كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن السلطات الجزائرية وضعت التحليل الاقتصادي والقراءة النقدية في دائرة التجريم والملاحقة القضائية، كلما حادت عن الرواية الرسمية. وتجسد هذا التوجه في الحكم الصادر عن محكمة الدار البيضاء بضواحي العاصمة، والقاضي بحبس الأكاديمي جلول سلامة أربع سنوات نافذة، بعد ملاحقته بموجب الفصل 196 مكرر من القانون الجنائي بتهمة «نشر أخبار زائفة من شأنها المساس بالنظام العام»، إثر تشكيكه في المردودية المالية والجدوى التنموية لمشروع منجم «غار جبيلات».
ولم تكد أصداء هذا الحكم تتردد حتى سلطت الضوء على واقع مرير يكرس تحول البلاد، منذ استيلاء الثنائي عبد المجيد تبون وسعيد شنقريحة على سدة الحكم أواخر عام 2019، إلى سجن مفتوح تطارد فيه أجهزة النظام كل صوت يحيد عن المسار المرسوم.
وعلى غرار ما ذكرته «لوموند» بشأن حالة جلول سلامة، تكشف خريطة القمع الشامل كيف تمددت الملاحقات لتطال القامات الفكرية والمراسلين الأجانب، قبل أن تزحف نحو مصادرة أرقام المعيشة وأبحاث الجامعات وتدوينات الفضاء الرقمي، وفق قائمة توثق أبرز محطات هذا الانحدار:
1- محاكمة التحليل الاقتصادي وجريمة إعلان أرقام المعيشة
دفع الأكاديمي والخبير الاقتصادي جلول سلامة ثمن قراءته الفنية المتخصصة، بعدما أصدرت محكمة الدار البيضاء بالضاحية الشرقية للعاصمة، يوم 15 أكتوبر، حكما بحبسه أربع سنوات نافذة.
ودشن الحكم الصادر ضد هذا الخبير مرحلة غير مسبوقة من تكميم الأفواه، جعلت الخوض في مؤشرات التنمية والمشاريع التعدينية جريمة تمس النظام العام.
إقرأ أيضا : الجزائر: السجن أربع سنوات لخبير اقتصادي شكك في جدوى منجم «غار جبيلات»
وجاء هذا التصعيد بعد توبيخ علني وجهه عبد المجيد تبون لوزير النقل والداخلية السابق سعيد سعيود، تلاه تجريده من حقيبة الداخلية خلال تعديل وزاري جزئي في أكتوبر، إثر تصريحات ندد فيها بارتفاع سعر الطماطم إلى 200 دينار للكيلوغرام في شهر غشت.
وعكست هذه الإجراءات خشية هرم السلطة من فضح واقع الأسواق المتدهور وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين، بالتزامن مع تزييف الأرقام الرسمية كما حدث في حرائق منطقة جيجل التي حصرت السلطات ضحاياها في 12 قتيلا، بينما أكدت المعطيات الميدانية والإحصاءات المستقلة سقوط ما لا يقل عن 200 ضحية.
2- احتجاز الصحافي كريستوف غليز ومحاصرة الإعلام الدولي
كرست الأجهزة الأمنية توجسها المتزايد من التغطيات المستقلة باحتجاز الصحافي الاستقصائي الفرنسي كريستوف غليز، المتعاون مع مجلة «سو فوت»، منذ28 مايو 2024 وحتى اليوم، أثناء إجرائه عملا ميدانيا في منطقة تيزي وزو.
إقرأ أيضا : الصحفي الفرنسي كريستوف غليز يضع مصيره بين يدي تبون.. كيف تحول العفو الرئاسي إلى ورقة ضغط سياسية؟
وجاء هذا التوقيف خلال إنجازه تحقيقا صحفيا حول نادي «شبيبة القبائل»، رصد فيه تقاطع الشأن الرياضي بالهوية الثقافية والحراك السياسي في المنطقة، لتلاحقه السلطات بتهم ممارسة النشاط الصحافي دون ترخيص رسمي وشبهات المساس بالمصلحة الوطنية.
وكشفت هذه الواقعة اضطرار المراسلين الأجانب إلى دخول البلاد بتأشيرات سياحية لتجاوز القيود والتعقيدات البيروقراطية المفروضة على منح الاعتمادات الرسمية، كما عكست رعب النظام من أي استقصاء يقارب القضايا الهوياتية والتوترات الاجتماعية خارج إطار الرواية الحكومية.
3- اعتقال الروائي بوعلام صنصال وتوظيف فزاعة الإرهاب
دشنت السلطات الجزائرية في منتصف نونبر 2024 فصلا بالغ الخطورة في تمديد رقعة القمع لتطال القامات الفكرية ذات الصيت العالمي، باعتراض الروائي والمفكر الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال بمطار هواري بومدين بالعاصمة فور وصوله قادما من فرنسا.
وسارعت أجهزة القضاء إلى إيداع الكاتب الحبس المؤقت بتهم ثقيلة تحت طائلة المادة 87 مكرر من قانون العقوبات المتعلقة بمكافحة الإرهاب والمساس بأمن الدولة والوحدة الترابية، إثر تصريحات علنية أدلى بها لوسائل إعلام فرنسية وجه فيها انتقادات صريحة للنظام الحاكم، متطرقا إلى ملف الحدود التاريخية مع المغرب قبل الحقبة الاستعمارية.
إقرأ أيضا : حوار حصري: بوعلام صنصال.. «رهينة الرئيس» الذي ظل شامخا منتصب القامة
وظل الروائي رهن الاعتقال لنحو عام كامل خلف القضبان، قبل أن تسفر وساطة مباشرة قادها الرئيس الألماني عن الإفراج عنه، بعدما تحول ملفه إلى محور تجاذب ديبلوماسي وازن وضغط حقوقي دولي أحرج قادة قصر المرادية وكشف عزلته الخارجية.
وكشفت هذه الواقعة استعداد المؤسسة العسكرية الحاكمة لتطويع الترسانة الزجرية واحتجاز أصحاب الرأي كأوراق ضغط ومساومة، مكرسة تحول البلاد إلى بيئة معادية للفكر الحر تفتح زنازينها وتغلقها تبعا لمنطق الحسابات السياسية والضغوط الدولية لا لسلطان القانون.
4- زحف الترهيب نحو الفضاء الرقمي والمحاكمات الفورية
انتقلت أجهزة الأمن لمطاردة المواطنين في المعقل الأخير للتعبير بعد إحكام إغلاق الشوارع، حيث تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة ملاحقة مفتوحة تترصد التدوينات السلمية على منصتي «فيسبوك» و«إكس».
وشهد شهر شتنبر الماضي تصعيدا لافتا عبر توظيف مسطرة المثول الفوري؛ إذ أوقفت المصالح الأمنية في الجلفة الناشط زبير المبخوت وأحالته مباشرة على المحاكمة، لتقضي بإدانته بعامين حبسا، منها عام نافذ، وغرامة قدرها 200 ألف دينار بسبب منشورات على حسابه الرقمي.
إقرأ أيضا : هستيريا القمع في الجزائر: تدوينات عابرة تقود نشطاء وأكاديميين إلى السجن بتهم «الإرهاب»
وبالوتيرة ذاتها، اقتحمت عناصر الشرطة في تلمسان منزل الناشط بومدين بوزيزة الملقب بـ«ديدن هشام»، وجرى تقديمه فورا أمام النيابة العامة ليدان بالحبس 18 شهرا نافذة مع الإيداع في الجلسة، بعدما كيفت منشوراته الناقدة للواقع العام بتهم ثقيلة شملت المساس بوحدة الوطن والتحريض على التجمهر غير المسلح.
5- محاصرة نساء التعليم والتضييق على الأكاديميات
امتدت السطوة الأمنية لتطال النساء العاملات في قطاعي التربية والتعليم العالي، في مسعى واضح لإشاعة الخوف داخل الفصول والمدرجات.
وتجسد هذا المنحى في ملاحقة أستاذة اللغة الأمازيغية والناشطة التربوية نادية موساوي، المعروفة في الفضاء الأزرق باسم «تمازيغت موساوي»، بولاية البويرة، حيث أمر القضاء بإيداعها الحبس المؤقت وحوكمت بموجب قانون الانتخابات لمجرد تدوينة انتقدت فيها مخرجات الانتخابات التشريعية المجراة في يوليوز، قبل الحكم عليها بعام حبسا موقوف النفاذ بعد حرمانها لأسابيع من أطفالها.
وفي عنابة، استدعت الشرطة الباحثة في علوم الكيمياء والأستاذة بجامعة عنابة نسيمة صويلح للتحقيق حول منشورات شاركها حسابها، قبل إحالتها وفق إجراءات التلبس والمثول الفوري أمام محكمة الحجار، التي أدانتها بعام حبسا موقوف النفاذ وغرامة مالية، لتكريس استهداف الكفاءات العلمية ومنع انخراطها في تقييم الشأن العام.
6- تسييج الدراسات الميدانية ومصادرة البحث العلمي
طالت يد التضييق الأكاديميين والمحللين المستقلين الذين قاربوا القضايا الوطنية والإقليمية بمنهجية بحثية متجردة تخالف السرديات الرسمية.
وزجت السلطات بالباحث الجزائري الكندي رؤوف فراح، المحلل في «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود»، وراء القضبان في فبراير 2023 حيث قضى ثمانية أشهر نافذة، بسبب أبحاث ميدانية تناولت شبكات الهجرة والاقتصاد غير المهيكل في منطقة الساحل.
وعلى المنوال ذاته، لاحقت المنظومة القضائية الباحث في الدراسات الإسلامية سعيد جاب الخير وأدانته في أبريل 2021 بالحبس ثلاث سنوات نافذة بتهمة «المساس بالمعلوم من الدين»، إثر مقالات نقدية قاربت الموروث التاريخي، قبل أن تقضي محكمة الاستئناف ببراءته لاحقا تحت وطأة ضغوط حقوقية واسعة.
7- وأد الصحافة المستقلة وتشميع المؤسسات الإعلامية
شهد الفضاء الإعلامي حملة تجريف ممنهجة استهدفت تصفية المنابر الحرة ودفع الصحافيين نحو الرقابة الذاتية أو السجن.
وبرز استهداف الصحافي إحسان القاضي، مدير إذاعة «راديو إم» وموقع «مغرب إيمرجون»، كأحد أعنف فصول تصفية الإعلام المستقل؛ إذ قضى نحو عامين في السجن بعد إدانته بتهم فضفاضة شملت تلقي تمويلات خارجية للمساس بأمن الدولة، تزامنا مع تشميع مقر شركته «إنترفاس ميديا» ومصادرتها، قبل الإفراج عنه بعفو رئاسي في نونبر 2024.
وبالتوازي مع ذلك، حوكم الصحافي رباح كراش، مراسل صحيفة «ليبرتي» بتمنراست، بالسجن النافذ في أبريل 2021 لمجرد تغطيته احتجاجات الطوارق المنددة بالتهميش التنموي وغياب المشاريع الاقتصادية في الجنوب.
كما واصلت المحاكم استنزاف الصحافي مصطفى بن جامع، رئيس تحرير «لو بروفنسيال»، بالملاحقات والأحكام الحبسية المتكررة ومنعه من السفر، في مسار يتطابق مع سجن الصحافي خالد درارني سابقا بسبب تغطيته مسيرات الحراك، واستمرار التضييق القضائي ضد مدير إذاعة «سارباكان» عبد الكريم زغيلش.
8- تصفية الفاعلين الحزبيين وشل العمل السياسي
وظف الحلف العسكري الحاكم ترسانة الاتهامات الجاهزة لتعطيل النشاط السياسي وشل قيادات المعارضة الديمقراطية.
وتعرض منسق الحركة الديمقراطية والاجتماعية فتحي غراس للاعتقال في صيف 2021 والحكم عليه بالحبس النافذ بسبب تصريحات سياسية عارضت مسار الانتخابات وخيارات السلطة، ليتواصل ترصده بدعاوى قضائية متتالية.
ولم تسلم الكفاءات العسكرية السابقة من دائرة الاستهداف؛ إذ صدر حكم نهائي بالسجن أربع سنوات نافذة بحق اللواء المتقاعد والمرشح الرئاسي الأسبق علي غديري، إثر حوارات صحفية دعا فيها قادة المؤسسة العسكرية إلى عدم التدخل في المسار السياسي للمرحلة الانتقالية.
وانسحب التضييق ذاته على الناشط السياسي كريم طابو، الذي واجه الاعتقال والمحاكمات الجائرة بتهمة المساس بالروح المعنوية للقوات المسلحة، عقب ندوات انتقد فيها تحكم القيادات العسكرية في القرار المدني.
9- أحكام انتقامية ثقيلة ومحاصرة المدافعين عن حقوق الإنسان
أضحت التدوينات ومقاطع الفيديو وسيلة لإنزال عقوبات سالبة للحرية تضاهي أحكام الجنايات الخطيرة، لإخراس كل صوت يوثق الانتهاكات.
ويبرز في هذا السياق الحكم الصادر بحق الناشط الطاهر العربي بالسجن النافذ 15 عاما لمجرد منشورات إلكترونية اعتبرها خبراء الأمم المتحدة احتجازا تعسفيا يخلو من أي ركن مادي، بينما يقضي الشاعر محمد تجاديت، المعروف بشاعر الحراك، حكما بالسجن خمس سنوات نافذة بسبب قصائد وتسجيلات مصورة تنتقد انسداد الأفق المعيشي والسياسي.
وبالتزامن مع استمرار الحبس الاحتياطي للناشط عبد الوكيل بلام بتهم ثقيلة على خلفية تدوينات تضامنية، طال الترهيب المدافع عن حقوق الإنسان زكي حناش في فبراير 2022 بتهمة الإشادة بالإرهاب لمجرد رصده وتوثيقه أسماء المعتقلين، مما اضطره لطلب اللجوء خارج البلاد، فضلا عن استمرار ملاحقة المدون مرزوق تواتي بأحكام متكررة.
10- الترسانة الزجرية.. شرعنة الاستبداد بنصوص مطاطة
وفرت التعديلات المدخلة على المنظومة العقابية غطاء تشريعيا لتحويل النقد السلمي والتحليل الأكاديمي إلى خطر أمني داهم.
وشكل الفصل 87 مكرر فزاعة قانونية جاهزة لتكييف آراء المعارضين والمفكرين ضمن خانات الإرهاب والمساس بوحدة الوطن، في حين أتاحت المادة 196 مكرر المتعلقة بنشر أخبار كاذبة ملاحقة الخبراء الاقتصاديين وكل من يقدم قراءة نقدية تخالف الرواية الرسمية.
وأفرزت هذه الهندسة الزجرية واقعا مرعبا، تلاشت فيه الحدود بين حماية الأمن ومصادرة الحريات الأساسية، وباتت فيه الكلمة أو الفكرة الحرة مدخلا مباشرا نحو غياهب السجون.
