على خطى السعيد بوتفليقة.. نجل تبون يبسط نفوذه داخل «الجزائر الجديدة»

محمد تبون، نجل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

في 28/10/2026 على الساعة 14:15

لا يحمل أي صفة، ولا تفويضا، ولا مكتبا رسميا؛ ومع ذلك يبسط يده على التعيينات والموفدين، وبات يضع يده اليوم على أجهزة الاستخبارات. يجسد الابن الأكبر للرئيس الجزائري كل ما تعهد والده بالقضاء عليه في 2019: سلطة الظل الممارسة في إطار عائلي، باسم رئيس دولة منهك.

في دجنبر 2019، انتخب عبد المجيد تبون بناء على وعد قاطع بإنهاء حقبة «العصابة» التي صادرت الدولة إبان حكم عبد العزيز بوتفليقة. وكان وجه تلك المجموعة يحمل اسما واضحا: السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس المريض ومستشاره، والذي تحول إلى الحاكم الفعلي لقصر الرئاسة. وبعد سبع سنوات، عاد قصر المرادية ليشهد صعود رجل لا يشغل أي منصب انتخابي، ومع ذلك يحسم في كبريات القرارات؛ اسمه محمد تبون، وهو نجل الرئيس.

تبدو المفارقة قاسية على الوالد؛ ففي سنة 2017، أقيل عبد المجيد تبون من رئاسة الوزراء بعد أقل من ثلاثة أشهر على تعيينه، إثر فتحه مواجهة مع رجال الأعمال المحميين من الجناح الرئاسي، ورأى متتبعون آنذاك أصابع السعيد بوتفليقة خلف قرار عزله. والمفارقة أن الرجل الذي أطاح به شقيق الرئيس انتهى به الأمر إلى تنصيب ابنه في الدور ذاته.

لم يكن صعود محمد تبون وليد اليوم؛ فمنذ صيف 2020، أورد موقع Le360 استنادا إلى مصادر متطابقة، أنه كان يوجه المشورة لوالده، ونسق تقييم الوزراء قبيل تشكيل حكومة جراد، وتولى البحث عن أسماء لشغل المناصب العليا في الدولة.

وخلال الفترة ذاتها، كشف موقع «مغرب أنتلجنس» نشوب خلاف بين الأب وابنه حول وسيط ضغط تركي ومشروع بتروكيماويات بقيمة ستة ملايير دولار، ناسبا إلى الابن طموح التحول إلى «السعيد بوتفليقة الجديد»، وهي عبارة قطعت طريقا طويلا حتى غدت واقعا متداولا.

وأضحى هذا التوصيف يتردد حتى في صفوف المدافعين عن الرئيس؛ إذ يشير سعيد بن سديرة، صانع المحتوى على يوتيوب المقرب من جناح جنرالات العشرية السوداء والذي يصور تبون في موقع الضحية لحاشية خائنة، إلى نجل الرئيس بصفته مركز القرار الفعلي، مقدما واقعتين على ذلك.

ترتبط الواقعة الأولى بملف جنيف؛ حيث يزعم أن المكلف بمهمة عبد اللطيف بلقايم توجه في 24 أكتوبر في رحلة خاطفة إلى سويسرا بأمر مباشر من محمد تبون للقاء رافع تشوكا، وهو اسم برز ضمن قضية فريد بن الشيخ التي ينظر فيها القضاء العسكري بتهمة الخيانة العظمى.

أما الواقعة الثانية فتبدو أشد وزنا؛ إذ يؤكد بن سديرة سعي محمد تبون للإطاحة بمسؤولين بارزين: اللواء منير زاهي، مدير الأمن الداخلي «DGSI»، ومدير أمن الجيش «DCSA»، الجنرال نور الدين معوش، الملقب بـ«أوباما». وتتمثل جريرتهما في التبعية لقيادة أركان السعيد شنقريحة وعدم الرضوخ لأوامره. وهكذا يتطلع نجل رئيس، بلا سند وظيفي، إلى تقرير مصير قادة الاستخبارات، في حين احتاج السعيد بوتفليقة ذاته، وهو في ذروة نفوذه، إلى مرسوم رئاسي من شقيقه لتفكيك جهاز «DRS» التابع للجنرال توفيق.

ولا تتوقف أوجه التطابق هنا؛ فمحمد تبون، شأنه شأن السعيد بوتفليقة، لم يخض أي استحقاق انتخابي قط، ويستمد سلطته من رابطة الدم لا من مسؤولية محددة. ويتغذى نفوذه على تراجع حضور من يتحدث باسمه، فضلا عن ملاحقته باتهامات جني أموال في كواليس الحكم.

ففي يونيو 2025، ومع تداول معلومات أوردتها مجلة «L’Express» حول فرضية تجميد باريس أصولا لنحو عشرين مسؤولا جزائريا، أفاد الصحفي محمد سيفاوي بامتلاك نجلي الرئيس، محمد وخالد، ممتلكات في فرنسا، مشيرا بخصوص محمد إلى ارتباطه بعلاقات وثيقة مع رجال أعمال أتراك. وترسم هذه المعطيات، التي لم يصدر أي تكذيب رسمي بشأنها من الرئاسة الجزائرية، ملامح سيناريو يتكرر: أبناء يستغلون القرب من دوائر القرار خارج أي مساءلة.

يقابل النظام هذه الوقائع بصمت مطبق؛ فلا توضيح بشأن محطة جنيف، ولا نفي للطموحات المنسوبة إلى نجل الرئيس. وفي سياق تُفرض فيه قيود صارمة على رواد الفضاء الرقمي والصحفيين بسبب منشور أو تغطية، لا يجد الشخص المتحكم في تحركات موفدي الرئاسة نفسه معنيا بالمحاسبة، مادام لا يملك وجودا رسميا في الهيكل الإداري.

هنا تحديدا يكمن الخطر؛ فسلطة خارج التوصيف القانوني هي سلطة بلا ضوابط رقابية، لا تنصاع للبرلمان، ولا تقف أمام القضاء، ولا تلين حتى أمام المؤسسة العسكرية التي يبدو الخلاف معها قد خرج إلى العلن. وتدرك الجزائر مسار هذه التجربة وخواتيمها؛ ففي 2019، وحين رفضت التعبئة الشعبية العهدة الخامسة، تخلت قيادة الأركان عن السعيد بوتفليقة. اعتُقل في ماي، وصدر في حقه حكم من محكمة عسكرية ثم حكم بالسجن ثماني سنوات في قضايا فساد، ليكتشف الحاكم الفعلي الأسبق أن حصانة الأخ تنتهي بمجرد عجزه عن الاستمرار.

كان يفترض بـ«الجزائر الجديدة» أن تطوي مرحلة التحكم العائلي، لكنها أعادت إنتاجها بالكامل بتغيير في الأسماء؛ كان لعبد العزيز «سعيد»، ولعبد المجيد «محمد». لم يغير النظام نهجه، بل استبدل العائلة فقط.

تحرير من طرف محمد ولد البواه
في 28/10/2026 على الساعة 14:15