حمولة تلك الطائرات، لا يمكن استبعاد توظيف المعدات المنقولة إلى روسيا في المعارك الجارية ضد أوكرانيا.

واختارت الجزائر كسر صمتها يوم 28 أكتوبر، بعد انقضاء ثلاثة أسابيع على أول رصد للرحلات، حيث أصدرت سفارتها في وارسو بيانا باللغتين الإنجليزية والبولندية، وصفت فيه المعطيات المتعلقة بنقل أسلحة فوق الأراضي البولندية بأنها «مغلوطة».

وجزمت السفارة بأن الرحلات تمتثل للقانون الدولي وتحوز كافة التراخيص الرسمية، مع التأكيد على خلو الطائرات من «أي مواد خطرة»، وداعية إلى «تحري صحة الأخبار» والاعتماد حصرا على «المصادر الرسمية».

ولم تتوقف وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية عند هذا الحد، بل روجت للأمر على أنه نفي صادر عن «القوات المسلحة البولندية»، في حين أن القيادة البولندية لم تنف شيئا، بل اكتفت بترديد ما صرحت به الجزائر لا غير.

ويكشف تحوير عبارة «لم يصرح بوجود مواد خطرة» إلى عنوان دعائي يزعم «نفي الجيش البولندي» أسلوبا دأبت عليه الآلة الإعلامية الرسمية الجزائرية، يستند إلى تقويل الجهات الخارجية ما لم تقله قط.

ولا تبدو هذه الرحلات معزولة عن سياقها، بل تأتي تجسيدا لعلاقات عسكرية وثيقة وضاربة في القدم. وتتبوأ الجزائر، وفق أرقام معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري»، صدارة زبائن السلاح الروسي في القارة الإفريقية منذ عقود طويلة؛ إذ تقوم ترسانتها بالكامل، من مقاتلات وأنظمة دفاع جوي ودبابات وغواصات، على الصناعة الروسية، وتتطلب بطبيعتها تدفقا مستمرا لقطع الغيار وعمليات الصيانة الدورية.

لكن المفارقة الصارخة تكمن في حجم التناقض القائم؛ فالجزائر التي تسير خطوط إمدادها اللوجستي العسكري نحو موسكو عبر سماء «الناتو»، هي ذاتها التي تسوق للغاز الجزائري في العواصم الأوروبية، وتغازل واشنطن، وتطرح نفسها شريكا ضامنا للاستقرار في منطقة الساحل بعد إرسال قواتها إلى قاعدة فرنسية سابقة بالنيجر.

وفي الوقت عينه، تطالب باريس باحترام سيادتها والاعتذار عن الذاكرة الاستعمارية، بينما تلح على وارسو للسماح بمرور أسطولها الجوي دون توجيه أي سؤال.

ولا تمتلك بولندا، المتاخمة لأوكرانيا وبيلاروسيا، ترف التهاون؛ إذ ترصد أجهزتها الدفاعية أسبوعيا مسيرات ومناطيد وأهدافا روسية تخترق حدودها. ومن البديهي إذن أن تنظر وارسو بعين الريبة إلى طائرات عسكرية أجنبية تشق سماءها نحو موسكو دون الإفصاح عن طبيعة ما تحمله.

وتتجاوز مخاوف وارسو لغز الحمولة إلى قضايا السلامة ومستوى كفاءة الأطقم وتهالك العتاد؛ إذ يجر سلاح الجو الجزائري خلفه سجلا ثقيلا من الحوادث الجوية هو من بين الأسوأ عالميا. ففي فبراير 2014، تحطمت طائرة من طراز «سي-130 هيركوليز» — وهو الطراز ذاته الذي يحلق اليوم فوق بولندا — في منطقة أم البواقي، مخلفة 77 قتيلا وناجيا وحيدا.

وفي أبريل 2018، هوت طائرة نقل من طراز «إليوشن-76» عقب إقلاعها من قاعدة بوفاريك تحديدا، مسفرة عن مقتل 257 شخصا في أسوأ كارثة جوية عرفتها الجزائر، وتلتها سلسلة مستمرة من حوادث تحطم المقاتلات وطائرات التدريب.

وفي حين تدعو الجزائر الجانب البولندي إلى تحري المعطيات، تنتظر وارسو حسم أمرين لا ثالث لهما: ماذا تخفي العنابر، ومن يمسك بمقبض القيادة؟

تحرير من طرف محمد ولد البواه
في 29/10/2026 على الساعة 13:18