«61 مخربا مغربيا».. سيناريو هزيل يدفع إعلام الجزائر إلى التزييف بالذكاء الاصطناعي

الأشخاص الذين عرضهم التلفزيون الجزائري بعد الإعلان عن اعتقال 61 مواطنا مغربيا، متهمين بالتخطيط لعمليات تخريبية

في 17/10/2026 على الساعة 10:35

كشف تقص مشترك أجرته قناة «فرانس 24» و«إذاعة فرنسا الدولية» (RFI) أن الصور المنسوبة لمن وصفتهم الجزائر بـ«المخربين المغاربة» الموقوفين في وهران، والتي تصدرت صفحات يوميتين وطنيتين جزائريتين، تم إنتاجها بالكامل عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي.

عجزت آلة الدعاية التابعة للنظام الجزائري عن العثور على وثائق بصرية واقعية تدعم روايتها الهشة، لتدشن بذلك فصلا جديدا من فصول الإخراج المخابراتي الهزيل، أو ما بات يُعرف في الأوساط الشعبية بـ«الدحدوحية» في نسختها لعام 2026.

وتوقعت الدوائر المتابعة هذا المآل بعدما أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني الجزائري، في 11 أكتوبر، تفكيك ما سمته «شبكة إجرامية دولية مغربية» من 61 شخصا، أسبغت عليهم وصف «شديدي الخطورة» بدعوى التحضير لـ«أعمال تخريبية».

سخر موقع Le360 في اليوم الموالي من مضامين الرواية الرسمية معتبرا إياها حبكة مستنسخة من الروايات البوليسية الرديئة؛ إذ ادعى البلاغ وصول المشتبه فيهم عبر رحلات جوية إلى تونس، وتسللهم عبر مسالك جبلية وغابات القالة الوعرة، قبل قطع الجغرافيا الجزائرية بأكملها وصولا إلى وهران.

وخلا البيان الأمني من أي تاريخ محدد لتوقيف هؤلاء واكتفى بالإشارة إلى «مطلع أكتوبر»، كما غابت الأهداف والخطط العملياتية المزعومة، ولم يُضبط بحوزتهم سلاح واحد.

انحصرت أدلة الإدانة المعروضة في جوازات سفر مغربية وبضعة أوراق نقدية من الدرهم واليورو، الأمر الذي دفع وكالة «فرانس برس» إلى التنبيه بحياد إلى أن الشرطة الجزائرية «لم تقدم أي تفاصيل بشأن العمليات» المفترضة.

ظهور من الخلف وجوازات على طاولة

تعثرت الحبكة الرسمية عند محاولة إضفاء طابع واقعي على هذه المزاعم.

وبادرت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية (وأج) بنشر صورة يتيمة تُظهر عشرات الرجال من الخلف بحراسة عناصر فرقة البحث والتدخل (BRI)، أمام طاولة مصفوفة بجوازات السفر والهواتف النقالة.

عرض التلفزيون الحكومي مقطعا قصيرا بالزاوية نفسها، وهو محتوى رجحت «فرانس 24» صحته، مؤكدة أنه يمثل «إخراجا مكررا تستعمله السلطات الجزائرية بانتظام» للترويج لعملياتها الأمنية؛ حيث تحولت 61 هيئة مدبرة وطاولة وثائق إلى برهان وحيد على تفكيك شبكة تخريبية دولية.

أعقبت ذلك صور بديلة حاولت تقديم مشاهد أوسع، تصور عشرات الرجال جاثمين برؤوس مطأطأة وأيد مقيدة إلى الخلف وسط انتشار عناصر القوات الخاصة، تلتها زاوية أخرى تبرز الهواتف والسيولة المالية.

وأكد تحقيق «إذاعة فرنسا الدولية»، المدعوم بفقرة «حقيقة أم تدليس» (Info ou intox) على شاشة «فرانس 24»، أن تلك المشاهد صُممت كليا عبر برمجيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدليل المؤشرات التقنية المعتمدة في أداة «SynthID» من «غوغل».

وتجاوز التضليل الفضاء الرقمي وشبكات التواصل، بعدما أقدمت يوميتان جزائريتان، هما «صدى الجزائر» (L’Écho d’Algérie) و«الجمهورية الجديدة» (La Nouvelle République)، على نشر الصور المفبركة لتغطية القضية دون أدنى إشارة توضيحية.

ويكشف هذا المسلك حجم الارتباك الرسمي؛ إذ لا يلجأ الفاعل الإعلامي إلى تزييف الحقائق الصورية حين يمتلك ملفا قانونيا صلبا، بل يفرض التدليس نفسه عندما تنعدم الأدلة الميدانية.

دليل استخدام «الدحدوحية»

ينخرط هذا الأسلوب ضمن نهج دعائي راسخ أطلق عليه الجزائريون مصطلح «الدحدوحية»، المستمد من واقعة «أبو دحدوح»، وهو عنصر وُصف بـ«الإرهابي التائب» عُرضت اعترافاته المتلفزة في يونيو 2021 قبيل استحقاق تشريعي شهد عزوفا كبيرا، للحديث عن مؤامرة مشتركة بين حركتي «ماك» و«رشاد» لاستهداف الحراك، وحُكم عليه بالسجن 20 عاما قبل تبرئته نهائيا عام 2024.

وأعادت السلطة تدوير السيناريو ذاته في غشت 2024 عشية الاقتراع الرئاسي، عبر بث اعترافات شخص آخر زُعم تكليفه بنسف مسار إعادة انتخاب تبون.

وتكررت المناورة في يوليوز 2026 في أعقاب انتخابات تشريعية بلغت نسبة المشاركة فيها 20.79 في المائة وفق البيانات الرسمية، بالإعلان عن توقيف ستة عناصر من «حركة ماك» بينهم أربعة مواطنين مغاربة أُذيعت اعترافاتهم بعد شهر من ذلك.

وتتطابق قضية الموقوفين الـ61 في وهران مع السلسلة ذاتها، مع مضاعفة أعداد الموقوفين وتراجع جودة المؤثرات المستخدمة.

تبقى المعايير دون تغيير: شماعة خارجية يُفضل ربطها بالرباط، وملف فارغ من التفاصيل، وعرض تلفزيوني محسوب التوقيت؛ فالمشهد يأتي، وفق ما رصده موقع Le360 بالتزامن مع استعداد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لمناقشة ملف الصحراء المغربية، ما يجعل الخطوات اللاحقة متوقعة سلفا عبر شاشات تذيع عبارات ملقنة ووجوه مطموسة لاتهام المغرب بالتوجيه والتخطيط.

مهاجرون أم مخربون؟

نقلت مجلة «جون أفريك» عن مصدر رسمي في الرباط وصفه الرواية برمتها بـ«المختلقة»، مبرزا أن الموقوفين مجرد مهاجرين غير نظاميين كانوا يحاولون العبور بحرا نحو السواحل الأوروبية، قبل الزج بهم في سيناريو استخباراتي كرتوني لتغذية البروباغندا.

تتطابق هذه الرؤية مع كل العناصر الميدانية المسجلة؛ إذ تفسر خط العبور من تونس، والمسالك الجبلية، واصطحاب الجوازات والمبالغ المالية الصغيرة، وغياب أدوات التخريب والتسليح، غير أنها تفقد قيمتها من المنظور السياسي لقصر المرادية لكونها تنزع عنه ورقة المظلومية والمؤامرة.

يفرض الواقع الإنساني والقانوني دق ناقوس الخطر إزاء مصير هؤلاء الأشخاص الـ 61، المحتجزين بتهم استندت إلى رواية اضطرت الصحف المحلية إلى اختلاق وقائعها رقميا.

ويكفل القانون الدولي لهؤلاء حق التمثيل القضائي النزيه، والمحاكمة العادلة، والتمتع بالحماية القنصلية من بلدهم المغرب، وهي ثوابت لا تسقطها ركاكة النصوص التحريرية ولا رداءة الخدع البصرية.

أراد مسؤولو الجزائر تصوير مواجهة أمنية ملحمية، فانتهوا إلى إنتاج مادة تلفزيونية هزيلة، رأت صحافتهم ذاتها استحالة تسويقها دون الاستعانة بآليات التوليد الافتراضي.

تحرير من طرف محمد ولد البواه
في 17/10/2026 على الساعة 10:35